عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jun-2018

البحث عن الجذور في «أحلام المسيسبي» للمغربي مصطفى لغتيري

 القدس العربي-أمين دراوشة

 إذا كانت الرواية التقليدية تقوم على مجموعة من التقنيات والعناصر والخصائص، كالزمان والمكان والشخصية والحدث والحبكة واللغة، وتمتاز بربط الأحداث بشكل منطقي، مع المحافظة على الحبكة بمفهومها التقليدي، فإنَّ الروائي المغربي مصطفى لغتيري يقدم في عمله الجديد قدرة هائلة على تجاوز هذا التصور التقليدي للرواية، وإبداع شخصيات روائية حية، يطلقها في الفضاء الروائي لتعيش قصتها حرة، وبدون قيود، بمعزل عن الروائي الذي أبدعها، وتلك ميزة لا يتصف بها إلا القلة من الروائيين.
في روايته الجديدة «أحلام المسيسبي على ضفاف سبو» الصادرة حديثا عن دار الرفاعي في مصر، يقتحم الروائي تجربة جديدة، يناقش فيها أحداث العالم المختلفة، من وجهة نظر مغايرة، قلما نصادف لها مثيلا، مازجا في روايته التاريخ الواقعي بالأسطوري، محاولا تفسير منبع العنف والحروب في العالم، كان لافتا أيضا الزَّمن الطويل في الرواية، الذي يبدأ من بداية الخليقة ويستمر حتى ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية.
تتعدد الأصوات في هذه الرواية، لتعبر الشخصيات المختلفة والمتعددة، كل منها على حدة عن مكنوناتها وما يختلج في نفسها من هموم وأحلام ومكائد ومكر. ويمكن القول إن هناك ثلاثة أصوات رئيسية هي: الفتاة الأمريكية جانيت، وجدّها الحاضر بقوة حتى بعد موته من خلال مذكراته، المجند كلارك كلاوي، ثم الكائن العجائبي «الحربوش» إبليس الذي يسافر في كل مكان محدثًا الحروب والمجازر؛ لأنَّه لا يقتات إلا على الدماء، مستعرضا بذلك غزواته عبر التاريخ الإنساني الطويل.
إنها رواية متشعبة، رواية الحب والحرب، والبحث عن الجذور، فجانيت الفتاة الشابة بعد أحداث سبتمبر يشدها العمل التطوعي لمساعدة الضحايا، وهي الفتاة التي لم تكن تهتم إلا بنفسها، ومن خلال تطوعها يأخذنا الكاتب عبر حديثها عن تجاربها في التطوع، وعن زملائها الذين لديهم أفكار مسبقة حول العرب والمسلمين، بأنهم جهلة وقتلة وإرهابيون. 
في البداية تتبنى جانيت آراء زملائها، قبل أنْ تكتشف أنَّ دما عربيًا مغربيا يسري في عروقها، من خلال جدتها لأمها، وهنا تتحول الشخصية الديناميكية وتتبدل أفكارها، وتبدأ في البحث عن جذورها، وتتعرف على أحمد الشاب الأسمر الأمريكي من أصول إفريقية وذلك من خلال جمعيه المتطوعين، وتشدها إليه ثقافته وطيبته، وتقودهما آراؤهما إلى التطوع لمساعدة الضحايا في فلسطين، وهناك تتبدل أيضًا الشخصية، وتنتقل بأفكارها إلى مساعدة الشعب الضحية، وتنزع وأحمد سترتيهما الدالة على أنهما متطوعان قادمان من قبل الأمم المتحدة، لينخرطا مع الشعب الفلسطيني والأجانب المناضلين دعمًا للسلام في فلسطين، في محاول صد الجيش المحتل عن هدم البيوت وتشريد أهلها.
وتنتهي الرواية بعودة جانيت إلى المغرب للتعرف على جدتها العابقة بالتاريخ والمحبة، والتي نستدل من اسمها (الغالية) على مدى قيمة الوطن، وأنه الهواء والماء الذي لا غنى عنه.
يسجل للروائي البراعة في الوصف، ففي جولة سياحية تقوم بها جانيت وأحمد، يزوران غالبية المدن المغربية، حتى أَنَّ القارئ يشعر بجمال المواقع والمدن، ويقول في نفسه: «لا بدَّ أَنْ أزور الرباط، وأيضا طنجة، والدار البيضاء».
وتقول جانيت: «حتمًا سنزور فاس ونواحيها وننتقل بعد ذلك إلى مدينة إفران في أعماق الأطلس ولن نتنازل عن ملامسة ثرى مدينة أكادير، وقد نتوغل جنوبًا في الصحراء، حتى تكتمل الصورة عن بلد لم يعد بالنسبة لي مجرد بلد سمعت عنه وأزوره، بل أصبح يشكل جزءًا من هويتي وكياني كذلك».
مهما تغرب الإنسان، يبقى الأصل وتبقى الأرض تشده إليها حتى إنْ لم يرها، يكفي أنْ تسري دماء الوطن فيه ليبقى يعاني حتى يعانق ثرى الأرض التي ولد عليها والده أو جده أو جدته.
 
٭ كاتب فلسطيني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات