عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jan-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الحادية عشرة
الراي - تابعنا في الحلقة السابقة صور البطولة التي سطرها أبطال العرب عام 1916 م ، وهم يساقون إلى أعواد المشانق ، في محاولة مجنونة من السفاحّ جمال باشا إسكات حناجر الوطنية وخطاب الحرية ، صحيح أن هؤلاء الأبطال علقوا على المشانق ، ولكنهم ما زالوا صوت الحرية ، كلما استذكرنا كرامة الوطن التي لا تموت ، ولا تسكتها المشانق والسجون .
تحسين قدري مرافق عسكري في درعا :
تنقل تحسين قدري في مواقع عسكرية متعددة ، وشغل مواقع قربته من صانعي القرار ، يقول بأنه يعد حركة إعدامات دمشق وبيروت ، ( تشكلّت قيادة عسكرية لبعض وحدات الجيش العثماني في مدينة درعا ، وذلك لكبح جماح سكان المنطقة من العرب ، وعين حسني باشا المتدين الطيب الخلق قائدا لها ، وعينت أنا مرافقا له ، وضابط أركان القيادة ، وقد أعطاني حسني باشا كافة صلاحياته ، وكذلك ختم القيادة ، وكنت على اتصال دائم بأخي أحمد الذي كان قد أطلق سراحه آنذاك ، لكي أطلعه بالشيفرة على تحركات ونوايا هجوم الأتراك على عرب اللجا وجبل الدروز ، واذكر أنني أبلغت أخي بالهجوم قبل حصوله بيومين ،وأبلغته بإبلاغ فلان وفلان بالتوجه إلى شمال جبل الدروز ، لتجنب فرق البحث ، وهذا ما تم ، وقد بقينا بضعة شهور في درعا ، وجاء جمال باشا الصغير « مرسيفلي « ، وكان كثير التخوف مني ، كان يراقبني ويضمر لي كلّ الشرّ ، ولكن حاله حال بقية الضباط كان يخشى إغضاب جمال باشا السفاحّ نفسه ، لأن رئيس أركانه « جوبان أوغلى زكي « كان زميلي في الكلية الحربية . ) وهكذا كان تحسين قدري يقوم بواجب وطني ، وبطريقة ذكية عن طريق اتصاله بالشيفره بشقيقه الدكتور أحمد ، لكنه كان دائما في حالة مجازفة حقيقية .. كان تحت مراقبة جمال الصغير مرسيفلي الذي كان يشك فيه ، ولكنه لا يجد أي دليل عليه ، وكان يخشى من التعرض له ، رغم أنه لم يكن مطمئنا من ثقة حسني باشا فيه ، ومن تسليمه لختم القيادة ّ .
إعلان الثورة العربية الكبرى :
أفرد تحسين قدري في مذكراته الباب الثالث للثورة العربية الكبرى ، ومع أن حجم المادة ليس كبيرا ، لكن له أهميته الخاصة في قراءة دور أعضاء جمعية العربية الفتاة ، واتصالهم السريّ بالأمير فيصل بن الحسين . فتحت عنوان ( إعلان الثورة العربية ) يقول تحسين قدري :
( بعد أن فشلت جميع توسطات الشريف الحسين بن علي لدى أنور باشا لإطلاق سراح المعتقلين العرب ، غادر الشريف فيصل دمشق في ديسمبر من عام 1915 م ، ليطلع والده أمير الحجاز على نتائج اتصالاته مع الأتراك ومع القوميين العرب في اسطنبول ودمشق ، ثم عاد إلى دمشق في يناير عام 1916 م ، ومعه خمسين من طلائع المتطوعين الحجازيين ، للمساهمة في الحملة الثانية على القنال ، والتي كان يخطط لها أنور باشا ، ونزل الشريف وفرقته في ضيافة عطا باشا البكري في القابون ، وهي من ضواحي دمشق ، وفي فبراير عاد الشريف فيصل برفقة جمال وأنور باشا إلى المدينة المنورة في رحلة تفقدية للمتطوعين الحجازيين ، وكانت فكرة القضاء على جمال وأنور وهما تحت رحمة العرب قد طرحت ، لكن الشريف فيصل أبى ذلك ، التزاما بالتقاليد العربية في حماية الضيف ، ثم عاد الجميع إلى دمشق .
ويتابع بعد تلخيصه للأحداث السابقة على قيام الثورة بالقول : ( وصلت الأخبار باحتمال قيام الشريف حسين بثورة ، فقام جمال باشا بإعطاء الأوامر إلى فخري باشا بنقل مركز قيادة الجيش الرابع إلى المدينة المنورة ، وتعزيزها بلواءين 31 و 32 وبطاريتي مدفعية جبلية ، وبطاريتي صحراويتين وسرب طائرات ، ونظرا لأهمية ثورة الشريف حسين على مجريات الحرب ، وللمحافظة على قوات الحلفاء في مصر وقناة السويس وفلسطين والبلاد العربية ، جاء اللورد الأميرال « ويست ويمس « إلى جدة ، ومعه العديد من الضباط ومنهم كورنواليس والكولونيل ستيرلنغ والميجر يانغ ، وأعطوا وعودا خطية باسم حكومة ملك بريطانيا ، فيها الكثير من العهود الخلابةّ ، ولكن تحمل في طياتها السموم الخفية بخصوص فلسطين ، وقد اطلع الشريف فيصل على جزء من المخابرات ، وأراد أن يتفق مع الأتراك للوقوف ضد الإنجليز ، وأرسل الرسل إلى القيادة العسكرية ورجال الحكم في اسطنبول ، ولكن مع كلّ أسف لم توافق الحكومة التركية على شرط استقلال البلاد العربية ، وأخذ وعد رسمي بذلك ، مقابل ترك مساندة الإنجليز ، وحين تأكد من رفض طلبه ، اضطر أن يكمل الحملة والزحف على فلسطين وسورية ، والأخذ باستقلال البلاد العربية على ضوء وعود إنكلترا) .
أما الدكتور أحمد قدري فقد حلل الوضع في الحجاز ، وأوضح ذلك بقوله : ( لما كانت البلدان الحجازية تعتمد في معاشها على طريق البحر الأحمر وطريق الخط الحجازي ، وكانت الحرب قد أفضت إلى أن يفرض الإنجليز الحصار البحري على الدولة العثمانية ، ولما كانت سورية لم يعد في مقدورها إمداد الحجاز بالمؤن ، لأن الحكومة العثمانية وضعت يدها على كافة المنتجات لزراعية لإعاشة الجيش ، كما ان الحج قد توقف وهو مورد هام للحجاز ، من اجل هذا كله ، أصبحت حالة الحجاز مهددة بخطر المجاعة ، فراح شريف مكة يجهد الفكر في استنباط مخرج من هذا المأزق الحرج ، وقد وجد في مراجعة الإنجليز إياه بدعوته للانضمام إلى صفوف الحلفاء منفذا لمجانبة الخطر الداهم ، ثم الوسيلة الوحيدة للخروج ببلاده من الموقف الدقيق الذي آلت إليه ، فرضي على كره ، بمفاوضة الإنجليز في شهر يوليو عام 1915 م ، إلا أن ابنه الأمير فيصل كان على جانب عظيم من الحذر والتيقظ ، لا يطمئن إلى نوايا الحلفاء ، ولذا التمس من والده السماح له بالسفر إلى الأستانة ، عله يجد من رجال الدولة العثمانية ما يضمن الحفاظ على حقوق العرب ، وكيان الحجاز المهدد ) .
تحسين قدري في المدينة المنورة :
فجأة وجد تحسين قدري نفسه في المدينة المنورة ، فقد تحرك مع مقر الجيش الرابع بقيادة فخري باشا إلى المدينة المنورة ، وذلك تحسبا لثورة الشريف الحسين بن علي أمير مكة ، والتي أخذت الأخبار تتوقعها ، يقول في مذكراته : ( تحرك مقرّ الجيش الرابع بقيادة فخري باشا ، وطبعا كنت أنا معهم ، وعينت ضابط الشيفرة وملحق لإدارة الحركات ، وذهب الشريف فيصل بن الحسين إلى المدينة ، ووصلها الشريف علي كبير أنجال الشريف الحسين بن علي ، وبعد وصولنا بأيام قلائل أقام فخري باشا حفلة غداء على شرف الأمراء علي وفيصل في فندق « دار السرور « بقرب الحرم الشريف ، وكنت أنا المسئول عن تهيئة هذه الوليمة ، علمت أن الثورة سوف تبدأ تلك الليلة ، السابع من شعبان ، فرغبت أن أذهب ليلا وبدون أن أشعر أحدا من الأتراك من المقرّ الذي كنت فيه ، والذي كان محاطا بالجنود من كل جانب ، وفي أثناء الوليمة ، نظرت إلى الشريف فيصل ورغبت أن أقترب منه بحجة تقديم اللبن المخفوق « الشنينة « ، وهمست له برغبتي هذه ، وطلبي منه ، وبعد الغداء قدم فخري باشا « دوربين « ناظور عدد 2 لهم ، وكانوا كثيري التلاسن والعصبية خوفا من أن يقيض عليهم ( ..؟ ) ، ولم أنم تلك الليلة ، وكنت أترقب مجيء أحد لمرافقتي في الهرب ، وعلمت فيما بعد أن الشريف فيصل لم يتمكن من إرسال أحد لاصطحابي لخشيته من قوة فخري باشا وبطشه فيمن يأتيني ، ولذلك بقيت في المقرّ ، وكان في المقرّ قائم مقام موصلي والسيد مهدي ، وهما عراقيان ، ولكن وظيفتهما كانت في المحاسبة والذاتية ، وكانا يخافان كثيرا من الكلام معي باللغة العربية ، أما أنا فكنت محطّ اعتماد فخري باشا ورئيس أركان حربه قائم مقام قدري بك ، وكان حسني أمين حيدر « أرسه بوك « ابن وزير العدلية التركي ) ويبدو مما أورده تحسين قدري الذي كان في المدينة المنورة في مقر الجيش الرابع ، أن الكل كان يترقب قيام الثورة ، الأتراك والعرب أيضا ، ويبدو أيضا أن الأمراء علي وفيصل وفخري باشا لم يكونوا في حالة من الارتياح أثناء الوليمة التي أقامها فخري باشا للأميرين في المدينة المنورة ، لأن تحسين قدري الذي كان حاضرا ومسئولا عن تحضير الوليمة ، شهد على وجود حالة توتر .. وأما هو فلم يستطع الهرب من المقرّ كما كان يخطط بسبب تشديد الحراسة على المقرّ من كل جانب ، ومع أنه أسرّ للأمير فيصل برغبته في الالتحاق بالشريف ، لكن ذلك لم يتم ، بسبب تشدد فخري باشا ، فبقي تحسين قدري في المقرّ في الساعات الأخيرة التي سبقت قيام الثورة .. !
انطلاق الثورة العربية الكبرى :
هذا شاهد عيان في المدينة المنورة ، وهو عضو سريّ في الجمعية العربية الفتاة ، لكنه ضابط الشيفرة وملحق إدارة الحركات في مقرّ الجيش الرابع المرابط في المدينة المنورة لقمع الثورة العربية ..! ومن هنا تأتي أهمية ما يورده في مذكراته ، ويمكننا مقارنتها بما أوردته جريدة القبلة في أعدادها الأولى مع قيام الثورة العربية الكبرى وانطلاق الرصاصة الأولى .
يقول تحسين قدري : ( وأصبحنا في انطلاقة أول رصاصة للثورة العربية الكبرى ، وبدأت الحركات في أطراف المدينة بالعوالي ، وانسحب مقرّ الشريف فيصل إلى مضيق بئر الماشي ، وجميع بدو الحجاز كانوا يأتمرون بأوامر الشريف حسين وأولاده ، وطلب فخري باشا تعزيز قواته ، واتخذ مقرا له في الثكنة المصرية في المدينة المنورة ، لقد كان فخري باشا متدينا ، لكنه كان أيضا متعصبا شديد التعصبّ للقومية التركية ، وكان جسورا وعنيدا في آرائه ، ولم يكن يقبل أي رأي من رئيس أركان حربه ، وتحصل المشادة بينه وبين رئيس أركان حربه قدري بك ، وكان هذا يفشي لي بسرهّ ، ويعلمني عن جميع القوة العسكرية الموجودة هناك ، وأنا بدوري كنت أهيئ جدول القوة العمومية بكل مفرداتها ، وكنت على اتصال بالشريف فيصل ، واعلمه بكل الحركات الحربية ، وهذا الذي مكنه من أن يتغلب على القوة النظامية الكبيرة للجيش العثماني ، وكان الشريف حسين قد استولى على ينبع البحر ومكة المكرمة بسهولة .. ) .
الاتحاديون يحاولون التخلص من الشريف حسين :
تأتي معلومات تحسين قدري الآتية على جانب كبير جدا من الأهمية ، فقد رصد بشكل مباشر ما حدث من محاولة للإطاحة بالشريف الحسين بن علي ، وتنصيب ابن عمه الشريف علي حيدر شريفا لمكة ، وكان تحسين قدري هو المكلف بتوصيل الشريف علي حيدر إلى الحجاز ليحلّ محل أمير مكة الشرعي ، الشريف الحسين بن علي ، وهذه المعلومات المباشرة لا نجدها عند غيره ، ومن هنا تأتي أهمية هذه المذكرات . يقول تحسين قدري : ( أراد طلعت وأنور وجمال باشا أن يحاربوا الشريف حسين في الحجاز ، فاجتمعوا بابن عمه من ذوي زيد الشريف علي حيدر ، ونصبوه بإرادة ملكية ليكون شريف مكة عوضا عن الشريف حسين ، وأعطيت الكثير من الدراهم الذهبية إلى الشريف علي حيدر ليأتي إلى المدينة ، ويقوم بحركة مع العشائر ضد الشريف الحسين بن علي ، وطلبت حكومة الاتحاد والترقي منه التوجه فورا إلى المدينة المنورة ، والخوض بالمعركة مع البدو ، وبإشراف فخري باشا ، والغريب بالأمر أن علي حيدر ، انتدبني أنا لكي أذهب إلى دمشق كممثل له ، لاصطحاب علي حيدر ، والمحافظة عليه في السفر من دمشق إلى المدينة المنورة بقطار خاص ، وكان أيضا باسم القوة المحاربة غالب بك القائم مقام والذي أصبح فيما بعد مرافقا للملك عبد االله بن حسين في عمان ..! )
هذا هو المصدر الوحيد الذي يمكن لنا الرجوع إليه في هذه الحركة التي لجأ إليها الأتراك ، فتحسين قدري هو المكلف بهذه المهمة الصعبة ، لأنه دمشقي أولا ، ولأن فخري باشا يثق فيه ، وسنورد كلّ ما ذكره بهذا الخصوص لأنه مصدرنا الوحيد : ( وصلنا إلى دمشق ، وطلب جمال باشا مقابلتي ، وكان في دار محمد باشا العظم ، وقال بأنه يعتمد علي ، ويلزم أن أقوم بواجب الضيافة للشريف الجديد ، وما إلى ذلك من توجيهات ، وكان تحسين قدري في سرهّ يقول : من يوصلني إلى الشريف فيصل ..؟ من ..؟
يواصل سرد تفاصيل هذه المهمة فيقول : ( قابلت لأول مرةّ الشريف علي حيدر ، فوجدته شخصية شفافة نازكة لطيفة للغاية ، ولكنه ليس برجل ثورة ..! ولا هو برجل حرب ..! لقد عاش علي حيدر في اسطنبول بترف وفره له السلطان عبد الحميد الثاني ، ومعه زوجته الثانية الايرلندية الأصل ، وكان في صحبته أولاده الشريف عبد المجيد والشريف محي الدين والشريف حيدر ، وحيدر هو الذي عاش في العراق وكان مدرسا ، وتوفي في بغداد ، أما أخاه فكان رجل بادية وليس برجل عمل ، ويتكلم اللغة العربية الفصحى فقط ، في حين أن الشريف علي حيدر وأولاده كانوا يتكلمون التركية فقط ، والعربية بصعوبة ..! ) وهذه الملحوظات على جانب كبير من الأهمية ، وتشير إلى أن الاتحاديين لم يتنبهوا لهذا الجانب في شخصية الشريف الجديد لمكة المكرمة والذي طرحوه بديلا للشريف الحسين بن علي ..
ويبدو من تتابع الأحداث أن الشريف علي حيدر لم يكن الرجل المناسب لأن يكون شريف مكة ، وهو يعرف هذا في قرارة نفسه ، فهو قد نشأ في اسطنبول بترف ومعه زوجة ايرلندية ، ولا يتكلم العربية إلا بصعوبة .
يتابع تحسين قدري في استذكار مهمته تلك بالقول : ( كنت على اتصال دائم طوال مدة وجودي في المدينة المنورة بأخي الدكتور احمد لأخبره بالتحركات العسكرية ، وكان هو بدوره يرسل الأخبار إلى مقرّ الشريف فيصل بن الحسين ،وكل رسول كان يكلف الكثير من النقود التي كانت تدفع بالعملة الذهبية ، ولكن كان أخي يكسب ما يكفي لتغطية هذه التكاليف من عيادته التي يديرها في دار المرحوم والدي في محلة الشابكلية بالقنوات ، اتصلت بأخي احمد حين وصولي دمشق ، وأعلمته بجميع تفاصيل القوى بالحجاز ، وعن فكرة الهجوم وغيرها ، وأعلمته عن رغبتي في الالتحاق بالثورة خوفا من افتضاح أمري وقتلي فورا رميا بالرصاص ، ولكن جمعية العربية الفتاة طلبت مني أن أستمر بموقعي وفي المجازفة المخيفة والخطرة على حياتي ، وذلك في سبيل الثورة العربية ، ولتحرير الشعب العربي ، ولم يسعني إلاّ الانصياع متكلا على االله ، ومغامرا بحياتي في كل لحظة ..! .
الرحلة العجيبة والمرور بعمان ّ : يقول تحسين قدري بأنهم جهزوا الإعاشة للرحلة في القطار ومن ضمنها الخراف للطعام ، وأنهم تحركوا بالقطار من دمشق ، ومع القطار « قوة محافظة « لضمان الأمن ، وفي الطريق أعلن عن الوصول إلى محطة عمانّ ، يصف تحسين قدري ما رآه عام 1916 م في عمان ، فيقول : نظرت أتطلع إليها ، فلم أجد منها سوى ما يقارب العشرين بيتا ، مبنية من الطين ، ومنهم الشركس الذين كانوا يعيشون على زراعة القمح والشعير ، وتحرك القطار من عمان ، ثم وصلنا إلى قليل من التلال بين عمان وتبوك ، وفجأة توقف القطار ، وفوجئت بأن الذعر قد أخذ مجراه بين الضيوف ، فترك الشريف علي حيدر القطار ومعه أولاده ، وهم يحملون حقيبة ، وأعتقد أنها كانت تحتوي على نقود الذهب ، متوجهين نحو رأس التلال خوفا من هجوم بدو الشريف فيصل .. ولكني حين استفسرت عن سبب توقف القطار ، تبين لي أن بقرة كانت قد قاطعت القطار ، واضطر السائق للوقوف تجنبا للاصطدام ، بعدها أعطيت الأوامر بالدوام بحركة القطار ، وكان الذعر باديا ولا سيما على الشريف علي حيدر وأولاده طوال فترة الرحلة التي امتدت لأربعة أيام .
وعند وصولنا إلى المدينة ، استقبل فخري باشا الشريف علي حيدر استقبالا رسميا ، واستحضر للشريف مقرا بإحدى الدور الكبيرة فيالمدينة المنورة ، وطلب الشريف من فخري باشا أن أعين عنده  كمرافق ، ولكن فخري باشا لم يقبل طلبه ، وأرسل إليه ضابطا آخر ، واحتفظ بي كمرافق له وضابط ركن عنده في المقرّ ، وهنا يجب علي أن أعترف وأقرّ بأن الشريف علي حيدر لم يكن متشوقا للقيام بحركة ضد ابن عمه الشريف الحسين بن علي ، ولم يقبل القيام بأي حركة من قبل فخري باشا ، وفضلّ البقاء في المدينة المنورة ) .
ولا بدّ لنا هنا نحن أيضا من التأكيد على أهمية المادة التي أوردها تحسين قدري ، واستذكر فيها دوره الذي كلف فيه بتوصيل الشريف علي حيدر ، ويبدو من ملحوظاته انه شخصّ شخصية الشريف ، وبينّ بأنه لم يكن رجل ثورة أو حرب ، ولم يكن رجل بادية يتحمل حياة الحجاز والتعامل مع العشائر والبدو ، وقد انتهت حركة الاتحاديين بالفشل ، لأن الشريف علي حيدر لم يقبل بالقيام بأي عمل عسكري .
ولا بد أيضا من التوقف عند ملحوظته عن عمان عام 1916 م ، فما رآه تحسين قدري من عمان كان المحطة ، محطة القطار والمواقع التي مرّ فيها القطار ، وكانت عمان آنذاك كبيرة ، وفيها حارات متعددة منها الشابسوغ وحارة المهاجرين الكبيرة التي نشأت عام 1910 م
وحارات أخرى تضم المرافق العديدة ، وكانت عمان مقرا عسكريا للجيش العثماني أيضا يحسب  الحلفاء له ألف حساب ، وما رآه تحسينقدري كان الجزء الذي مرّ فيه القطار فقط .
نخصص الحلقة القادمة من مذكرات تحسين قدري للمعارك التي شهدها عند اندلاع الثورة العربية الكبرى في الحجاز .. كيف وصفها الرجل العسكري في الجيش العثماني الذي يرابط في المدينة المنورة لقمع ثورة العرب بزعامة شرف مكة وأبنائه ، كيف وهو عضو جمعية العربية الفتاة السرية ..؟ إلى اللقاء في الحلقة القادمة .
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات