عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-May-2017

كشف زيف أسطورة "العالم العربي"

الغد-فيليب ليتش* – (ستراتفور) 19/5/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
يبدو أننا لم نكن مقتصدين مطلقاً في الإحالة إلى "العالم العربي" في عناوين الأخبار اليوم. وعندما قررت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قبل بضعة أشهر حظر نقل السلع الإلكترونية الأكبر حجماً من الهواتف المحمولة على بعض رحلات الخطوط الجوية، وصفت مجلة "الإيكونوميست" هذه الخطوة بأنها "حظر عربي آخر" -على الرغم من حقيقة أن نسخة واشنطن من الحظر شملت تركيا، وهي ليست دولة ذات أغلبية عربية، بينما لم تشمل نسخة لندن من الحظر الدول العربية كافة. وعلى السطح، ربما يبدو الاستخدام التلقائي والمرتجل لكلمة "عربي" أشبه بوصف اختزالي غير ضار وبدهي نسبياً لوصف مجموعة من الدول الواقعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن الإفراط في استخدامها -وإفراط اعتيادنا عليها- يمكن أن تعمل على تعمية الواقع أكثر مما تفعل لتفسيره.
لقب مضلل
من جهة، يبقى مفهوم "العالم العربي" -أو في الحقيقة أي مصطلح مثله، مثل "أميركا اللاتينية"، أو "أوروبا الشرقية"- إشكالياً لأنه يشجع الناس على التفكير في العالم بطريقة تعميمية وتبسيطية. فبعد كل شيء، يجمع الاسم معاً أي مجموعة من الدول والمجتمعات والشعوب المختلفة التي تمتد من سواحل المغرب على المحيط الأطلسي إلى شواطئ الخليج الفارسي، بطريقة تضيء ضمنياً ما نفترض أنه متشابه بشأنها (غالباً بشكل غير صحيح). وبالطريقة نفسها، يقلل الاسم من شأن الخصائص التي تفصل واحدتها عن الأخرى، ويمكن أن يلعب ذلك دوراً مهماً في تحديد الاتجاهات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي نأمل في تحليلها.
فلنفكر في تنوع المنطقة. فمع أن سكانها ككل هم مسلمون في أغلبيتهم، ويتكلمون العربية ويعرِّفون أنفسهم عرقياً بأنهم عرب، هناك أيضاً الكثير من الأقليات المختلفة التي تتماهى مع البعض فقط -وأحياناً مع لا شيء مطلقاً- من هذه الخصائص. وربما يتحدث أفراد هذه الأقليات الأذرية، أو البربرية، أو الفارسية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ناهيك عن اللهجات المختلفة للعربية، وهم يعتنقون أدياناً تتراوح من المسيحية، إلى اليهودية، إلى الدرزية.
حتى فكرة "كون المرء مسلماً" تشكل هي نفسها موضوعاً للتأويل. فهناك فروقات واضحة بين الشيعية، والسنية، والإباضية، لكن هناك الكثير من الفئات الفرعية في داخل كل منها أيضاً. وتحت المظلة الشيعية، هناك الاثنا عشرية، والزيدية، والإسماعيلية، بينما يمكن تقسيم الفرع السني أبعد إلى الوهابية والصوفية. وعلى قمة هذه الفروقات، هناك الجدالات اللاهوتية المستمرة بين التأويلات التقليدية والحديثة لكل منها. ثم هناك البلدان نفسها. فمن بين 22 دولة التي تشكل الجامعة العربية (بما في ذلك المناطق الفلسطينية)، هناك العديد من المستويات المختلفة للثروة، وأنواع الحكم، وتركيبة التحالفات.
مع ذلك، لا يتجاوز أي من هذا حقيقة أن هناك تشابهات مهمة حاضرة أيضاً. وكما يبدو زميل يمني لي مغرماً بتذكيري، فإن "من الممكن أن أسافر عبر هذه المنطقة كلها، وأن أشعر بالراحة مع الثقافة، وأتمكن من التواصل". وهذه الطرفة، في الحقيقة، تجسد السبب المركزي في جعل مفهوم وجود "عالم عربي" أمراً بالغ الجاذبية.
جذور مصطلح "العالم العربي"
وُجد "العالم العربي" كعبارة وأداة مفاهيمية منذ قرون، لكن استخدامه المعاصر في الإعلام الغربي يتوافق بشكل أساسي مع الإطار النظري نفسه الذي يسميه المنظر والمفكر الثقافي المعروف، إدوارد سعيد، "الاستشراق". وتحيل هذه الفكرة إلى الهيمنة العسكرية والثقافية والسياسية التي مارستها الإمبراطوريات الغربية على المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهي تصف كيف تم تبرير الإمبريالية وتمكينها من خلال الإعلام الشعبي والأدب والفن، والتي صورت الثقافات "الشرقية" (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) على أنها دونية وغرائبية.
ما تزال عناصر هذه النظرة العالمية حاضرة في بعض التحليلات اليوم أيضاً. وعلى سبيل المثال، يعرض الخطاب الشعبي في كثير من الأحيان الصراعات المركبة ومتعددة المستويات في سورية واليمن والعراق على أنها أجزاء من حرب طائفية أهلية أوسع نطاقاً. لكن هذه الرواية تفرط في تبسيط الواقع، والتي تولد من الحرارة، كما هو واقع الحال في كثير من الأحيان مع مثل هذه الروايات، أكثر مما تولد من الضوء.
"الربيع" المفرد؟
ربما لا يكون من المستغرب، إذن، أن يصبح "الربيع العربي" من أوضح تجليات هذا الخط الخاطئ من التفكير في السنوات القليلة الماضية. والأهم من ذلك، أنه يستمر في التأثير على الكيفيات التي يُجرى بها الكثير من البحث في شؤون المنطقة اليوم. ووفقاً للروايات والأحداث الأكثر قبولاً على نطاق واسع، والتي تتخلل معظم المحتوى الأكاديمي والشعبي حول الموضوع، فإن "الربيع العربي"، كان سلسلة من الانتفاضات عبر الشرق الأوسط، والتي بدأت ظاهرياً بإحراق بائع متجول تونسي نفسه في أواخر العام 2011. وقد أفضى مصرعه، كما تقول القصة، إلى إحداث تحوُّل في المشهد السياسي للمنطقة كلها.
لكن ذلك لم يكن كله للأفضل. لقد أفضت الحركة في الحقيقة إلى بعض الإصلاحات الديمقراطية في أماكن قليلة، بما فيها تونس. لكن تأثيرها الدائم عادة ما يُنظر إليه على أنه سلبي في أغلبه. ففي سنواتها المبكرة، رفعت الاحتجاجات الآمال بقدوم موجة جديدة من الدمقرطة، والتي تشبه تلك التي اجتاحت جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة في أواخر القرن العشرين.
لكن تلك الآمال سرعان ما تبددت في بلد تلو الآخر؛ وبدلاً من الجمهوريات الجيفرسونية، جاءت الثورات المضادة الوحشية، والحروب الأهلية المطولة، لتحل محل الدولة اللصوصية الراكدة. وبدا أن الربيع قد ضاع.
مع ذلك، ليست هذه الحكاية المأسوية عن "الربيع العربي الذي استحال شتاءً" هي كل القصة. إنها في الحقيقة قصة ليست دقيقة على الإطلاق لأنها قامت مرة أخرى على إطار تحليلي معيب من الأساس. فبالإضافة إلى اسخدام مصطلح "عربي" المحمل بالدلالات، فإنها تستعير أيضاً كلمة "الربيع" من فصول أخرى من التاريخ، بما في ذلك "ربيع الشعوب" في أوروبا في العام 1848، و"ربيع براغ" في العام 1968. وبفعلها ذلك، فإنها تقلل مباشرة من شأن أوجه التفرد الممكنة لتظاهرات الشرق الأوسط، وتفرض فوقياً استخدام عدسة المركزية الأوروبية على أي تحليلات لاحقة. (من الجدير أيضاً ملاحظة أن مارك لينتش، الذي يُنسب إليه الفضل في نحت مصطلح "الربيع العربي"، إنما فعل ذلك بالإحالة إلى انتفاضة لبنان في نيسان/ أبريل 2005).
فيما ينطوي على شيء من المفارقة، تعني العبارة بالتزامن أن الانتفاضات في الدول ذات الأغلبيات العربية كانت منفصلة تماماً عن الاحتجاجات الشعبية التي تجري في الوقت نفسه تقريباً في كردستان العراق، وإسرائيل، وتركيا وأوكرانيا، والتي تقاسمت اللغات والسمات نفسها. وقال بعض المحللين، بمن فيهم باحث جامعة كولمبيا، حميد دباشي، إن انتفاضات الربيع العربي عكست نفس الرفض واسع النطاق للسلطوية ما بعد الكولنيالية الذي عبرت عنه الحركة الخضراء في إيران قبل سنتين من ذلك.
إذا وضعنا هذه المشكلات جانباً، فإن القضية الكبرى هي أن مصطلح "الربيع العربي"، شأنه شأن مصطلح "العالم العربي"، يُعامل معاملة المُفرد. ويتجاهل هذا الخلل المنطقي الافتراض غير الصحيح بأن الدول ذات الأغلبيات العربية متماثلة جداً حتى أن بالوسع معاملتها جميعاً باعتبارها كُلاً واحداً متساوقاً -وهو خطأ لقي غوثاً كبيراً من الانتفاضات نفسها. وكما لاحظت العالِمة السياسية ليزا أندرسون في ذلك الوقت، فإن الثورات في الدول الجارة في شمال أفريقيا، ليبيا وتونس ومصر، كانت مختلفة تماماً واحدتها عن الأخرى، على الرغم من المظاهر الأولية.
وقالت أندرسون: "تنوعت أنماط وديموغرافيات الاحتجاجات بشكل كبير. فقد تصاعدت المظاهرات في تونس متجهة نحو العاصمة من المناطق الريفية المهملة، وعثرت على قضية مشتركة مع ما كانت ذات مرة حركة عمالية قوية، وإنما مقموعة بشدة. وعلى النقيض من ذلك، في مصر، قام الشباب في المناطق الحضرية والمدن الرئيسية بتنظيم الانتفاضات. وفي ليبيا، قامت عصابات رعاع من الثوار المسلحين في المناطق الشرقية بإشعال جذوة الاحتجاجات، بطريقة كشفت عن الانقسامات القبلية والإقليمية التي كان البلد يعاني منها منذ عقود".
وهكذا، تلقي المسارات المختلفة التي سلكها كل بلد منذ اندلاع الاحتجاجات الضوء على كم كان تحليل أندرسون صالحاً.
الإفلات من الفكرة الراسخة
إن القسمة بين "عالم عربي" وعالم "غير العربي" هي تعسفية بكل وضوح، وهي تذكر بمشكلة يسميها الأكاديميان، أندرياس فيمر ونينا غليك شيلر، "القومية المنهجية". وفي الجزء الأكبر من أبحاث العلوم الاجتماعية، كما يقولان، يتم افتراض أن الدول القومية ببساطة هي الوحدة المناسبة للتحليل. ويقول الباحثان إن هذا الميل يستند إلى "طبيعية واضحة ووجود مُعطى لعالم منقسم إلى مجتمعات على أساس خطوط الدول/ الأمم". وفي الممارسة، يمكن أن يقود هذا الافتراض إلى خلق بعض من المحددات التحليلية الخطيرة، خاصة عندما يأتي الأمر إلى قدرتنا على تحديد الاتجاهات التي تكون إما فوق أو تحت مستوى الدولة القومية.
ثمة أفق مفاهيمي مشابه واضح في فكرة وجود "عالم عربي"، ومن السهل العثور على أمثلة لهذه "القومية المنهجية" في البحث الأكاديمي. وبطبيعة الحال، لا يعني هذا اقتراح أن أي دراسة في هذا المعسكر يجب أن تُواجَه بالرفض على الفور. الفكرة ببساطة هي أن علينا أن نكون مدركين للقيود والمحددات التي تفرضها هذه العدسة على التفكير الدقيق. وهكذا، كبديل عن القومية المنهجية، يقدم فيمر وغليك شيلر اقتراحاً مبدئياً:
"من أجل الهروب من جاذبية الأساليب المقررة سلفاً، وإيجاد طرق لتعريف موضوع التحليل وخوارزمياته لتوليد الأسئلة، ربما يترتب علينا تطوير (أو اكتشاف؟) أدوات تحليلية ليست مصبوغة بالأدلة الذاتية عن عالم مرتب في دول قومية".
وهكذا، بدلاً من أن نكون "مصبوغين بالدليل الذاتي" للـ"العالم العربي"، يجب أن نركز بدلاً من ذلك على العلاقة بين الوكالة البشرية والبِنى التي تتواجد في داخلها هذه الوكالة.
يجب أن نكون صادقين
إن الهدف الأهم للتحليل الجيوسياسي هو العثور على المعنى الحقيقي للبيانات المتاحة لدينا، بينما نظل مدركين لحقيقة أن نظرتنا العالمية المحدودة الخاصة يمكن أن تغطي على عناصر من الواقع. وباعتبارنا طلاباً في موضوع الشؤون العالمية، فإننا نكون مدفوعين بالرغبة في تعلم أكبر قدر ممكن، ولا يمكن أن نكون خائفين من طرح الأسئلة عن المعتقدات التي ربما تؤثر على استنتاجاتنا.
تقدم عبارة "العالم العربي" نوع التفكير التقليدي الذي يفعل عكس ذلك تماماً، والذي يخفي الحقيقة بدلاً من الكشف عنها. ولذلك، وتماماً كما نحجم عن الإشارة إلى انتخاب دونالد ترامب أو استفتاء خروج بريطانيا على أنها أجزاء من "ربيع أنجلو-سكسوني"، فإن علينا تجنب استخدام الطرق المختصرة نفسها في الأجزاء الأخرى من الكوكب.
 
*زميل غورون هندرسون في مركز أبحاث حقوق الإنسان والتعليم في جامعة أوتاوا. وهو مؤلف كتاب "دولة فلسطين: تحليل نقدي"، والمحرر المشارك لكتاب "الهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Debunking the Myth of the Arab World

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات