عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Mar-2017

دوامة الموت في تركيا

الغد-أندرو واشتيل
 
بشكيك- سلسلة الهجمات الإرهابية التي ضربت تركيا خلال العام الماضي ستُدخل البلاد -التي كان ينظر إليها على أنها نموذج علماني ديمقراطي في الشرق الأوسط- في دوامة الموت في اللحظة نفسها التي يستعد فيها شعبها للتصويت على الدستور الجديد الشهر المقبل. وأخذت السياحة -التي كانت تشكل أكثر من 10 % من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا- تنخفض، والاستثمار الأجنبي المباشر يتباطأ بشكل ملحوظ. هذه النتائج ستعزز بعضها بعضا، وسوف ينتج عنها حلقة مفرغة سيكون من الصعب اٍيقافها.
وتتهم وسائل الإعلام الحكومية التركية وشرائح كبيرة من السكان اليد الشائنة للغرب في تفكك البلاد. وكثيراً ما يلوم المراقبون تركيا لعدم قدرتها على التوفيق بين الإسلام التقليدي والاتجاهات الغربية الحداثية، فضلاً عن الأحداث الخارجية، مثل الصراع في سورية. لكن قرارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ساهمت أيضاً في إضعاف تركيا أمام الإرهاب.
أول قرار خاطئ اتخذه أردوغان، بدافع من رغبته في انهيار نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كان السماح للمقاتلين، بمن في ذلك مجندو "داعش"، بعبور حدود جنوب تركيا إلى سورية بحرية نسبيا. لكنه فشل في التنبؤ بالخطر الذي يشكله هؤلاء المقاتلون على أمن تركيا نفسها، خاصة مع انضمام الكثيرين منهم إلى الجماعات الإسلامية المعادية لتركيا ولنظام للأسد.
يتمثل القرار المصيري الثاني لأردوغان في إعادة إعلان الحرب الأهلية مرة أخرى على السكان الأكراد في تركيا. وفي السنوات الأولى من رئاسته، تواصل أردوغان مع الأكراد ونجح في وقف الأعمال العدائية الفعلية.
ولكن في حزيران (يونيو) 2015، خسر حزب العدالة والتنمية التابع لأردوغان أغلبيته البرلمانية، مما دفع الرئيس إلى استئناف الأعمال العدائية المفتوحة مع متمردي حزب العمال الكردستاني. وسمحت مناورة أردوغان لحزب العدالة والتنمية باستعادة الأغلبية البرلمانية في انتخابات مبكرة أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر)، وإنما على حساب إعادة فتح صندوق باندورا الحرب الأهلية.
وعلى الرغم من هذين القرارين، ربما كان بإمكان قوات الأمن التركية مواصلة حماية البلاد من الإرهاب الإسلامي والكردي. لكن قراراً ثالثاً استبعد ذلك: اختار أردوغان الانفصال عن فتح الله غولن، رجل الدين المغترب الذي كان أتباعه -ما يسمى بحركة حيزميت- لسنوات عديدة من بين أوثق حلفاء أردوغان المهمين.
على مدار ما يقرب من ست سنوات، ساعد الغولنيون أردوغان في الإطاحة بكوادر الجيش والشرطة (من بين العديد من موظفي القطاع العام الآخرين) الذين كانوا مخلصين للمثل العلمانية والقومية التركية، بدلاً من وفائهم لإسلاميته اللينة. ولكن في العام 2013، عندما شك رجب طيب أردوغان بأن الغولنيين يتآمرون ضده، بدأ ينقلب ضدهم.
ودفعت محاولة الانقلاب قصيرة الأمد في تموز (يوليو) الماضي أردوغان إلى الانتقام بتنظيم عملية تطهير واسعة النطاق في أوساط الجيش والأمن. وبما أنه من المنطقي أن تحاكم الحكومة أولئك الذين حاولوا إسقاطها، فقد أخذ أردوغان الأمور إلى حد أبعد بكثير، من خلال تعقب أي شخص لديه أدنى علاقة محتملة مع غولن. وبهذا النهج، تم إضعاف قدرة الشرطة والجيش التركيين بشدة.
وكان ذلك آخر شيء تحتاجه تركيا، حيث اشتدت تهديدات الجماعات الإسلامية والكردية. وربما كان ينبغي تذكير أردوغان بإزالة جوزيف ستالين لضباط في الجيش الأحمر في أواخر العام 1930، الأمر الذي ترك الاتحاد السوفياتي أعزل تقريباً، وفتح الطريق أمام أدولف هتلر لمهاجمته في العام 1941.
أصبحت تركيا الآن بالكامل تحت السيطرة السياسية لفرد واحد -وغير قادرة على التعامل مع الأزمات المتعددة التي تواجهها. وحتى في أفضل الأحوال، ستعاني تركيا من وهن شديد، حيث لم تعد قادرة على الحفاظ على الدور القيادي الإقليمي الذي لعبته لمدة قرن تقريبا. وفي أسوأ الحالات، سوف ينهار الاقتصاد التركي، مع إرسال أعداد كبيرة من اللاجئين -بما في ذلك السوريين وغيرهم الموجودين حالياً في تركيا، وكذلك الأتراك أنفسهم- إلى أوروبا الغربية.
لا يشعر الجميع بالأسى بسبب سوء حظ تركيا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيد جداً بهذا التحول. والنسبة لبوتين، تكون البلدان الأكثر خطورة هي الديمقراطيات الناجحة المتحالفة مع الغرب. وقد اعتادت تركيا أن تكون على وجه التحديد بلداً ديمقراطياً مزدهراً بشكل معقول وعضواً منذ فترة طويلة في منظمة حلف شمال الأطلسي، والذي يعمل بسرعة على تعميق علاقاته مع الغرب.
الآن، أصبحت تركيا تتميز بالحكم الفردي وباقتصاد ضعيف، وتعاني من الإرهاب وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، والأقل من ذلك بكثير هي عدم قدرتها على مساعدة سلطة مشروع حلف شمال الأطلسي. وبالنسبة لبوتين، يكون هذا حلماً قد تحقق. (كما أنه خبر سار أيضاً بالنسبة لحليف روسيا، أي إيران، التي لا يمكنها إلا الترحيب بزعزعة استقرار منافسها السني وغير العربي الرئيسي في المنطقة). وإذا ولدت دوامة الإرهاب في تركيا موجة جديدة من اللاجئين النازحين نحو أوروبا، فإن ذلك سيزيد من زعزعة الاستقرار في الاتحاد الأوروبي، وذلك أفضل بالنسبة للدولتين.
لكن هذا لا يعني أن بوتين قد خطط لسقوط تركيا. لم يكن عليه فعل ذلك. فقد وقع قادة مثل أردوغان بسهولة في فخ الدكتاتورية الحديثة التي يمثلها بوتين، التي تعتمد على التضليل ومظاهر الديمقراطية لتعزيز شخصية الحاكم. وكل ما ينبغي أن يقوم به بوتين هو الإلهام، وربما إسداء بعض النصائح من وقت لآخر.
خارج تركيا، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب معجباً بالقدر نفسه بالريئس بوتين. وسوف نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة محمية بشكل أفضل من تركيا ضد تأثير نموذج بوتين الخبيث -باعتبار قوة أميركا الاقتصادية وعزلتها الجغرافية النسبية، ومؤسساتها القوية.
 
*رئيس الجامعة الأميركية لآسيا الوسطى.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات