عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Sep-2017

"نوم الغزلان" للروائي طه: سيرة بين الذات والوطن

 الغد-عزيزة علي

 
 يقول الروائي والمسرحي محمد علي طه إن كتابه "نوم الغزلان- سيرة ذاتية"، الصادر عن  دار الشروق للنشر والتوزيع، هو ليست رواية ولا سيرة ذاتية ولا سيراوية، لأن سيرتي الذاتية هي قصصي القصيرة ومسرحياتي ومقالاتي وقصص الأطفال التي كتبتها وروايتي التي نشرتها قبل سنوات وروايتي الثانية التي سوف ترى النور قريبًا، بل هذا العمل الأدبي هو فصول على هامش السيرة الذاتية.
و"نوم الغزلان"، هو الكتاب الخامس والأربعون في مسيرة طه وجاء بعد ثلاث عشرة مجموعة قصصية ورواية واحدة وستة كتب مقالات أدبية اجتماعية وأربع مسرحيات وعشرين كتابًا من قصص الأطفال وقد تُرجم بعضها إلى عدة لغات مثل العبرية والإنجليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية والروسية والإيطالية والرومانية وغيرها. وقد صدر عن أعمال الكاتب 4 كتب دراسات نقدية باللغة العربية وأطروحة دكتوراه باللغة الألمانية.
تحت عنوان "أول الكلام"، يقول محمد علي طه في مقدمة الكتاب إن عمره الآن أصبح "خمسة وسبعون عامًا. أكاد لا أصدق. أنا في الخامسة والسبعين من عمري. ثلاثة أرباع قرن. وهذا يعني أني أحيا وأعيش في فترة الشيخوخة. أنا شيخ، هرم، مسن، كبير في السن.. وأنا أرفض أن أكون شيخًا هرمًا. نحن نحب الحياة ونخاف من عدد السنين".
مقدمة الكتاب هو نص سردي فيه الكثير البوح الحميمي يجعلنا نسير معه في كل خطواته "... عندما كنت شابًا صغيرًا، كانت الأيام أطول، وكانت الشهور أطول، وكانت السنوات أطول. وكان الزمن يسير ببطء مثل السلحفاة وأما اليوم فيعدو بسرعة غزلان الصحارى التي تطاردها الذئاب.
قبل أيام اتصل بي "نزار" صاحب شركة "الأرز"، وكنت قد عرفته عندما أجرت بعض المحطات التلفزيونية لقاءات معي من "أستوديو الأرز" في الناصرة. قال لي: العمر الطويل لك. تشاورت مع "رمزي" وسوف نزورك لإجراء لقاء مطول معك. وسوف أخبرك عن موعد زيارتنا.
لقاء معي؟
هذا لقاء ليس عاديًا. لقد قابلني تلفاز "مساواة" وتلفاز فلسطين والجزيرة وmbc . مقابلات قصيرة ومقابلات مطولة. قابلوني في أستوديو الأرز، وفي الأستوديو الجديد في بيت الصداقة في الناصرة وقابلوني في بيتي وفي حديقتي وعلى أطلال ميعار.
ماذا بقيَ مني؟
قال لي قبل أشهر "راحوا. لم يبقَ أحد سواك!"
قلت له وأنا أتصنع ابتسامة: هل تريد أن أموت؟
-لا سمح الله. لك العمر الطويل.
راحوا. يعني أصدقائي الشعراء والأدباء وأبناء جيلي من المبدعين، توفيق زياد وإميل حبيبي ومحمود درويش وشكيب جهشان وسالم جبران وسميح القاسم و..
نزار يعبِر عن قلقه وحبه وتقديره لي. والحياة والموت بيد الله. وهو ليس الوحيد الذي يقول لي ذلك فقد قاله لي أكثر من شخص في السنة الأخيرة: دير بالك على صحتَك. لم يبقَ لنا أحد سواك.
ماذا تريدون مني!
أنا أمشي يوميًا. صيفًا وشتاءً. صدقت الطبيعة والعصافير والبلابل وصادقت الهدهد وصادقت الثعلب.
في صباح كل يوم، ما بين الساعة السادسة والربع أو الساعة السادسة وسبع عشرة دقيقة عندما أصل إلى الهضبة وأمر بمحاذاة مقبرة الدامون المهجرة ثم بأطلال البلدة يمر أمامي سريعًا مثل الريح. يأتي من بين أطلال القرية شمالًا 
ويعبر الشارع المعبد إلى غابة الصبار جنوبًا، ثعلب عسلي اللون.
نشأت علاقة ما بيني وبين الثعلب. ما أن أصل رأس الهضبة، رأس الدامون، في الصباح الندي أو الجاف حتى أتوقع عبوره السريع، فيعبر مسار المشي وشارع الإسفلت مثل البرق.
يبدو أنه صار يعرفني وصرت أعرفه.
أخرج من بيتي يوميًا في السادسة صباحًا. أحيانًا قد أبكر دقيقة أو أتأخر دقيقة وأسير. وسواء كان موعد مشيي مضبوطًا أو متقدمًا أو متأخرًا دقيقة إلا أن الثعلب يمر من أمامي في المكان ذاته.
هل يضبط عبوره بساعة من ساعات الطبيعة لا أعرفها؟
الساعة؟
ملعون أبو الساعة؟
تذكرني دائمًا بأن الزمن يجري ويجري.
كم أنت قاسٍ يا سيد سايكو.
أنت إنسان بلا قلب وبلا شعور وبلا إنسانية.
لو أعرفك، لو أقابلك لبصقت في وجهك.
متأسف.
أنا إنسان حضاري ولن أفعل ذلك. وأنت إنسان عصري تضبط أوقات الجميع. تضبط وقت الإنسان والآلة والحيوان الداجن والحيوان البري.
تضبط أوقات الثعلب، ثعلب الدامون.
في صباح أحد الأيام قطعت المسافة ما بين رأس الدامون وبين العين ولم يمر الثعلب.
ربما "راحت عليه نومة".
ربما نهضتُ مبكرًا.
وجدت له عذرًا.
وقلقت عندما لم يمر من أمامي في صباح اليوم التالي.
وحزنت حينما لم أره في اليوم الثالث.
لا بد من أن مكروهًا قد أصابه، ربما دهسته سيارة وربما أطلق صياد رصاصة عليه وربما سقط في بئر مهجورة.
راح الثعلب.
خسرته.
ومرت أيام وكدت أنساه وفيما أنا أسير من رأس الدامون إلى العين وإذا بالثعلب يعبر سريعًا أمامي.
صباح الخير يا أبا الحصين. وين هالغيبة؟
كأنه يبتسم. كأنه يضحك. كأنه يقول: ما أحلاها. عيشة الحرية.
يعيش الثعلب بحرية، ويعيش الهدهد بحرية، وتعيش العصافير والنحل والفراشات بحرية.
تعيش شعوب العالم بحرية، الشعوب الأوروبية والشعوب الأمريكية، شمالًا وجنوبًا، والشعوب الآسيوية والشعوب الإفريقية.
طردت شعوب العالم المستعمرين من أراضيها، وأما نحن العرب فقد طردنا الإنجليز والفرنسيين والطليان من مصر وسورية ولبنان والعراق وليبيا وتونس والمغرب والجزائر واليمن والخليج في القرن العشرين ثم عدنا ودعونا المستعمرين إلى أراضينا.
دعوناهم ليقاتلوا شعب العراق وشعب ليبيا.
فتحنا لهم مطاراتنا وموانئنا وجونا وبرنا وبحرنا.
ومددناهم بالمال وبالوقود.
يذبح الجزار الضحية وتدفع الضحية للجزار أجرة ذبحها.
منذ رأت عيناي النور وشعبي يذبح.
ذبحنا الإنجليز طيلة ثلاثة عقود.
وذبحتنا العصابات الصهيونية في الأسواق العامة وفي المشاغل والمصانع وفي المساجد وفي البيوت وفي ساحات القرى والمدن.
ذبحونا في دير ياسين والطنطورة والدوايمة وعيلبون واللد والرملة وطبريا وكفر قاسم و...
ذبحونا في مسجد دهمش.
ويتحدثون عن الإرهاب الفلسطيني؟
اعتدت أن أكتب مقالات ساخرة باللغة العبرية وأنشرها بين حين وبين آخر. كتبت قبل أشهر مقالًا بعنوان "أنا عربي محرض" سخرت فيه من سياسة نتنياهو ومن حملة التحريض التي يقودها ضد المواطنين العرب، وكان للمقال أصداء واسعة بين القراء اليهود والعرب.
هل أستطيع أن أؤثر على المجتمع الإسرائيلي؟
وكتبت مقالًا ساخرًا جدًا باللغة العبرية بعنوان "قلبي مع الجندي" ونشرته في صحيفة "هآرتس". سخرت كثيرًا من العنصرية ومن العقلية الإسرائيلية التي تفخر بقتل العرب.
كتب قارئ يهودي تعليقًا على المقال: لولا أن الكاتب عدوي لبحثت عن كتبه وقرأتها لأنني أعجبت بأسلوبه الساخر.
في شهر آذار (مارس) من العام 2016 نظمت جامعة حيفا ومؤسسة محمود درويش للإبداع ورئيسها صديقي الكاتب عصام خوري أمسية ثقافية في قاعة "سوزان دلال" في تل أبيب- يافا احتفاء بعيد ميلاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش وبشهر الثقافة الفلسطينية ودعيت لأكون من المتكلمين في الأمسية.
اكتظت القاعة بمئات الرجال والنساء، من اليهود، الذين اشتروا تذاكر لهذه الفعالية الثقافية، وكنت المتكلم الثاني فيها.
ألقيت كلمة باللغة العبرية تراوحت بين الأدب وبين السياسة واستقبلها الجمهور بالتصفيق الحاد والطويل.
تحدث أستاذ جامعي يهودي عن شعر درويش، وقرأ عدة شعراء قصائد لدرويش مترجمة للعبرية، وتحدث شاعر يهودي معروف عنه. وتكلمت عشيقة محمود درويش اليهودية في الستينات التي أسماها في قصائده "ريتا. وغنى مطرب عربي ومطرب يهودي قصائد من أشعاره.
كان حدثًا ثقافيًا بارزًا وهو في اعتقادي أهم احتفال لذكرى درويش جرى حتى اليوم. ذكرى ميلاد درويش في يافا، في تل أبيب، خمسمائة مواطن إسرائيلي يهودي يستمعون إلى قصائده وإلى كلمات عنه وإلى قصائد مغناة من شعره.
تأثرت جدًا.
يجب أن نعمل مع هؤلاء الناس كي نغير الواقع الصعب.
لا يمكن أن ننجح وحدنا في مكافحة العنصرية والشوفينية والاحتلال والاستيطان.
نحن بحاجة إلى قوى ليبرالية في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
نستطيع أن نغير إذا عملنا وخرجنا من القوقعة، فالقوقعة خطرة وهواؤها فاسد وشمسها غائبة. نحن نعاقب أنفسنا ونخدم المؤسسة الإسرائيلية في تقوقعنا. هي من وضع الحواجز بيننا وبين المجتمع اليهودي كي يبقى هذا المجتمع مغلقًا على نفسه ولا يعرف أن شعبًا فلسطينيًا عاش على هذه الأرض، وكي لا يعرف أن هذه البيوت القديمة والجميلة في يافا وحيفا واللد والرملة كانت للفلسطينيين الذين تحولوا إلى لاجئين بسبب حرب 1948 وبسبب مجازرهم. وكي لا يعرف أن على أرض الطنطورة والزيب حيث يستجمون كانت حياة لمواطنين عرب وكانت حضارة. وكي لا يعرف أن مؤسسي هذه الدولة ارتكبوا مجازر عديدة كي يسيطروا على بلاد نظيفة من العرب.. يريدون الأرض بدون سكان. وكي لا يعرف أن العربي فنان وشاعر وأديب ورسام ونحات وممثل ومخترع ومزارع وعامل مهني... العربي إنسان.
أصارحكم بأنني أعيش قلقًا في هذه الأيام. لست قلقًا لأن ما تبقى من العمر قليل، وربما قليل جدًا، ولكنني قلق من انتشار العنف في مجتمعنا وازدياد حوادث الطرق وحوادث القتل وحوادث قتل النساء مما يسمى زورًا "على شرف العائلة" كما أنني قلق جدا من ازدياد العنصرية والكراهية في المجتمع اليهودي. يقلقني مستقبل أحفادنا.
عشت ثلاث خيبات لم تسلبني تفاؤلي. كانت الخيبة الأولى فشل المشروع القومي العربي الذي قاده القوميون العرب في مصر وسورية والعراق وفلسطين. أحببت هذا المشروع وكنت متأكدًا من نجاحه وانتصاره، ونظرت باحترام وتقدير إلى قادته ومفكريه إلا أن حرب حزيران 1967 ونتائجها المرة والقاسية ووفاة الرئيس جمال عبد الناصر في العام 1970 وَأَدَ هذا الحلم الجميل. وعقدت الآمال، فكرًا وعملا ونشاطًا وكتابة، على الاشتراكية والعالم الاشتراكي. 
لم اعتقد يومًا أن الاتحاد السوفييتي هو جنة الله على الأرض ولكني حلمت بانتصار الاشتراكية والقضاء على الفقر والجوع والتخلف والعنصرية والاحتلال. وتهاوى العالم الاشتراكي تاركًا الشيوعيين والاشتراكيين يتامى مصدومين. 
لم أشعر باليُتم ولكني شعرت بالصدمة. هكذا بسرعة تتهاوى الدولة العظمى؟
وأما الخيبة الثالثة فهي موجعة جدًا. فما جرى للمشروع الوطني الفلسطيني، في السنوات الأخيرة لم يتخيله عقل إنسان فلسطيني. هذا الانقسام الذي قادته حركة "حماس" في قطاع غزة كان الهدية الكبرى للاحتلال الإسرائيلي وللحركة الصهيونية. وهذا قلقي الأكبر ووجعي الأكبر.
وعلى الرغم من ذلك فالعالم ليس أسود، والحياة ليست غبراء. مازال هناك صباح جميل وأزهار بيضاء وحمراء، وعصافير تغرد في الحديقة، وعبير البرتقال وشذى الزعتر، وابتسامة الحفيد الصغير، ورائحة الخبز البلدي المتضوعة من الفرن.
وما يزال هناك مناضلون وثوريون في الميادين، وفلاحون يزرعون الأرض ويغرسون فسائل الزيتون والبرتقال، وما يزال هناك مطر وندى، وما نزال نحب الحياة إن استطعنا إليها سبيلا، بل نستطيع إليها سبيلًا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات