عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Sep-2017

حول غنائيّة مليكة العاصمي: الشعر بوصفه فنّا يحرض على العصيان

 القدس العربي-عبد اللطيف الوراري

 
في المغرب، بسببٍ من الغياب الطويل الذي تُكرّسه كتب الأدب والتاريخ عنها لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت بآليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها، لم تُثْبت المرأة حضورها كشاعرة إلا منذ عهدٍ قريب، بعد أن صُودر صوتها في ميدان الشعر، ولم تكن بالنسبة إليه إلّا موضوعًا، أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية، التي ازدهرت خلال العصرين الموحدي والمريني تمثيلًا. ولم تظهر أول مجموعة شعرية نسائية إلا في أواسط السبعينيات من القرن العشرين، غير أن صدور ديوان: «كتابات خارج أسوار العالم» لمليكة العاصمي عام 1987، كان بمثابة تدشين متن شعري مختلف تتكلّمه أنا نسويّة انطلاقاً من الجسد في اختلافيّته، ومن الانهمام بالجسد بوصفه يعكس بحثاً عن معنى ما، أو عن قيمة ما، غالبًا ما يكونان من لدن الأنا في موضع اشتهاء وتوق. وإذا استعرنا عبارة من قصيدة للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي مهداة إلى مليكة العاصمي، فإنّ الشاعرة قد «افتضَّتْ ختم الشعر» وأمكنها أن تفكّ قيود القهر الذكوري وتجهر بالشعر.
فتحت مليكة العاصمي عينيها على نور مراكش وتشرّبت سحرها وبهجتها وحدائق شعرها، وتفتّحت قريحتها على سجل عائلتها ومحتدها الوطنيّ، وعلى واقع سياسي مضطرب، وهو ما ساهم في تشكُّل وعيها بالكتابة مُبكّراً. تقول مليكة: «بدأت مبكّراً في الكتابة وفي النشر منذ أواسط الستينيات واشتهرت منذئذ». 
جنباً إلى جنب «مع رواد القصيدة المغربــــــية، وانخرطت معهم في اهتماماتهم ونضالاتهم، بل بنيت تحت أعينهم مشروعاً نقديًّا لمتابعة ديوان الشعر المغربي منذ أول إطلالاته». غير أن النقد «التجييلي» ـ كما تنعته- ظلمها؛ إذ تقول: «الذي صنفني في السبعينيات هو المحو. المرأة مقصية من التاريخ، وهي مثلبة في التاريخ وفي المؤرخين وليس في النساء».
وتستطرد: «فأنا لا أعرف حقا ما قادني للشعر، وعندما أكتب أصدر عن نوع من التلقائية والحرقة، أطرح من خلالها مكابدات محيط يئن تحت وطأة أزماته. ربما يكون سبب تميُّزي التصاق شعري بحياة الناس ومشكلات مجتمعنا المغربي العربي والمجتمع الإنساني، ومعاناة فئاته وشرائحه المختلفة. لقد تناول شعري حياة النساء والأطفال والفقراء والكادحين والمنحرفين والمناضلين والسياسيين وغيرها، وتناول قضاياهم من الداخل، وفي عمقها وجذورها، وهاجم الحكام في سنوات الرصاص، وناصر الثورات، وخاض معارك الأوضاع العربية العامة والدولية. عاش مع التحولات التاريخية المعاصرة وفي قلبها، كما نفث شكاوى النساء ومظالمهن التي لا تحدّ».
 
سياسات الشعريّ
 
لهذا السبب، يفهم لماذا جسدت مليكة العاصمي ابتداءً من ديوانها «كتابات خارج أسوار العالم»(1987)، وفي الذي أتى بعده «أصوات حنجرة ميتة» (1988)، ارتباط تجربتها الشعرية بمشاغل فكرها السياسي والنضالي، الذي أملى على أناها المتمرّدة والمُحرِّضة أن تُجابه السلطة وتصرخ في وجه الواقع وتكلُّسه وخذلانه. وتنتمي نصوص الديوانين إلى مشاريع الشعر الأولى لأواسط الستينيات وأوائل السبعينيات، وتحمل في داخلها ـ بوعي ووعد في آن- كلّ عناصر بدايات الخوض في الشرط الثقافي أولًا، والشعري ثانيًا، قبل أن تتبلور تجربة القصيدة وتنطبع عليها آثار «الدراما المغربية» وأصوات العصر ووضع المرأة فيه. وشيئاً فشيئاً تعلم الشعر من هذا وذاك، قبل أن ينصرف الشعر إلى الشعر، إلى سياسة الشعر نفسه، ابتداءً من ديوانها «شيء… له أسماء» (1997). 
مع ما نلمسه من رفض ذات الشاعرة وعدم رضاها عن واقعها واحتجاجها عليه بصوتٍ تطبعه الغنائية المنفعلة والغاضبة، إلا أنها لم تضع بوصلة الأمل واستشرافه من يديها، فقد نقلت قصيدتها إلى شسوع الفضاء الدرامي مُستضاء بعبارات الومض والتكثيف حينًا، والتجريد الرمزي حينًا آخر. وقد تأثر الشرط الإيقاعي بذلك، إذ لم يعد يعنيه امتداد العبارة وزناً وتكراراً وتقفية وحسب، بل امتدادها في تربة الإنساني الهشّ وشغفه بالأسرار، كما في عمليها: «دماء الشمس وبورتريهات لأسماء مؤجَّلة» (2001)، و«كتاب العصف» (2008). ففي مقابل هذه اللغة اللاهبة التي تصل الأنا بأصوات عابرة من التجربة الإنسانية العارمة، وربّما تنويعاً عليها، ثمّة انكفاءٌ على النزوع الفرداني للأنا، الذي يقطع مع الهمّ الجماعي لصالح الصوت المفرد المصيخ إلى دبيب الذات في مختلف تقلُّباتها وحالاتها الشعورية والوجدانية، فيما هو يتلبّس بلبوس التجربة الجوّانية أو الجسدية، ويُحوّل لغته إلى لسان حال يسمو بتجربة التَّوْق الصوفي إلى الاكتمال والفناء بعد معاناته حالات الفقد والغياب، مثلما يحوّلها إلى كوكبةٍ نجوم تتلألأ بأثر الجسد وإشراقاته. 
من ذاتٍ تتكلّم إلى آخر، لا يمكن أن نفصل ما هو ذاتيّ عما هو جمعي في قصيدتها، ولكن ليس بمعنى أن يذوب أحدهما في الآخر، بل بمعنى أن يكون كلاهما مُخْلصاً للشعر ومتخفّفًا من بلاغة الإيديولوجيا. فقد انتقلنا إلى طور آخر وحاسم من أطوار تجربة مليكة العاصمي الشعرية، وتحديدًا على مستوى الخطاب، بحيث انفتحت على عناصر الدراما متمثّلةً في المونولوج والحوار البوليفوني والتقطيع والتقنُّع، بشكلٍ رقّى من محتوى الصورة الرمزي والإيحائي، بدون أن تنحدر إلى الغموض والتعمية، وكشف عن تحوُّلٍ جذري في الوعي والكينونة والخبرة الإنسانية التي كانت تمتحنها طوال الوقت وطوال الشعر.
 
الغنائية بوصفه أليغوريا
 
في ديوانها «أشياء تراودها» (منشورات بيت الشعر في المغرب، الرباط 2015) نكتشف خبرة الشكل وخبرة الكينونة، فيما هو يواصل ـ نصّيًا- ما انقطع في ماضي الذات ويفتحه على إمكانات تظهير جديدة، وفي مقدّمتها السرد الذي تقتضيه الحكاية الأليغورية، وتبني عليه حبكتها بمعنى من المعاني. ففي قصيدتيها «مقصلة» و»ووجع»، تحكي ذات الشاعرة عن الانتظار المحبط، وتكنّي عن العنكبوت باليأس الذي يخيّم على حياة بكاملها. وتحكي عن واقع المدينة العربية التي انحدرت صرختها إلى «جحيم الظلام»، وعن مواجع واقع الحال الذي يتكبده الشعراء ويعالجونه بـ»الآمال والقصائد المنفعلة».
نكتشف أن القصيدتين، وهما تُظهران الجمعيِّ وما فيه من صمت وعجز وانتظارية قاتلة، تمهدان لاستراتيجية القول عند الذات وتدبّران تداوليًّا ما ستأتي على التعبير عنه وتدينه بصوتها الفردي: 
«أشعرُ أنّكِ هذا المساءَ الأخيرَ
ستمضين عن ناظري
كَسَنا البَرْقِ
أبحثُ في اللُّغةِ المُشرَئِبّةِ
عنكِ
وعن جسدي المستعر بنار الفُتوّة..» 
إنّ الذات لا تتموقع من الخطاب كضمير شخصيٍّ يطبع ملفوظاتها بالأثر الغنائي، بل تُجرِّد منه ضميرًا آخر من جنسها هو بمثابة ذريعة نصية؛ حيث يمنح لها امتدادًا في هذا الخطاب، بل أكثر منه ينزع بها إلى اللاشخصي الذي يغتني بسمة المفارقة ومجاوزة الواقع:
«كُوني لهاجرتي الظّلَّ
كُوني لِجَهْلي النبِيَّ
ودونَكِ قلبي
اطْعَنيهِ كما شِئْت
ووجهي 
ارسميه 
أعيدي تضاريسَهُ
شَكِّليهِ كما ترغبينَ
وهاكِ نَحيبي 
اعْزِفيهِ جديدًا
إلى أن يشفَّ وتصعدَ أُغْنيّتي للسماء»
من هنا، يرتفع أنا الشاعرة الغنائي إلى مستوى من التشخيص اللغوي وهو يضمُّ متخيل العبور الذي يحاول أن «ينفض العمر» دون الوصول إلى ما يرغب فيه، إلى الملفوظ الجسداني الذي يمارس جنونه المعقلن وإغواءه على ذات الأنثى الجريحة على النحو الذي يجعلها تريد التطهُّر من «طينها المتعفِّن» وتعيد تشكيل عناصر كينونتها من جديد في مطهر النار:
«إنّي أموتُ عليكِ
أشقُّ قميصي
لكي تنظري كيف تَضْطرم النّارُ
في كبدي كاللّظَى
أُقطِّعُ قيثارتي من نياط الدِّماغ..»
إن اللغة، هنا، تظلُّ تبحث عن شفافية الذات المفتقدة وشوقها المولَّه، فلا تكاد تفارق محسوسيّتها حتى حين تبلغ هذه الذات المتحرقة مدىً ما من المجاوزة المحلوم بها. إنها تنهض من ركام الذكريات المبرّحة، و«تصارع التَّوْق» بقدر ما هي تنبثق من شرطها الأرضي الذي هو من شرط الآلام وشرط الغناء:
« يا رياحَ الشِّتاءِ
تَعُودينَ مُثْقلةً بالتباريحِ
ما أوْرَقَ الزّمَنُ المُشْتهى- 
وتَمُوتينَ كالزّفَراتِ إذا نُفِثَتْ في أديم السماء»
من فاصلة إلى أخرى، تشفُّ نصوص الديوان عن ذات تتغذّى على شرط آدميّتها المفارق، وتحذوها رغبة ما إن تنطفئ في المساء الذي يقترن بالحزن والألم وتداعي الذكريات، حتى تتولّد في كل فجر، كأنّ الفجر برزخ بين حالتي الذات المتصارعتين، وانبثاق لإرادة الحياة التي تتجدد مع عناصر الطبيعة المشرقة من رحم الولادة والضوء والخفقان والاختلاج والعطر:
«قُلْتُ
دَعيني
أُلابِسْكِ
في شَهْقة الفَجْرِ
عند انبثاق النّوازِعِ
في 
سُرّة الكَوْنِ…»
مثل هذه الذات في عنفوانها وكبريائها وجنونها فاتتها أشياء ومواعيد وقصص من حياتها، غير أنّها لا تنظر إلى الفائت بعين الندم، لأن ما فاتها كان من اختيارها الشخصي وصميم أخلاقيات كتابتها، وبالتالي: «لم يَفُتْني شيء». فالغنائية الخاصة بالذات، الأصلية والمتلفظة، لا تتعلق بشكل اللغة وبنائها وحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى تشييد نسقها القيمي الذي به تتحقق صفة الجوهر الكينوني لأنا الكتابة الذي يردُّ الاعتبار لحضورها في العالم، وصفة الإمكان التعبيري الذي يعيد التسمية، بل يذهب إلى أقصاها عندما يضمّ إلى سجلّ مفقوداته الذاتية الشخوصَ والقيم والنصوص والأساليب والأمكنة المرجعية بشكل غير قابل للفصل: ليلى المريضة في العراق، الأخيلية، مريم، القرآن، الحكاية الشعبية، مراكش، طنجة، إلخ. كما أنّ مثل هذه الغنائية تتوهج داخل الإيقاع بشتّى ممكناته عبر ما ينشأ في اللغة بعلاقاتها الصوتية والرمزية والنظمية (اللعب بالحروف، الموازنات، الترجيعات، التقفية، التكرار والتدوير)، كأنّه يصحُّ أن نتحدث عن «عُقدة إيقاعية» تعمل على تظهيرها والتسلّي معها صوتيًّا وجسديًّا، إلى حدّ أن جعلت من هذا الإيقاع مسموعًا ومرئيًّا ولاواعيًا؛ وبالتالي، جعلت منه عَروضها الشخصي الذي يُبني بالشعر وعبره، وفيه نفاسةٌ من قدر الأنثى بصبوتها وروائحها وخوفها وهشاشتها وغضبها، وفيه وميضٌ من ماضيّ طفولتها وظمئها الذي يمتزج – كِنائيًّا- بمحكيّ مراكش:
 
«تتدلّى العناقيدُ تحت الدّوالي سُلافًا
وأهلي عِطاشٌ
تفيضُ العُذُوقُ
تَفِزُّ من النّخْلِ مَقْهورةً كُلّما اعتقلَتْها الجُذوعُ
أيا ثَمْرةَ المُزْنِ
ما لَكِ طافِحَةٌ
والجواري تشقُّ الجُيوبَ
وتَكْرَعُ من نَهَم الفَجْرِ حتى الثُّمالةِ»
 
بواجب الشعر والإصغاء له على الدوام، كانت مليكة العاصمي شاهدةً في عصر مضطرم ومتلاطم على أملنا العظيم، ووجودنا، ومأساتنا، والخوف الذي يتربّص بنا من المستنقعات وحواف الكارثة. وفي هذا المعنى، يكون شعرها خطيرًا يخشاه السياسيُّون ولا يُدرَّس في الجامعات والمدارس، فإنّه بوصفه فنًّا يُحرّض على العصيان. ولكن بالقدر ذاته، أو نتيجةً طبيعية له، يُعلّم جدارة الحب ولا يتنازل عنها قيد أنملة.
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات