عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jul-2017

غزة على حافة الهاوية: كيف يمكن منع نشوب صراع آخر بين حماس وإسرائيل

الغد-بينيديتا بيرتي –  (فورين أفيرز) 27/7/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
تضع أزمة الكهرباء المتواصلة الآن قدراً هائلاً من الضغط على قطاع غزة. وإذا لم يتم التصدي لحلها، فإن المطاف قد ينتهي بها إلى انفجار سياسي، وكارثة إنسانية كاملة، وجولة أخرى من العنف بين حماس وإسرائيل.
ثمة مزيج خطر من الخصومة الفلسطينية-الفلسطينية، والافتقار إلى استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد للتعامل مع حماس، والقصور الدولي، وعدم وجود عملية سياسية، والذي يفاقم مأزق غزة المرير ويضاعف إمكانية نشوب الصراع. والأسوأ من ذلك أن هذه العوامل نفسها تُغرق القطاع في أعمق أزمة إنسانية يشهدها على مدى عقد كامل. وباختصار، تقف غزة الآن على شفا الوقوع في أزمة إنسانية، وربما نقطة لا عودة إنسانياً، وسياسياً أيضاً.
تتعقب فصول التصعيد بين حماس وإسرائيل على مدى السنوات العشر الماضية نمطاً متشابهاً بشكل مدهش. فمع أن إسرائيل حاولت مراراً وتكراراً وبلا نجاح الإطاحة بحماس من سدة السلطة عن طريق عزل غزة، فإنها تواصل الاعتماد على نظام القيود نفسه للإبقاء على حماس محاصرة وعالقة. وكان الافتراض الذي يرشد هذه السياسة هو أن بالإمكان منع حماس، المهتمة بمواصلة حكم قطاع غزة، من تنفيذ أعمال عدائية من خلال التهديد بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والعمل العسكري. ويتضح في هذا المنطق الاعتقاد بأن من الممكن وضع ما يكفي من الضغط على حماس لإبقائها ضعيفة، بينما لا يتم وضع قدر من الضغط أكبر من اللزوم على المجموعة إلى حد إيصالها نقطة اليأس -بحيث لا يتبقى لديها ما تخسره، ويصبح من غير الممكن ردعها.
وقد أثبت هذا الافتراض خطأه مرة بعد أخرى. ولكن، يجري تصعيد الضغط على غزة دورياً إلى أن تلجأ حماس إلى العنف في محاولة لتغيير قواعد اللعبة. وبعد ذلك، يعقب الصراعات العسكرية قصيرة الأمد تخفيف مؤقت لسياسة العزل. وبينما يمر الوقت، ينعكس هذا الاتجاه، ويفضي في النهاية إلى جولات إضافية من الصراع. وقد تكشف هذا النمط نفسه بعد الحرب الأخيرة في العام 2014. فقد جاءت في أعقاب تخفيف مؤقت للقيود على تدفق السلع والأشخاص إلى القطاع ومنه، زيادة كبيرة في الضغط السياسي والاقتصادي على غزة، مما رفع في نهاية المطاف احتمالات قدوم جولة أخرى من الحرب.
في حقبة ما بعد عملية "عمود الدفاع"، تصرفت إسرائيل وفقاً لمنطقَين منفصلين، وربما متعارضين. فمن جهة، تبنت فكرة أن وضع الكثير جداً من الضغط على غزة يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. وهي تدرك أن إعادة البناء والغوث الإنساني يمكن أن يلعبا دوراً مهماً في تحقيق قدر من الاستقرار هناك. ومن جهة أخرى، لم تكن تصرفات إسرائيل منسجمة مع تلك السياسة من الناحية العملية. فقد وضعت إسرائيل قيوداً متزايدة على حرية حركة الناس والبضائع، خاصة منذ أواخر العام 2016.
على الرغم من أن هذا النمط من زيادة القيود يظل مألوفاً، فإن حجم الضغط الممارس على غزة في الأشهر القليلة الماضية غير مسبوق، وهو يدفع بالقطاع إلى نقطة اللاعودة. فبعد كل شيء، وبالإضافة إلى السياسة الإسرائيلية القاسية وعلاقة مصر المعقدة مع حماس، تتبنى السلطة الفلسطينية من رام الله بحزم سلسلة من السياسات الرامية إلى إضعاف حماس. ومن بين أمور أخرى، تشمل هذه السياسات خفض رواتب موظفي الخدمة المدنية المدرجين على كشوف رواتب السلطة الفلسطينية في غزة، وإجراء تخفيضات على شحنات الأدوية والمعدات الطبية الذاهبة إلى القطاع.
لعل أكثر التطورات إثارة للقلق هو أن وصول غزة إلى الكهرباء أصبح أيضاً سلاحاً سياسياً في الصراع الحالي بين حماس والسلطة الفلسطينية. وحتى قبل وصول أزمة الكهرباء الأخيرة ذروتها في أواسط حزيران (يونيو)، كان القطاع يفي بنصف احتياجاته فقط من مجموع الطاقة التي يحتاجها، بشكل رئيس من خلال شحنات تأتي من إسرائيل. ومع ذلك، سرعان ما اتخذ الموقف منعطفاً إلى الأسوأ في الأشهر القليلة الماضية. فقد توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عن العمل في نيسان (أبريل)، لأن المنشأة لم تستطع تحمل تكاليف مُدخلات الوقود التي تضخم سعرها بفعل الضرائب المفروضة من السلطة الفلسطينية. وتصاعدت الأمور مع إعلان السلطة الفلسطينية نيتها عدم الاستمرار في دفع قيمة كامل فاتورة كهرباء غزة، وهو تطور تلاه قرار إسرائيل الاستجابة لمطالب السلطة الفلسطينية بتخفيض أكثر من 40 في المائة من إمدادات غزة من الكهرباء. وفي المدى القصير، تم تجنب الكارثة بقرار مصر الذي جاء في اللحظة الأخيرة تزويد محطة غزة الوحيدة لتوليد الكهرباء بالوقود؛ ومع ذلك، وما لم يتم إلغاء تخفيضات الكهرباء، فإن إمدادات غزة من الكهرباء تظل تحت خطر الانخفاض كثيراً إلى ما دون الساعات الأربع إلى الست المتاحة في اليوم.
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالفعل أن نقص الكهرباء في القطاع يعرض للخطر "الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتوفير مياه الشرب". ويعني هذا بشكل ملموس تفاقم الوضع الصحي العام القاتم أصلاً؛ حيث يعيق نقص الطاقة الكهربائية بشدة مرافق غزة الخاصة بالمياه والصرف الصحي، والتي تعاني من ضغوط كبيرة مسبقاً، مما يؤدي إلى محدودية إمكانية الوصول إلى الماء النظيف ومشاكل محتملة لنظام الصرف الصحي، بما في ذلك انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه. وبالإضافة إلى تدهور الوضع الإنساني في غزة، فإن نقص الطاقة يقلل أيضاً من إمكانياتها المستقبلية، وربما يؤدي إلى إلحاق أضرار بيئية دائمة وشاملة، بطريقة تجعل غزة غير صالحة للسكن في المستقبل القريب. وعلى سبيل المثال، تصبح سواحل المنطقة أكثر تلوثاً باطراد وتتعرض مياهها للخطر بسبب مياه المجاري المعالجة جزئياً وغير المعالجة التي يتم ضخها في البحر.
حتى مع دفع غزة إلى نقطة اللاعودة من منظور إنساني، فإن الاستراتيجية الحالية تؤدي إلى المزيد من استقطاب المشهد السياسي الفلسطيني، وتقلل من فرص المصالحة. وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن حماس ربما تحاول أن تحل مشكلة الكهرباء مع مصر، فإن فرص حدوث مواجهة عنيفة بين حماس وإسرائيل سوف تزداد فقط، إلا إذا تراجعت الضغوط.
من أجل الحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية، ولمنع نشوب حرب صيفية أخرى بين إسرائيل وحماس، على إسرائيل أن تلغي التخفيضات الأخيرة في إمدادات الكهرباء. ولا يقتصر الأمر على أن الاستجابة لطلب السلطة الفلسطينية بوقف إمدادات الكهرباء تشكل حدثاً إشكالياً إلى حد كبير من منظور القانون الإنساني الدولي؛ وإنما يذهب هذا الموقف أيضاً ضد مصالح إسرائيل.
على المدى الأطول، سوف تتطلب معالجة الوضع الإنساني المتردي في غزة من جميع الأطراف، بمن فيها حماس، وإسرائيل، والسلطة الفلسطينية، وقف تسييس الوصول إلى السلع والخدمات العامة الأساسية، مثل الماء والكهرباء. وبالإضافة إلى ذلك، من المهم تذكر أن المشكلات الراهنة لا تأتي نتيجة لسياسات السلطة الفلسطينية التي تصبح أكثر عدوانية باطراد فحسب، وإنما هي تتويج حتمي لعقد من السياسات القائمة على العقاب على أساس فكرة العزلة. ولا يمكن سوى لمراجعة عاقلة للسياسات والاستثمارات في إعادة بناء غزة وتنميتها، أن توقف القطاع عن الانجراف إلى نقطة لا إنسانية وسياسية درامية، والتي لا عودة منها.
 
*الكاتبة زميلة روبرت فوكس البارزة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، وزميلة رفيعة في "تيد"، وزميلة في معهد دراسات الأمن القومي وفي معهد الحرب الحديثة في ويستبوينت.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Gaza on the Brink: How to Forestall Another Conflict Between Hamas and Israel

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات