عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Dec-2018

قوات الاتحاد الأوروبي على الطريق

 الغد-كارل بيلدت

 
ستوكهولم- فجأة اكتسب الجدل عن إنشاء جيش أوروبي موحد زخماً إضافياً. فبعد أن اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفكرة مؤخراً، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الاستخفاف بها -من خلال تغريدة بطبيعة الحال- ولكن المستشارة الألمانية أنجيلا ماركيل وافقت عليها (مع الحث على الحذر).
كانت هذه المسألة في الواجهة في الشهر الماضي عند الاحتفال بمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي كان من الطبيعي أن تركز اهتمام الأوروبيين على قضايا الحرب والسلام. وخلال تجواله في ميادين معارك الحرب العالمية الاولى، لاحظ ماكرون أن "السلام في أوروبا ثمين جداً"، وقال: "لن نحمي الأوروبيين ما لم نقرر أن يكون لدينا جيش أوروبي حقيقي".
يعود هدف إنشاء جيش أوروبي يعود إلى المراحل المبكرة من الاندماج الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. ففي سنة 1954 رفض البرلمان الفرنسي المصادقة على معاهدة كانت ستؤسس مجموعة دفاعية أوروبية وقوة عسكرية موحدة تتألف من ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. وتبعاً لذلك كانت هياكل الاندماج التي شكلت في نهاية المطاف أساس الاتحاد الأوروبي اليوم ذات طابع اقتصادي، وتم ترك مسألة الدفاع الإقليمي لحلف شمال الأطلسي ومظلة الأمن الأميركية.
ولكن، كانت هناك خلال العقود القليلة الماضية حركة أكبر في اتجاه تأسيس سياسة خارجية وأمنية مشتركة للإتحاد الأوروبي، وتم تطوير هياكل ومؤسسات جديدة تضع نصب أعينها ذلك الهدف. لكن المناقشات الحالية المتعلقة بالدفاع الأوروبي ما تزال في مرحلة مبكرة للغاية، وحتى الآن قام الاتحاد الاوروبي بشكل رئيسي بتعزيز التعاون في مجال الأبحاث والتنمية، بينما قامت تجمعات تضم دولاً مختلفة بالعمل على تأسيس قدرات دفاعية وأمنية مختلفة. وفي موازنة السنوات السبع المقبلة، من المرجح أن يكون هناك تمويل معتبر لمثل تلك المشاريع.
لعل ماكرون محق في التفكير بأن البيئة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي أصبحت هشة بشكل متزايد. فقد أصبح الأوروبيون اليوم يواجهون روسيا ذات النزعة الإنتقامية، والحزم الصيني والسياسات المضطربة لأميركا. وعلى الرغم من قيام الولايات المتحدة الأميركية بتوسيع قدراتها العسكرية في أوروبا في السنوات الاخيرة، إلا أنها تعاملت في السابق مع القارة بشكل عام على أنها منصة انطلاق لعملياتها في الأماكن الأخرى. والآن بعد أن ألقى ترامب بظلال الشك على التزام أميركا بالدفاع عن اوروبا، لم يكن من المفاجئ أن نرى اقتراحات تتعلق بإنشاء الجيش الأوروبي.
لكن أوروبا هي موطن لثلاثة بلدان لديها ثقافة استراتيجية قوية، وهي فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا. ولدى كل تلك البلدان فهم مؤسساتي عميق لدينامية القوة الجيوسياسية واستخدام القوة العسكرية. وفي واقع الأمر، يوحي برنامج روسيا للتحديث العسكري بأنها قد أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القوة العسكرية من أجل تحقيق مصالحها.
في الوقت نفسه، قامت فرنسا بإطلاق مبادرة التدخل الأوروبي، وهي إطار جديد لتوحيد الدول التي لديها قدرات دفاعية حقيقية وترغب في استخدامها. والأهم من ذلك كله، فإن هذا التجمع الجديد سيتضمن المملكة المتحدة حتى بعد ان تغادر الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن رؤية ماكرون لجيش أوروبي تحت قيادة مركزية على مستوى الاتحاد الأوروبي ما تزال رؤية طموحة للمستقبل المنظور، لسبب بسيط هو أن الدول نادراً ما تتنازل عن جيوشها الخاصة بشكل طوعي.
مهما يكن من أمر، فإن من المفيد النظر في الهدف الأشمل لماكرون والذي يتجاوز المخاوف الحالية مثل ترامب وبريكست. وباختصار، يدعو ماكرون أوروبا إلى تطوير استراتيجية أكثر تماسكاً واستقلالية من أجل تحقيق مصالحها الأمنية والدفاعية في القرن الحادي والعشرين.
غني عن القول إن المشروع سيواجه العديد من العوائق. ويمكن ردع استخدام روسيا للقوة النووية فقط بالقوة النووية للولايات المتحدة الأميركية. ولا تحب فرنسا وبريطانيا الاعتراف بذلك، ولكن ترسانتيهما النووية هي بكل بساطة غير كافية، وخاصة بسبب قيام روسيا حالياً بتطوير ترسانتها النووية. وبالإضافة إلى الردع النووي، من المرجح أن تبقى الولايات المتحدة الأميركية في مركز القيادة والسيطرة والاستخبارات عندما يتعلق الأمر بعمليات عسكرية قد تجري في طول القارة وعرضها.
بالاضافة إلى ذلك، يحتاج الأوروبيون إلى تسوية عدد من التوترات الداخلية. فألمانيا تصر على أن يتم وضع جميع البرامج الجديدة ضمن هياكل الاتحاد الاوروبي، مع طلب الموافقة البرلمانية على جميع العمليات. ولكن البريطانيين لم يعودوا ينتمون إلى الاتحاد الأوروبي، وسيبقون متشككين في الحديث الفرنسي عن الاستقلالية الاستراتيجية التي يمكن أن توحي بوجود ناتو أضعف. وهذا الطرح ينطبق على دول أوروبا الشرقية المنتمية إلى عضوية الاتحاد الأوروبي والتي هي أقل رغبة في الموافقة على فك ارتباطها بالناتو أو الولايات المتحدة الأميركية.
على الرغم من هذه المصاعب، نشأ توافق على الحاجة إلى إعادة هيكلة الدفاع الأوروبي. ويبدو أن سبب الزخم الظاهري هو التهديد المتزايد من روسيا والصين والشرق الأوسط بشكل عام. لكن الواقع المقلق هو أن تجدد الاهتمام بالاندماج العسكري يعكس أيضاً تآكل الوضع الاستراتيجي لأوروبا كنتيجة لبريكست -وفي بعض الجوانب نتيجة لترامب.
إنني أتوقع أن يكون الجيش الفرنسي -وليس الجيش الأوروبي- هو الذي يستعرض قواته في جادة الشانزليزيه في احتفالات يوم الباستيل لعقود مقبلة. لكنني أتوقع أيضاً أن تصبح الدول الأوروبية أكثر حزماً في الدفاع عن سيادتها والتصرف بشكل جماعي عندما يتعلق الأمر بالأمن.
 
*كان وزير خارجية السويد في الفترة من العام 2006 إلى العام 2014، ورئيس الوزراء من العام 1991 إلى العام 1994، عندما تفاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. وهو دبلوماسي دولي معروف، شغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى يوغوسلافيا السابقة، والممثل الأعلى للبوسنة والهرسك، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية لحوكمة الإنترنت وعضو في مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أوروبا.
*خاص بـ"_"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات