عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2018

"يمكن".. كلمة حيادية تهدف إلى ترك الأشياء معلقة

 

ربى الرياحي
 
الغد- كثيرون هم الأشخاص الذين يجدون في كلمة "يمكن" منفذا ينقذهم من تقديم إجابات حاسمة قد يندمون عليها لاحقا. 
يلجؤون إليها ليحموا أنفسهم من تلك القرارات المتسرعة ربما، والتي غالبا ما تتسبب في توريطهم بمشكلات لا تنتهي تحمل لهم الضغوطات والهموم وأحيانا تمنعهم من تقييم واقعهم بحيادية.
حرصهم على أن تبقى الأشياء كلها من حولهم معلقة تقتصر على اللون الرمادي، يدفعهم إلى التمسك بهذه المفردة المفتوحة على أكثر من احتمال والقابلة للتمويه.
هم من خلالها يحاولون فرض الغموض كسياسة تسمح بفتح المجال أمام الآخر، كي يفكر بجميع الخيارات المتاحة التي تلغي معها وجود اشتباك لتأكيد قضية أو حتى الاعتراض على خلق تلك الحيرة المقلقة بعض الشيء. والمحرضة ربما على تفريغ الأشياء من مضمونها وجعلها مبهمة، أو بشكل أدق عاجزة عن رفض الموقف أو حتى الانحياز له. استخدامهم لهذه الكلمة يشعرهم بأنهم أحرار غير خاضعين لتلك الالتزامات والقيود التي من الممكن أن تطالبهم بالتنفيذ الفوري، وتنتظر منهم أن يبادروا لإعطاء إجابات واضحة وحاسمة بعيدة كل البعد عن التشكيك أو المراوغة.
هي مفردة تخفي خلفها وجوها عدة بدون تحديد، كمؤامرة منها على الحقيقة تسعى إلى تطويع البدائل وإضفاء سمة المرونة عليها، لتبقى بمعزل عن جمود القرارات النهائية، التي لا تقبل التراجع أبدا، وتعتبر ذلك التصرف هزيمة حتمية.
كما أنها ترفض المثول أمام الحقيقة ومواجهة فكرة أن يكون هناك خيار واحد فقط تحتكم إليه ويظهر معه أيضا قدرتهم على معرفة ما يريدونه بالضبط من الحياة والسير باتجاهه بخطوات ثابتة ومتزنة تستطيع اجتياز كل العوائق المترتبة على توضيح الهدف المرجو الذي يرغبون في تحقيقه.
لقد أصبحت "يمكن" ثقافة يتداولها الكثيرون، بل وينحازون لها لكونها حيلة للهروب تمنحهم فرصة إبقاء المسافات مفتوحة مع الآخر أحيانا، لعدم رغبتهم في الإساءة إليه أو حتى الوقوف ضده. والأسباب كثيرة تلك التي تفسر تحيزهم لهذه المفردة دون غيرها كالخجل والرغبة في ترك الأشياء معلقة لا يجرؤون على إخضاعها للتدقيق.
في الحياة أشخاص تعايشوا مع هذه المفردة وتخصصوا بها، ولذلك لا يستطيع أحد التكهن بحقيقة مشاعرهم واكتشاف ماذا يريدون أو حتى كيف سيتصرفون. ميزتها تكمن في جعل الآخر حائرا دائما، في حين أن مستخدمها يعرف جيدا الرغبة القابعة خلفها، وبخاصة إذا كان يدرك بالفعل قيمتها والغموض الذي تضفيه على الموقف أيا كان.
الغريب أن مفردة يمكن قادرة على الحضور باستمرار في كل الأحاديث الدائرة، تؤثر وبقوة على دقة التفاصيل وإمكانية توجيهها إلى حيث يوجد الالتباس وتتشكل خرائط الاحتمالات الناقصة ربما وغير المنطقية أيضا.
تظل هي المسيطرة على تلك الأجواء التي تفتقد في الغالب إلى حل جذري بوضع النقاط على الحروف والتعامل مع كل المواقف بوضوح. ويبقى التحرر من هذه المفردة خطوة أولى في طريق مواجهة الحقيقة بدون تلوين أو خداع لواقعية الصورة الموجودة وأيضا تجاوز لدائرة الاتهامات والشك من خلال الشروع في التأسيس لمواقف معلنة هي فقط من تمتلك قرار إخراجهم من أكثر اللحظات قتامة وحيادية، وذلك لأنها تجعل التخمين هو السائد وتمنح حالة اللاشيء حق التواجد وبامتياز.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات