عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Jul-2016

لَشبونة . . أرض الخيال والحب الأندلسي lisboa

 

الراي  د. محمد عبده حتاملة - فتح المسلمون الأندلس وأسسوا فيها حضارة مزدهرة على مدى ثمانية قرون. وعلى الرغم من خروج المسلمين من الأندلس منذ زمن طويل، فإن آثار حضارتهم لا تزال ماثلة فيها إلى اليوم. ولم يكن فتح المسلمين للأندلس مجرد غزو لنشر الإسلام أو نيْل الغنائم، وإنما كان أيضاً انتقالاً للحضارة الإسلامية من بلاد المسلمين إلى شبه الجزيرة الآيبيرية ومن ثم إلى بقية أرجاء القارة الأوروبية.
 
لقد برع المسلمون في شتى ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفوقوا في صنوف العلوم والمعارف. لذا فقد تمكنوا من إقامة دول وممالك قوية في الأندلس، فما لبثت مدن الأندلس أن أصبحت مراكز للإشعاع الحضاري وحواضر للعلم والأدب والفن؛ كل ذلك تحت راية الإسلام وفي ظل ما يتمتع به الفكر الإسلامي من عدالة وتسامح ومساواة، مما ساعد على أن يعمل الأندلسيون بجدّ واجتهاد واندفاع لبناء دولهم ومدنهم بالرغم من اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم؛ فكان في الأندلس المسلمون من العرب والبربر، مثلما كان فيها النصارى واليهود، إلا أن ذلك لم يمنع من انصهارهم في بوتقة واحدة لتأسيس مجتمع متحضر كان وما زال مثالاً يجدر به أن يُحتذى.
 
لكن عندما فشل المسلمون وذهبت ريحهم لتنازعهم وتناحرهم وتكالبهم على السلطة والحكم، واستعانوا بالنصارى على بعضهم، دالت دولتهم وتساقطت مدنهم الواحدة تلو الأخرى، فكان مصيرهم القتل أو التشريد أو التنصير أو التنكيل. ولا عجب في ذلك؛ فهذه سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل: [ إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ].
 
لقد تميزت المدن الأندلسية في عهد المسلمين بالتحضُّر والتقدم والتطور، وما زالت الآثار الخالدة الباقية فيها إلى يومنا هذا دليلاً دامغاً وبرهاناً ساطعاً على ما شهدته من حضارة مزدهرة. ويطيب لي أن أتحدث في هذه الشذرات عن عددٍ من المدن الأندلسية من حيث تاريخها وحضارتها ومعالمها. وما الحديث عن تلك المدن وغيرها من قبيل البكاء على الأطلال أو اجترار الماضي المجيد، وإنما يُقصد منه أخذ الدروس واستخلاص العبر في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى التكاتف والتلاحم والتجمع ونبذ جميع مظاهر الفرقة والتشتت والتشرذم. هذا بالإضافة إلى استحضار جانب من حضارة المسلمين في الأندلس التي أقاموها على أساس متين؛ ألا وهو الفكر الإسلامي العادل الحر الذي يساوي بين جميع أفراد المجتمع على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم، لعلّي أُسهم بذلك ولو بالقليل في تنقية الصورة المشوهة للإسلام لدى الغرب التي تصفه بالعنف والإرهاب. وعلى الله قصد السبيل.
 
مدينة بالأندلس، تسمى أيضاً أشبونة: بالفتح ثم السكون، وباء موحدة، وواو ساكنة، ونون وهاء تأنيث. أما أُشبونة: فبضم الهمزة وسكون الشين المعجمة، وضم الباء المنقوطة بواحدة، بعدها واو ساكنة ونون وهاء تأنيث.
 
واسم لشبونة القديم: أوليسيبو أو أوليسيبونيا، وهو اسمها الروماني، ومنه اشتق المسلمون اسم: الأشبونة، أو أشبونة. وهي عاصمة البرتغال حالياً.
 
فمدينة لشبونة مدينة قديمة، تقع إلى الغرب من مدينة باجة على نهر تاجُه عند مصبه في البحر المحيط (الأطلسي). وموقعها من قرطبة إلى الغرب منها، ويتصل عملها بأعمال شنترين.
 
ولشبونة مدينة حسنة ممتدة مع النهر، ولها سور وقصبة منيعة. وسورها رائق البنيان، بديع الشأن، وبابها الغربي قد عُقدت عليه حنايا فوق حنايا على عمد من رخام مثبتة على حجارة من رخام، وهو أكبر أبوابها، ولها باب غربي أيضاً يعرف بباب الخوخة مشرف على مسرح فسيح يشقّه جدولا ماء يصبان في البحر. ولها باب قبلي يسمى باب البحر... وباب شرقي يعرف بباب الحمة. والحمة التي نسب إليها الباب الشرقي تقع في وسط المدينة، وهي حارّة في الشتاء والصيف، ويوجد بالقرب منها، أي من الحمّة، موضع يعرف بدرب المغرّرين.
 
وترتفع مدينة لشبونة على ربوة عالية، وتعلو قصبتها فوق سطح البحر خمسة وتسعين قدماً.
 
تشتهر لشبونة بعسلها خالص البياض كالسكر، وهو عسل إذا وضع في كيس كتان لا يكون له رطوبة. ولها أثرة فاضلة في طيب الثمرات، وتمكن في ضروب الصيد براً وبحراً. فهي مدينة كثيرة الأرزاق من الزرع والحبوب وغير ذلك، ولقد يوجد فيها تفاح... دوْر التفاحة منه ثلاثة أشبار وأقل وأكثر. ويوجد في ريفها العنبر، ويكثربكورتها التبر. وحجر البجادي موجود بناحية مدينة الأشبونة في جبل هناك يتلألأ فيه ليلاً كالسُّرُج.
 
وتشتهر لشبونة أيضاً كمركز تجاري مهم على ساحل المحيط الأطلسي يُجلب إليه العبيد والفراء والقصدير والسيوف.
 
والمغررون الذين سمي بهم درب قرب باب الحمة من أبواب لشبونة هم ثمانية رجال كلهم أبناء عم، اجتمعوا فابتنوا مركباً، وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر في أول طاروس (هبوب) الريح الشرقية، فجروا بها نحواً من أحد عشر يوماً، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج، كدر الروائح، كثير النزوش (الصخور)، قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف، فردوا قلعهم في اليد الأخرى، وجروا في البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوماً، فخرجوا إلى جزيرة الغنم (ربما كانت إحدى جزر آزور)، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عدّ ولا تحصيل، وهي سارحة لا ناظر لها ولا راعي، فقصدوا الجزيرة ونزلوها، فوجدوا عين ماء جارية عليها شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها، فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوماً إلى أن لاحت لهم جزيرة (لعلها إحدى جزر كناري/ الخالدات)، فنظروا فيها إلى عمارة وحرث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان إلا غير بعيد حتى أحاطت بهم زوارق، فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأنزلوا بها في دار، فرأوا بها رجالاً شقراً زعراً، وشعورهم سبطة، وهم طوال القدود، لنسائهم جمال عجيب. فاعتقلوا في بيت ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي، فسألهم عن حالهم، وفيم جاءوا؟ وأين بلادهم؟ فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيراً، وأعلمهم أنه ترجمان. فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أُحضروا بين يدي الملك، فسألهم عما سألهم عنه الترجمان. فأخبروه بما أخبروا به الترجمان بالأمس، وأنهم اقتحموا البحر ليروا ما فيه من العجائب، وليقفوا على نهايته. ويشير الحميري الذي أورد قصة المغررين إلى أن الملك قرر إبعادهم؛ إذ حُملوا في مركب معصوبي الأعين، وأُنزلوا بعد ثلاثة أيام على ساحل المغرب عند بلدة أسفي، وهناك علموا أن بينهم وبين بلدهم لشبونة مسيرة شهرين.
 
وهكذا فإن هؤلاء الفتية أمضوا ثمانية وثلاثين يوماً في مياه المحيط الأطلسي، قطعوا خلالها نحو 3800 كيلومتر، وهي أطول مسافة قطعت فيه إلى ذلك الحين. وكانوا بذلك السبّاقين إلى محاولة استجلاء العالم الجديد، وكانت خطوتهم مقدمة لحركة الكشوف البحرية البرتغالية. وهي محاولة تدل أيضاً على ازدهار لشبونة الإسلامية كميناء كبير نشطت فيه التجارة والملاحة.
 
كانت لشبونة في البداية جزءاً من كورة باجة، ثم أصبحت كورة مستقلة تتبعها عدة مدن في غربي الأندلس. ولم تحدد المصادر تاريخ فتح لشبونة، ولا ذكرت فاتحها بشكل صريح، وإنما أشارت إلى ما يدل على أن عبد العزيز بن موسى بن نصير هو الذي فتحها. وربما كان ذلك في عهد أبيه، وهو الأرجح، أو في عهده كأول والٍ للأندلس. ويمكن استنتاج أنها فتحت سنة 95 هـ/ 714م.
 
تعرضت لشبونة لعدوان المجوس (النورمان) سنة 229هـ/ 844م؛ فقد هاجموها في أربعة وخمسين مركباً، ومعها أربعة وخمسون قارباً، وذلك في عهد الأمير الأموي عبد الرحمن الثاني (الأوسط) (206- 238هـ/ 822- 852م). وكان عاملها هو وهب الله بن حزم الذي أبلغ الأمير عبد الرحمن بالأمر، فكتب إليه الأمير عبد الرحمن وإلى عمال السواحل بالتحفظ. ويبدو أن عامل المدينة اتخذ الأهبة لصدهم، مما اضطرهم إلى التراجع بعد أن احتلوا بسيط المدينة واشتبكوا مع أهلها، واستمرت الملاحم بين الطرفين نحو ثلاثة عشر يوماً.
 
وتعرضت لشبونة في عامي 342 و 344هـ/ 953 و 955م لغارات غادرة قام بها ملك ليون أردونو الثالث، إلا أن المسلمين تمكنوا من صده، وألحقوا بقواته هزائم كبيرة، واضطر إلى عقد هدنة مع الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر (300- 350هـ/ 912- 961م).
 
وتوقف النورمان عن نشاطاتهم البحرية العدوانية ضد المدن الأندلسية نحو قرن من الزمان، ثم استأنفوا هذا النشاط، وأعادوا الكرة ضد لشبونة؛ فقد هاجموها في عهد الحكم المستنصر (350- 366هـ/ 961- 976م)، وكان هذا الهجوم سنة 355هـ/ 966م. ففي أول رجب منها ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر بالله يذكر فيه ظهور أسطول المجوس ببحر الغرب بقرب من هذا المكان، واضطرب أهل ذلك الساحل كله لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف، وكانوا في ثمانية وعشرين مركباً، ثم تردافت الكتب من تلك السواحلبأخبارهم، وأنهم قد أضرّوا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة، فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب، استشهد فيها من المسلمين، وقتل فيها من الكافرين.
 
وكان الوالي على لشبونة وغرب الأندلس للحكم المستنصر هو أحد عبيد الحكم، ويقال له (سابور). وقد انتزى فيها في أيام الفتنة، في بداية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واستعان على حكمها بعبد الله بن محمد بن مسلمة المعروف بابن الأفطس. وبعد وفاة سابور، استأثر ابن الأفطس بحكمها.
 
ونشبت بين ابن الأفطس وابن عباد صاحب إشبيلية حروب أدت إلى ضعف مملكتيهما، وتعريضهما لأطماع النصارى, وكان يحكم لشبونة في تلك الأثناء عمر بن الأفطس (المتوكل) الذي خلعه المرابطون وقتلوه سنة 487هـ/ 1094م.
 
وترجع أسباب مقتل المتوكل بن الأفطس إلى أنه تحالف مع ملك قشتالة النصراني ألفونسو السادس ضد المرابطين، وتنازل له عن لشبونة ومدن أخرى مقابل وقوفه إلى جانبه ضدهم، مما أدى إلى دخول ألفونسو السادس لشبونة محتلاً في 6 ربيع الثاني 486هـ/ 6 أيار 1093م، لذلك قبض الأمير المرابطي سير بن بكر على المتوكل وقتله، لأنه نقم عليه ما كان من عمله مع النصارى والمعاقل التي أعطاهم.
 
واسترد المرابطون لشبونة من أيدي النصارى بعد نحو سنة ونصف من احتلالها.
 
واستغلت الممالك النصرانية ضعف المرابطين في أواخر عهدهم بالأندلس، وقيام الفتن والثورات ضدهم، وأخذوا يهاجمون المدن والحصون المجاورة لهم، وقد تمكنوا عام 540هـ/ 1146م من السيطرة على بعض المدن الإسلامية، ومنها لشبونة. وفي سنة 542هـ/ 1147م، هاجمها النصارى مرة أخرى بقيادة ألفونسو هنريكيز الذي استباحها بمساعدة أسطول صليبي كان متوجهاً نحو الشرق. فعند مرور الصليبيين بميناء البرتغال (أبورتو) للتزود بالمؤن، طلب منهم أسقف المدينة مساعدة ألفونسو في انتزاع لشبونة من أيدي المسلمين، فوافقوا، وبدأت العمليات الحربية باستخدام المقاليع التي كانت بحوزة الصليبيين والإنجليز، وقد تمكنوا من إبعاد المسلمين عن ربض المدينة الغربي إلى داخل الأسوار. وفي اليوم التالي، قام المسلمون بهجوم مضاد لاسترداد الربض، لكن دون جدوى. وبعد نحو شهر ونصف من الحصار، خارت عزيمة النصارى، وأخفقت محاولاتهم المتكررة لنقب سور لشبونة. ثم تمكن الإنجليز من بناء برج خشبي ارتفاعه ثمانون قدماً، وأدنوه من السور المطلّ على ضفة النهر. ونشب حول البرج قتال عنيف، وحاول المسلمون إضرام النار فيه، إلا أنهم لم يوفقوا في ذلك. وبعد ثلاثة أيام من الاشتباكات المتواصلة، تمكن الإنجليز من إدناء البرج من السور، وأعقب ذلك دخول النصارى المدينة في 27 جمادى الأولى من سنة 542هـ/ 24 تشرين الأول سنة 1147م.
 
وقد حاول الموحدون استعادة لشبونة، فغزوها سنة 580هـ/ 1184م، وحاصرتها أساطيلهم نحو عشرين يوماً. وقد سبقت ذلك محاولة قام بها غانم بن محمد بن مردنيش؛ إذ غزا أسطوله مدينة لشبونة، فغنم ورجع. وكان ذلك سنة 575هـ/ 1179م، غير أن هذه المحاولات لم تنجح في استعادة المدينة.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات