عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jun-2017

قَطَر واستراتيجية "لننتظر ونرَ"

الغد-باراك بارفي
 
الدوحة - عندما أعلنت القوى العربية الخليجية في الخامس من حزيران (يونيو) أنها قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قَطَر على خلفية علاقاتها مع الإرهابيين، كانت الرسالة الموجهة إليها واضحة: فإما أن تجاري السياسات الإقليمية، أو أنها ستدفع الثمن. وبعد ما يقرب من الأسبوع، يبدو قطر ليست في عجلة من أمرها للامتثال. ومن الواضح أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية المشوشة والمرتبكة كانت السبب على وجه التحديد وراء دوام هذا الصدع.
من غير المرجح أن يغير وصم قطر باعتبارها دولة منبوذة إقليمياً الحسابات، وذلك لسببين. فبادئ ذي بدء، تتمتع قطر بقدر من الثراء أكبر من أن يتسنى معه حملها بسهولة على تنفيذ توجيهات آخرين وتعليماتها. وتُتَرجَم إمدادات قطر الوفيرة من الغاز الطبيعي إلى نصيب للفرد في الدخل هو من بين الأعلى في العالَم. وحتى في ظل الحظر التجاري وحظر السفر الذي فرضته المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، ومِصر، لن يعاني اقتصاد قطر بشكل كبير.
السبب الثاني الذي يجعل قطر قادرة على الانتظار إلى أن ينفد ما في جعبة جيرانها هو أهميتها الاستراتيجية في نظر الولايات المتحدة. فباستضافتها قاعدة العديد الجوية، التي تخدم كقاعدة عمليات أمامية تستخدمها أميركا في معركتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وازنت قطر بدهاء بين علاقاتها مع المتطرفين الإسلاميين وعلاقاتها القوية مع الولايات المتحدة.
وقد استفزت علاقات قطر مع الجماعات الجهادية الغضب الأميركي، ولكن الولايات المتحدة استفادت أيضاً من هذه العلاقات. فعلى سبيل المثال، تمكنت قطر من إقناع حركة طالبان بإطلاق سراح الجندي الأميركي بو برجدال في أيار (مايو) من العام 2014؛ وبعد ثلاثة أشهر من ذلك، ساعدت قطر في تأمين حرية بيتر ثاو كيرتس، الصحفي الأميركي الذي احتجزته جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سورية. وتعتقد قطر أن علاقاتها بجماعات مثل حماس وطالبان والقاعدة خففت من مواقف هذه الجماعات، الأمر الذي يجعلها أكثر تقبلاً للتفاوض.
بطبيعة الحال، يرى أكبر جيران قطر في الخليج الأمور من زاوية مختلفة؛ ولكن الدبلوماسية الأميركية تمكنت أثناء الخلافات السابقة، من الحفاظ على السلام. والآن، لم يعد هذا الدور وارداً. لن تُظهِر إدارة ترامب مثل هذه القدرة في ما يتصل بنزع فتيل التوترات الإقليمية. فبعد الانهيار الدبلوماسي، جَلَد ترامب قطر على "تويتر" بلا رحمة ولا شفقة، وبدا وكأنه يتبنى القرار السعودي -الإماراتي. وأدى ذلك إلى تعقيد الرواية الأميركية، الأمر الذي دفع البنتاغون ووزارة الخارجية إلى اعتماد نبرة أكثر حيادية، فامتدح المتحدث باسم وزارة الدفاع "التزام القطريين الدائم بالأمن الإقليمي"، في حين وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية العلاقات الأميركية القطرية بأنها "قوية" ثم أشاد بجهود قطر في كبح تمويل الإرهابيين.
رسمت قطر لنفسها صورة بوصفها جهة تحكيم إقليمية في النزاعات. ولكنها تبنت في أعقاب ثورات الربيع العربي في العام 2011 سياسة خارجية قائمة على التدخل في الخارج ومحاباة الإسلاميين، وهي الخطوة التي أثارت انزعاج مِصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
في الوقت نفسه، لم تكن العلاقات البحرينية القطرية جيدة من قبل قَط. فقد وقعت الخصومة بين البلدين حول جزر متنازع عليها في العام 1986. واليوم، يحتقر حكام البحرين السُنّة علاقات قطر الودية مع إيران، ويتهمون الجمهورية الإسلامية بإثارة الاضطرابات بين الأغلبية الشيعية من السكان في البحرين.
قادت هذه الدول الأربع الحملة المعادية لقطر بإغلاق حدودها ومجالاتها الجوية أمام طائرات قطر. كما قطعت العلاقات التجارية. وطالبت أغلب الدول العربية في الخليج مواطنيها بمغادرة قطر، حتى أن الإمارات العربية المتحدة اعتبرت نشر أي تعبير عن التعاطف مع قطر في وسائل الإعلام الاجتماعية ممارسة مخالفة للقانون.
على الرغم من أن قائمة الدول التي قطعت العلاقات لافتة للنظر لوحدتها، فإن قائمة الدول الممتنعة جديرة بالملاحظة بنفس القدر. فلم تستجب الكويت وسلطنة عمان للمقاطعة، على الرغم من كونهما عضوين في مجلس التعاون الخليجي (الذي يضم، بالإضافة إلى قطر، البحرين، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة). ولم تتمكن الكتلة المعادية لقطر من إقناع حتى أقرب حلفائها بالسير على خطاها.
وعلى نحو مماثل، في حين أعلن الأردن أنه يعتزم تخفيض العلاقات الدبلوماسية، فإنه لم يعرض سوى تفاصيل قليلة عن هذا التحرك. وما دامت قطر قادرة على الحفاظ على العلاقات مع الأردن والكويت، فمن المرجح أن تكون آثار الحملة الحالية ضدها محدودة.
في واقع الأمر، باءت المحاولات السابقة لعزل دول عربية أكثر ضعفاً جميعها بالفشل في نهاية المطاف. فبعد أن استولت إيران على بعض الأراضي العراقية في العام 1986، عمل نفس التحالف الذي يدين قطر اليوم على إقناع سورية بخفض علاقاتها مع إيران. واستخدمت المملكة العربية السعودية حزمة من الجزر والعصي، بما في ذلك الحلول محل إيران كمورد أساسي للنفط لسورية. ولكن، وعلى الرغم من أن سورية كانت تعاني من عجز شديد في ميزان المدفوعات، وسنوات عديدة من الجفاف، فضلاً عن تراجع المساعدات الخارجية، فقد رفضت التحالف السعودي.
يتعين على قطر أن تتعامل برفق مع إيران أيضاً، وذلك نظراً لملكيتها المشتركة لأكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، حقل غاز الشمال (أو حقل فارس الجنوبي) في الخليج الفارسي. وقد عرضت إيران توفير 40 % من إمدادات قطر الغذائية التي لم تعد  تتلقاها من المملكة العربية السعودية نتيجة للحصار. وعلى الرغم من أن خطر انجراف قطر بشكل كبير إلى فلك إيران يظل ضئيلاً، فإن أي دفء إضافي في العلاقات لا بد أن يزعج الإدارة الأميركية، خاصة وأن سياسة ترامب الرئيسية في الشرق الأوسط تتلخص في عزل إيران.
غير أن خواء الزعامة الأميركية فتح الباب أمام الدبلوماسية الإقليمية، مع محاولة الكويت القيام بدور الوسيط في الأزمة الحالية. ومن المحتمل أن تتفق الأطراف كافة على التراجع عن حافة الهاوية في مقابل تنازلات تجميلية. ولكن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن يظل هذا الصدع قائماً لعِدة أشهر، إن لم يكن لسنوات، فيزداد الشرق الأوسط بذلك تفككا -ويتأكد عجز "كبير المغردين" في أميركا.
 
*زميل بحث في "نيو أميركا"، حيث يتخصص في الشؤون العربية والإسلامية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات