عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jan-2018

جميل محمود .. حارس التراث الغنائي السعودي المنسي في الغناء العربي

 

الراي - أبواب - زياد عساف - “مدير مرور “ واحدة من المهمات التي اوكلت اليه بحكم خلفيته العسكرية ، وبالرغم من أبداعه في هذا المجال وتنظيمه الدقيق للطرقات التي تزدحم بالمركبات وقت الذروة ، إلا انه لم يستطع ان يقاوم الأفكار التي تزدحم برأسه و تأخذه لعوالم الموسيقى و الغناء ، وتتغير الأحوال ويدخل عالم الأنغام كمحترف ويتحفنا من الحانه بمئات الأغنيات ، منها ما تغنى بها بصوته وأخرى عرفناها بأصوات عربية و محلية ، ومع هذه الإنجازات لم يعد يستوقف الكثيرين اسم جميل محمود الفنان العربي السعودي مبدع هذه الأعمال وصاحب الإنجازات و النشاطات المتعددة ، أهمها أنه استطاع ان ينطلق بالتراث الغنائي السعودي من نطاقه المحلي الى الأفق العربي الرحب .
بابا طاهر
القاسم المشترك بين العديد من الموسيقيين والمطربين العرب انهم تتلمذوا في بداياتهم على أيدي رجال من شيوخ الكتَّاب ، أما جميل محمود فكان الأمر مختلف بالنسبة له و تعلم اللغة و القران في البداية بإشراف سيدات من أصحاب الكتاتيب مثل صبرية و حمصانية ، وأكمل تعليمه في مسجد سيدي حمزة بحي المسفلة على يد الشيخ سيد حمود في مكة التي ولد بها عام 1940.
بدأ مرحلة الدراسة الإبتدائية بالمدرسة العزيزية وعمره خمس سنوات وأهَّلهُ جمال صوته لأن يكون مقريء المدرسة وينال إثر ذلك المديح و الثناء، تعرف عليه الأديب و الإعلامي طاهر زمخشري ومنحه الفرصة ومجموعة من زملائه الأطفال في البرنامج الاذاعي “ بابا طاهر “ الذي يحمل اسمه ليقدموا مجموعة من الأناشيد ، درس بعد ذلك بمدرسة تحضير البعثات و التي أصبح اسمها فيما بعد “ العزيزية الثانوية “ ، الى مصر كانت وجهته التالية للإلتحاق بكلية الشرطة العسكرية وتخرج منها عام 1957 برتبة ملازم ثاني ، واصل تحصيله العلمي وسافر في بعثة للدراسة بأكاديمية الشرطة في الولايات المتحدة وحصل أثناءها على عدة دبلومات في الرماية و مكافحة الشغب والقيادة والإشراف ، ليعاود ادراجه مرة أخرى الى مصر ويلتحق بمعهد الضباط القادة وكان تحت اسم “ معهد الدراسات العليا “ وتخرج بدرجة تعادل الماجستير ، كان من الطبيعي ان يحصره هذا التخصص في مجالات ابعد ماتكون عن الفنون و الغناء وتواجد بمراكز عديدة في هذا المجال والتحق بالأمن العام و أقسام الشرطة و الحقوق المدنية و التحقيقات الجنائية ، ثم عُيِّن وكما ذكرنا في المقدمة مديراً للمرور في مجموعة من المدن السعودية منها الرياض والمدينة المنورة و المنطقة الشرقية ومساعد شرطة بمدينة الرياض .
 
نهاية الخدمة ..
على عكس الكثيرين لم تكن نهاية الخدمة و توديعه للزي العسكري عام 1980 بداية للإنزواء واعتزال الحياة ، وإنما انتهز الفرصة ليتفرغ للموسيقى و الغناء ، وعاد ينمي هذه الموهبة التي برزت ملامحها منذ الطفولة كدأبه على الإستماع لأغاني سلامة حجازي و صالح عبد الحي و محمد عبد الوهاب ، ومساء كل يوم جمعة اعتاد ان يستمع لأغنية ام كلثوم ليغنيها كاملة للأصدقاء في اليوم التالي ، اثناء دراسته في القاهرة استطاع ان يختلس بعض السويعات وكلما سنح الأمر و تعلم عزف العود على يد الفنان الفلسطيني محمد عليوة و وتدرب على قراءة وكتابة النوتة .
 
يعتبر جميل محمود اول فنان سعودي يظهر على شاشة تلفزيون في عام 1957 بحكم تواجده بالمنطقة الشرقية والح عليه الأصدقاء ان يسجل لتلفزيون ارامكو، وكان التسجيل انذاك سينمائي يتم تحميض الأشرطة في البداية ثم تعرض للجمهور .
حكاية سمراء
اول اغنية لحنها وكتب كلماتها في عام 1958 واهداها لابنة اخته بمناسبة عيد ميلادها ،» احترت انا في الحب « كانت البداية له في مجال تلحين الأغاني العاطفية ، تبقى المحطة الأهم في مسيرة جميل محمود تلحينه للقصيدة الشهيرة « سمراء « ، وبدأت فكرة تلحين القصيدة عندما التقى بالشاعر يحيى توفيق بعد ان جمعتهما لقاءات عديدة في المنطقة الشرفية بمنزل حسن قناديللي وكيل الأمن العام اّنذاك ، لم يكن جميل يقتني سيارة حينها فيتطوع يحيى توفيق لتوصيله بسيارته الى داره ، وسأله يحيى ذات مرة عن إمكانية تلحينه للقصائد وكان رده بالإيجاب ، اسمعه عندها اربعة ابيات من قصيدة سمراء من نظمه وتقول كلماتها « سمراء رقِّي للعليل الباكي ..و ترفقي بفتىً مناه رضاك «، لم يستطع حينها ان يقاوم سحر الكلمات ولحنها ما يقارب العشر مرات وكل لحن مختلف عن الاّخر ، قدمها بعدذلك مع مجموعة اغنيات اخرى لعبداالله حبيب بشركة توزيعات الشرق ، وأوصلوها بدورهم للفنانة هيام يونس وكان هذا اول تعاون بينهما دون ان يلتقيا ، لتكون هذه فاتحة خير لهم وأدت لشهرة ثلاثتهم جميل محمود و المطربة هيام ويونس و يحيى توفيق الشاعر ، بثت هذه الأغنية عام 1962 وأصبحت تردد على كل لسان وكانت تبث في الإذاعة الأردنية باستمرار ، اللقاء المباشر بين جميل و هيام عندما سافر الاول للبنان عام 1964 والتقى بها للمرة الأولى واستمر التعاون بينهما في مجموعة من الألحان مثل يا مسلمين بالعيون ، لا تكلمني ، كنتم وكنا ، قصيدة اشواق و حلوة السعودية ، ويذكر انه في رحلته للبنان اصطحب معه مجموعة من الاعمال سجلها على الة العود والايقاع وسلمها لشركة الإسطوانات لتسجلها بدورها في اليونان .
مشكور
ما وصلنا من الحان جميل محمود يتجاوز ال 500 لحن تنوعت ما بين العاطفي والوطني والقصائد وأغاني الأفراح و الأطفال ومجموعة من الأغاني الوصفية والحان كثيرة لازالت في جعبته لم تر النور الى الان ، تغنى بألحانه اسماء معروفة من نجوم الغناء العرب ومنهم وديع الصافي :كعبة الألهام ، شريفة فاضل :راحة الحياة عذاب ، رجاء بلمليح :امل عطشان وانسى اللي راح ، المطرب البحريني احمد ياسين :دمعة مني و شكوى منك ، عايدة بو خريص قسوة الأيام و يا ساري و الدمعة الحزينة ، غادة رجب : ترى الهوى و ليه يا يبا .
ومن السعودية غنى له عبادي الجوهر : سمار يا سمار و اللي مو عالبال ، ابتسام لطفي : هواك ، طلال المداح : لم يكن الا أباً لشعبه، عبد المجيد عبداالله : وفر عتابك ، حسين قريش : كلام الناس.
غنى جميل محمود العديد من الحانه ومن بينها يا اللي انت ناسينا ، اغني لمين يا عيني ، بنيت املي معاك ،القلب في اّهات ،فرق كبير ، انسى اللي راح ، لولا خوفي ، سافر و روح ، ترفق يا هوى ، ساهي الجفون ،تخبي عني الكلام ، يا ويل عزولي ،ليه خنتي العهد ،حبيبي الورد فوق خدك ، مظلوم بهجرك ، يا قمر ،تسأليني ، حبي راح ، تعال و ارجع ،الحب يا ناس ، أغني لمين ، ايه اللي جاك مني ، عندي شهود ، تطرا علي ، دورت كتير ، اندفاعي ،لولا خوفي ، الدنيا مظاهر ، حبيبي الأسمر ، اوعدني ، من غير حبيب ،قصيدة حطم جدار الصمت ويا وطني ، « مشكور « واحدة من أغنياته الجميلة و الخفيفة التي تستوقف المستمع و تقول كلماتها : على العموم مشكور ..كل يوم تقول بكرا ..واليوم يمر شهور وانت لاتدرى ..تسأل و لا تسأل لو مره للذكرى . لم يقتصر عطاء جميل محمود على التلحين و الغناء وكتب مجموعة من الأغاني قاربت الخمسين أغنية ، بالإضافة لتعاونه مع مجموعة من الشعراء أمثال ابراهيم خفاجي و محمد طلعت و عبد الرحمن حجازي و ياسين سمكري و الأمير بندر بن فيصل .
حاز جميل محمود على العديد من الأوسمة و الدروع ومنها ما يتعلق بصفته العسكرية مثل وسام الملك فيصل ، وسام من ملك اسبانيا ،وسام من رئيس جمهورية فنزويلا، وسام من رئيس جمهورية فرنسا ، وحظي بأكثر من تكريم بصفته كفنان منها درع المفتاحة بأبها عام 2000 ، درع مهرجان الرواد العرب تحت رعاية جامعة الدول العربية في مصر، درع هرم الحجاز ،درع من ادارة التعليم في مكة ،درع من نادي الوحدة الثقافي الرياضي بمكة ، تكريم منظمة الأمم المتحدة و المركز العالمي المصري للسلام و حقوق الإنسان بمنحه درجة الدكتوراة الفخرية وتم تعيينه سفيراً للسلام العالمي و حقوق الانسان .
وتر وسمر ..
يعزو المعنيون بأسباب تراجع الغناء العربي على العناصر الثلاثة الكلمة واللحن و الصوت ، ويغيب عن اذهان الكثيرين عوامل هامة أخرى أغفلناها ، واحدة منها تنبهنا اليها تجربة جميل محمود وهي غياب البرامج التلفزيونية و الإذاعية التي تتعلق بالتراث الغنائي العربي وما كان لهذه البرامج من دور في إحياء الذائقة الفنية لدى المستمعين ، يعي صاحب هذه الحلقة اهمية ذلك خاصة مع غياب المعاهد و الكليات في السعودية المتخصصة في هذا المجال ووفاة الكثيرين من حفظة التراث ، الا ان البديل كان حاضراً لديه وقدم لمدة خمس سنوات برنامجه الشهير « وتر و سمر « وغايته إحياء تراث بلاده ، بدأ تقديم هذا البرنامج على شاشة التلفزيون السعودي منذ عام 1982 واستضاف من خلاله أشهر الفنانين السعوديين والعرب ،وفي الوقت نفسه اكتشف العديد من الموهوبين في مجال الغناء والتلحين و أصبحوا معروفين بعد ذلك ، واستطاع بمجهوده وتشجيع المعنيين انذاك بالحفاظ شيء من هذا التراث و بطريقة ذكية عندما أعلن ان كل من يريد ان يسجل ويشارك في هذا البرنامج عليه أن يأتي بأغنية تراثية و يعطيه بالمقابل أغنية أو أغنيتين ، و إذا صدف وكان هناك خطأ في كلمات الأغنية يلجأ الى الورشة التي أعدها لتصويب هذه الأغاني وتضم كبار الأساتذة أمثال ابراهيم خفاجي للدانات ، وعبد الرحمن حجازي للزواميل ، والأغاني الشعبية المكية لياسين السمكري ، ولفت جميل الإنتباه الى أن بعض الأغاني التراثية التي أحضروها كان مصدرها أمهاتهم و جداتهم وهذه الحقيقة أكدها الكثير من المعنيين بأن النساء مصدراً هاماً لإبراز هذه الكنوز خاصة فيما يتعلق بأغاني الأفراح و الأعراس ، وكانت البروفات تُجرى في بيت جميل محمود ثم يذهب بعدها لتسجيل حلقتين لأسبوعين ، الا ان هذا البرنامج توقف فيما بعد دون إبداء الأسباب وعوَّض محمود ذلك بأن أقام في بيته صالوناً فنياً خاصة أنه كما ذكر لايوجد في مكة فرع لجمعية الثقافة والفنون ، والجدير بالذكر أنه لازال يواصل عطائه ويرحب بكل فنان أو موهوب لزيارته و التعاون فيما بينهم ، و مايغري لذلك انه لازال يحتفظ بمئات الألحان الخاصة به لم تُسمع من قبل وفرصة لأي مطرب أو هاوِ لأن يحظ بهذه النوعية من ألحان أبدعها فنان من أبناءالطرب الأصيل .
« غواص في بحر النغم .. « توجد تجارب كثير ة من نوعية « وتر و سمر « استمعنا اليها و شاهدناها منذ زمن في العديد من المحطات الإذاعية و التلفزيونية ، وحققت نجاحا و إقبالاً منقطع النظير و أوصلت الرسالة التي تهدف اليها ، وأهم ما في الأمر أن من أعد و قدم هذه البرامج موسيقيون و مطربون ونقاد مبدعون و متخصصون في الوقت نفسه ، مما يؤكد أهمية هذه الأعمال وعودتها بالفائدة لشرائح عديدة من المهتمين سواء كانوا أكاديميين أو متذوقين للطرب الأصيل ، من هذه البرامج الإذاعية « غواص في بحر النغم « الذي قدمه الموسيقار عمار الشريعي و لجأ لتحليل العديد من الأغنيات العربية الأصيلة بأسلوب بسيط و إبراز جمالياتها ، ومن سوريا قدم الدكتور سعداالله اّغا القلعة مجموعة من هذه البرامج ومنها « العرب و الموسيقى « و استطاع من خلال هذه البرامج ان يوظف التكنولوجيا الحديثة و الحاسوب في مجال البحث بالموسيقى العربية و التوثيق للعديد من الأعمال الغنائية العربية المتميزة وعرضت هذه البرامج في العديد من المحطات المحلية و الفضائية العربية ، اذاعة البرنامح العام المصرية أتحفتنا أيضاً بالبرنامج الشهير « الحان زمان « تقديم هالة الحديدي و أعده و كتب مادته العلمية الموسيقي محمود كامل بعد ان وجد ان كبار الموسيقيين المصريين و العرب أصبحوا غير معروفين للأجيال الحالية ، الفنانة رتيبة الحفني قدمت أيضاً البرنامج الشهير « الموسيقى العربية « والذي يهدف لخلق ثقافة موسيقية لدى المتلقي و توعيته بالمقامات الموسيقية ببساطة و سلاسة ، ومن البحرين المطرب و الفنان ابراهيم حبيب قدم البرنامج الإذاعي « طربيات « بإذاعة صوت الخليج في قطر ، وركز بدوره أيضاً على إحياء الغناء القديم و تعريف الناس بأصول و قواعد الغناء والإنجازات الخاصة لكل ملحن و مطرب و شاعر.
المجلة الموسيقية
ومن الأردن الفنان مالك ماضي قدم البرنامج الإذاعي « المجلة الموسيقية « من إعداده و تقديمه يبحث من خلاله وبأسلوب شيق وممتع بالموسيقى العربية و العالمية و تسليط الضوء على سيرة و منجزات الموسيقيين والمطربين العرب و أعمالهم الفنية و استعادة روائع الأغاني العربية اللاتي من النادر اذاعتها لتصبح متاحة للجميع وللأجيال الحالية خاصة وهي الفئة التي لا يزال الفنان جميل محمود يراهن عليها ويؤكد بيقين الفنان ومن خلال لقاء تلفزيوني أجري معه ، أن الشباب بدأوا يعاودون الإستماع للقديم و الأصيل من الغناء العربي ، ويستند على ذلك بأنه و أثناء مسيره اليومي يشاهد العديد من « السيديهات « لمطربين جدد ملقاة على الطريق ، ولا يلاحظ هذه الظاهرة فيما يتعلق بمطربي الزمن الجميل أمثال محمد عبد الوهاب و أم كلثوم و عبد الحليم حافظ على سبيل المثال ، مما يؤكد ادراكهم لأهميتها ، وعاد جميل محمود يبشر الشباب ويؤكد لهم بعودة برنامج « وتر و سمر « قريباً بعد طول انقطاع ، ولأن السمر لا يحلو بدون الغناء و الوتر ، هاهو محمد محسن مطرب من جيل الشباب الذين راهن عليهم الجميل محمود يتغنى بالوتر بهذه الكلمات
المؤثرة :
«عمر الغنا ما بينتهي
بنموت و يفضل حي
الحلم عمره ما ينقتل
مهما يبعد جاي
والعشق ساكن معاني في ضربة وتر
في أغاني تملى الحي
لسه العيون فيها النظر
قادرة تشوف الضي
قمـر يضوِّي الطريــق الجـاي
والفكرة مالهاش نهاية
ولا بالحجر .. ولا بالرصاص الحي « .
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات