عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

قراءة في ديوان «أخيلة» لعيد النسور

الدستور-د. ديانا الرّحيّل 
 
تمثل القصيدة السردية فضاءً نصّيًّا تتداخل فيه عناصر بنائية هي في الأساس مكونات نصّيّة لأجناس أدبية مجاورة وفنون إبداعية، وغنيّة بالحدث والحوار والشخصيات والفضاء وصوت الراوي، مما جعلها مجالاً إبداعيًّا للفعل الدارامي والتصوير المشهدي، ويُحدث حركة في البناء الفني الأمر الذي يولد ألفة بين المبدع والمتلقي، فيغدو القارئ وكأنه يشاهد اللقطات الشعرية. 
 
ديوان «أخيلة» للشاعر عيد النسور والصادر عن دائرة الثقافة في أمانة عمّان الكبرى سنة 2016م، يشي عنوانه ومنذ البدء بأننا إزاء حدث وهو عدم وضوح الرؤية، وهو المهيمن الدلالي والشعوري الذي يكتنف القصيدة كلها، فجاءت عتبة العنوان موجّهًا لافتًا يستبطن بذرة الدلالة والرؤية التي يتفرع عليها النص، ومن ثم تبوّأ العنوان قدرة إحالية إلى الفضاء الذي تدور فيه القصائد مع استدعاء فضول المتلقي وإثارة توقعه لما سيحيل إليه جو الديون أو توجهه.
 
القصيدة السردية 
 
عمد الشاعر إلى التنقل من رؤية إلى أخرى، ومن منظور رؤيوي إلى آخر، إذ لجأ إلى التحرر من حركة المشاهد، والتنقل على إيقاع المتحركات في الصورة والدلالة والمتضادات والمتوازيات، لخلق لغة متحركة، تموج بالحركة والدفق الشعوري والتنوع الدلالي.
 
ويتسيّد السرد ليقدم الرؤية محكية، وتختلف اللقطة «لتكون ثانوية متكئة على فاعلية السرد في تشكلها بعد أن كانت رئيسة في مواضع أخرى»، فاعتماد تقنية السرد والحكي الشعري تتطلبه مقتضيات المشهد وهو الأنسب في التعبير عنه؛ إذ يعبر عن موقف فكري مركب لا تكتمل أطرافه إلا بالشرح والتعليل، ولكن في حدود العبارة الشعرية المركزة الموجزة التي بدورها تقدم صورة تعبيرية شعورية تمثل لقطة شعرية بذاتها.
 
«تاهَ»بطْريقٌ «
 
وعلى الشاطئ الشرقيِّ تصابى
 
تراكم أخيلةً،
 
وتراقص مزهوّاً ببراعتهِ
 
جلَدَ الملحُ رقصتَهُ
 
فمضى صائحاً بجنودهِ 
 
الشّطُّ ليس لنا..
 
لنعودَ إلى الزمهريرِ   
 
فدفْءُ الحياةِ لهمْ
 
والصّقيعُ لنا»
 
وأفاد الشاعر من رمزية اللون في قصائده للتعبير عن فضاء دلالي مهم في المشهد وهو رمادية السماء التي تحيل الى أن الرؤية مشوشة متداخلة بنقيضيها اذ التبس الحق بالباطل وشاب العدل ظلم حتى تشوهت الحياة، وهذا يعني اشتباه الانوار وتعميتها.
 
«بحجمِ السّماءِ
 
تراكم قاعُ المدينة أحلاماً
 
حيث كوفلها المجدُ للفجرِ ذاكرةً
 
قُمِّطتْ بضفائر داليةٍ،
 
وبحِضنِ البيوتِ العتيقةِ
 
دغدغها أملٌ
 
أن تعود مشنشلةً بالأساطيرِ
 
عبر غيومٍ ورعودٍ
 
وعبر سخونة أرصفةٍ تتأرجحُ
 
بين نحولِ رؤانا
 
وبين نوافذ دارٍ تسأل جنحَ الطيورِ،
 
متى سيعود لها
 
ذاك الحلمُ العتيقْ؟»
 
وهذا المشهد يضيء الشريط الشعري بفاعلية السرد ليعبر عن بنية رؤيوية تحكي واقع حياتنا التي تسيد فيها القتل والعنف والإقصاء بالرغم من رفضنا لكل هذا وامتعاضنا منه. 
 
«رأيت في منامي
 
أن الفاروق يستدعي ولاته
 
يحقق معهم 
 
ويحاسبهم على كلّ
 
ما اقترفوه بحق شعوبهم 
 
ففرحتْ»
 
وتعددت الأصوات في قصائد الديوان، ليختلف التبئير، وتتبدل وجهة النظر من ضمير الغائب إلى المتكلم فالمخاطب، لاجتراح أبعاد أخرى في متخيل الخطاب الشعري، وتجليات السرد فيه. فيمارس الشاعر من خلال استخدامه لضمير (الأنا) لعبة فنّيّة تسمح له الحضور القوي في قلب الأحداث، ويقدم ضمير المتكلم في شعره دورًا حيويًا في دعم النسيج السردي المتكامل، ويكشف العوامل النفسية والداخلية التي تكمن في الأحداث، ويستخدم الفعل المضارع للدلالة على توحيد التجربة واستمراريتها. 
 
وتتحول هواجس الشاعر إلى أسئلة تستهدف المعنى الحكائي الضامر، وهي تتواتر بزخم حضورها الدال، تثير تساؤلات تحاول مقاربة فلسفة الوطن والأرض والانتماء، تؤثر بفاعليتها وتواترها وصياغتها الذكية داخل القصيدة في تعميق البعد الرمزي في المبنى السردي، بما تستثيره وتشير إليه من أحداث يمكن أن تمثل وتتجسد في ذهن المتلقي.
 
«ها أنتَ ثانيةً وثالثةً !!
 
 تقولُ لمن،
 
نـغـازلـهُ الربيعْ.
 
ولمن نُـنـاغـيـهِ الهوى؟
 
ولمن نهودجُ حلمنا ولمنْ، 
 
 نصوغُ الصمتَ آمالاً،
 
لمن ولمنْ؟
 
كفى يا صاحبي هذْراً
 
فمهما طال ليلٌ واحتسى أَرَقَي
 
سأحرسُ كرمتي حراً
 
ولن أجترّ آهةَ جرحٍ نازفٍ
 
وأنامْ!» 
 
هذه الأسئلة تنبّه القارئ إلى ذلك المجهول، بوصفها أسئلة حكاية مموّهة بغواية السرد، ويوازن الشاعر بين شاعرية القصائد ووجدانيتها وتركيبها الفكري، وينوّع بين الذاتية والموضوعية، يستهدف تجسيد الحياة وهمومها بخلفيته الفردية والجمعية.
 
فأي نشاط ابداعي فكري لا بد أن يصدر عن أسئلة، حتى عندما يكون في حالة بحث عن إجابات، وإن النص الإبداعي الذي لا يثير أسئلة لن يترك أثرًا ثقافيا عميقًا حتى ولو قوبل بالاعجاب، والنص الاستثنائي يستدعي قارئا استثنائيا، ومثل هذا الاستدعاء يوجد قراءة تضيف للنص ما هو جديد.
 
التصوير المشهدي
 
يعتمد الشاعر على تقنية التصوير المشهدي عبر اللقطة الشعرية في تشكيل مشهد شعري مكثف يتخذ موضعه في جسد القصيدة على أساس فكري، وجاءت المشاهد الشعرية في قصائده متوالية ومنسجمة وكل منها يمثل وحدة فكرية لها خصوصيتها وجوّها التعبيري داخل القصيدة، وكل مشهد من هذه المشاهد يحتوي على مجموعة من اللقطات المتوالية والمتقابلة بانسجام، وهذا يبرز توتر الحدث، ويعمّق الحالة الوجدانية التي يبثها الشاعر بكل توتراتها الشعورية واحتدامها الداخلي.
 
وقد استوعبت اللقطة الشعرية عناصر السرد الشعري وقدمتها تقديما متفاعلا مع الحدث في كل مشهد من القصيدة مع مراعاة نمو الحدث وتطوره، فالشاعر يستوحي عمل الكاميرا السينمائية التي تؤدي تقنية النقل الحر للحدث وحركة عناصره، ومن ثم تسمح لنا برؤية المشهد كاملا من دون أن تتدخل هي في توجيهه أو صنعه.
 
«عاد ملتحفاً سُهدَ غربتهِ،
 
طرق البابَ شوقاً ..
 
 تذارت كهولتُهُ بصرير مفتاحٍ صدئٍ،
 
وعلى بُعدِ داليةٍ 
 
 راح يبحث مبتسماً 
 
عن ملامح لثغتهِ اَلأولى،
 
عن أرجوحةٍ حملتهُ إلى عتبات الدّنا
 
 عن براءةِ حُلْمِ صِباهُ،
 
وحين تهادتْ نجومُ الليلِ،
 
تراكم بوحاً
 
تذكّرَ..
 
كيفَ تشاقى هنا 
 
وهناكَ على ضوء قنديلٍ كيفَ ارْتقى
 
وتهجّى  أوّلَ أحْرِفهِ.
 
يا إلهي!
 
لم يبقَ إلاّ الصّرير،  
 
بكى ..» 
 
جسّد الشاعر شروط اللقطات الشعرية على مستوى التخييل الشعري عن طريق الوصف والسرد والصورة والعبارة والإيقاع، وتحولت القصيدة إلى ما يشبه الشاشة التي تحاكي عالم القصيدة، بما يتجلى على سطحها من تصوير للمشاعر والذات والآخرين، وفي مشاهد متتابعة تحقق التصوير المشهدي من خلال رسم المشاهد وتفعيل التصوير، وفسح المجال للخيال الشعري، وما تتيح له إمكانياته الذهنية من خرق لأفق التوقع.
 
وقدّم « قصائد مونتاجية في ديوانه، عبر لقطات متنوعة ومشاهد متعددة ومترابطة، يعبر من خلالها عن رؤيته الشعرية، ويفسح للمتلقي من خلال هذه التقنية أن يشارك في عقد خيوط دلالاتها والربط بين مفاصلها، بعد تجاوبه مع جوّها التعبيري والشعوري، ليتمكّن من الوصول الى الخيط الدلالي الذي يربط بينها»، والمتلقي الجيد هو من يكتشف معمارية الجانب الرؤيوي للقصيدة وما أراد الشاعر أن يعبر عنه أو يقوله دون أن يفصح عنه مباشرة.
 
«الأرضُ رهينةُ أوهامٍ!
 
ومسالك زوبعة،
 
تتراكم أنفاساً لخيامٍ عاريةٍ،
 
إلاّ ..
 
من عهرٍ مُباحٍ لذئبٍ،
 
عوى طفلةً تتقيأ الحزنَ هناكْ
 
وهنا تتذارى الجروحُ،
 
بليلٍ دجى.
 
وأنا والأحلام من وجعٍ
 
نتطارح آهةَ قهرٍ
 
تؤرِقُ عينَ السّماءْ»
 
فاللقطات الشعرية المتتالية هي تكريس لرؤى الشاعر الدرامية التي تجسد أوجه الصراع أو التناقض التي تظهر في واقعنا العربي المأزوم، المهدد بأشكال الدمار والانهيار كافة، وأوصلنا في ذروة قصائده إلى إشكالية قائمة، فالأفق المنظور في ظل هذا الواقع لا ينبئ بغير دوام هذا الحال، وكان الموقف الشعري الذي يختم السرد المشهدي للقصيدة مشهدًا فكريًّا يمثل رؤيته.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات