عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Dec-2016

مطعم العمد ... في مدينة السلط يوثق جزءاً من تاريخ الاردن على مدار (89) عاما

 

درويش الكاشف
الراي - في ذاكرة الوطن اضاءة نستعيد فيها نبض الاباء والاجداد، وهي تبعث في ذكراهم في ارجاء هذا الوطن الغالي، فهم الذين يستحقون من الاجيال التقدير، ومن حقهم علينا ان نسذكرهم على ما قدموا واعطوا. ومن هؤلاء: ابراهيم العمد (1905-1978) صاحب اول مطعم ومشاركة مع احد اخوانه في مدينة السلط حيث يعود تاريخ افتتاحه في العام 1927م، واصبح هذا المطعم مكانا تراثيا ومعلما من معالم هذه المدينة العريقة، ومحطة لذكريات جميلة تروى ولا تنسى.
 
* موقع المطعم 
 
كان بمحاذاة البوابة الرئيسية لسوق الحمام وقبالة عيون الماء وكانت له شبابيك (نوافذ) تطل عليها وعلى مقربة من ساحة العين في وسط البلد او قاع المدينة، حيث كان قلب المدينة مركز الانشطة المختلفة فيها وملتقى اسواقها القديمة، وعلى مقربة ايضا من دار الحكومة (السراي) وهي التي كانت تضم مجمع الدوائر الحكومية: متصرفية اللواء والمحاكم النظامية والمالية وقسم الشرطة. والى جانبها دوائر اخرى وهي البلدية والجمارك ومراقبة السلوك والمحكمة الشرعية.
 
اهمية الموقع:
 
ونظرا لهذا الموقع فقد اكتسب المطعم اهمية خاصة وكانت اغلبية رواده من طلبة مدرسة السلط الذين كانوا يؤمون هذه المدينة لاستكمال دراستهم فيها واضافة الى اهالي السلط وجوارها وموظفي الحكومة والجند العاملين فيها. وكان بعض اهالي السلط يطلقون عليه (مطعم العَقْدَة) بسبب موقعه بمحاذاة البوابة الرئيسية لسوق الحمام – كما ذكرنا – والتي كانت على شكل (عَقْدَة) حجرية قوسية وسقفها على طريقة العقود المتقاطعة وهي ذات ابواب تفتح عند الفجر وتغلق عند الغروب.
 
وكان لها حراس ليلون وكانت على غرار بوايات المدن العريقة لبلاد الشام. ولقد هدمت هذه البوابة وجزء من مبنى المطعم في اواخر الاربعينيات من القرن الماضي لغايات التوسعة وتسهيل مرور المركبات. وكان المطعم قد تعرض الى حادث حريق وانتقل الفندق الذي كان يشغل الطابق الثاني للمطعم الى مبنى اخر بالقرب من دار الحكومة (السراي). وبعدها تحول المطعم الى محل للبقالة، وهو مستأجر حاليا من قبل احد ابناء جاسر عاشور.
 
وفي العام 1961م، قام ابراهيم العمد، بافتتاح مطعم اخر للمشاوي (لحم الكباب)، في الشارع التحتاني للبلدية القديمة مقابل مدرسة عقبة بن نافع سابقا، وما زال يعمل حتى اليوم بادارة احد ابنائه.
 
*العصر الذهبي للمدينة
 
لقد تزامن افتتاح مطعم العمد مع امتداد فترة ازدهار مدينة السلط الاقتصادي والمعماري في اواخر القرن التاسع عشر واوائل العشرين، حيث شكلت هذه المدينة مركز جذب سكاني – ومنذ العصور القديمة – وذلك خصوبة اراضيها وتوافر مياهها واعتدال الطقس فيها ولموقعها الاستراتيجي والذي يتوسط مناطق تاريخية وتجارية في بلاد الشام. واضافة الى ذلك كله تأسيس مدرسة السلط في العام 1923م، حيث لعبت هذه المدرسة دورا مهما جدا في تنشئة الاجيال الاردنية منذ الرعيل الاول بتخريج القيادات والذين اصبحوا فيما بعد مسؤولين ووزراء ورؤساء حكومات وظلوا يكنون لهذه المدينة الاحترام والمحبة. ولم يكن مطعم العمد مكاناً لتناول وجبة طعام فحسب، بل كان ايضا موئلاً خاصا لطلبة مدرسة السلط، وذلك للتعارف وتبادل الآراء، وكما كان مقهى (المغربي) ايضا ملتقى لكافة اطياف المدينة الثقافية والفكرية.
 
*الاكلات والوجبات المقدمة
 
اشتهر مطعم العمد بتقديم اكلات (وجبات) المشاوي (لحم الكباب) اضافة الى وجبات ساخنة اخرى من الارز والخضراوات المطبوخة باللحم مع رغيف الخبز وكان سعرها قرشين ونصف. اما اوقية الكباب مع رغيف الخبز فكانت بقرش ونصف حسب تسعيرة عام 1927م، وكان اغلبية الزبائن من الطلبة والدفع اخر الشهر، وقد يصل مجموع الحساب الى مئة قرش ولم تكن سعر اوقية الكباب تتأثر بالتسعيرة التي كانت تضعها البلدية بين وقت وآخر. وكان صحن الحمص او اللبن يقدم على شكل مقبلات. واما الخبز فكان يقدم طازجا وساخنا وهو مصنوع من دقيق القمح الصافي حيث كان يحضر مباشرة من المخابز (الافران) المجاورة للمطعم، وهي مخبز جميل خرفان ومخبز حسين الخليلي ومخبز عمر الرشيد ومخبز جميل وخليل العواد ومخبز عبدالفتاح وفتح الله الخشمان. اما المياه فكانت تنقل مباشرة من العين والتي تبعد بضع خطوات من المطعم. كما كان حمام جسر العين على مقربة من المطعم ايضا وكانت مياهه تتدفق بصورة دائمة لمن يرغب في الاستحمام دون مقابل وتميزت المياه بالبرودة صيفاً والدافئة شتاءً.
 
اما الاضاءة فكان يستخدم ما عرف بالكس أوضوء بنور نمرة ( 4) ,وكلاهما يعملان بمادة الكاز , واستمر ذلك الى حين وصول التيار الكهربائي الى المدينة في مطلع الخمسينات من القرن الماضي .
 
*مراقبة الاسواق وتحديد الاسعار
 
كانت بلدية السلط وبموجب قانونها وكغيرها من البلديات هي الجهة المسؤولة عن هذه المهمة وتوقيع العقوبات بحق المخالفين الى ان انتقلت هذه الصلاحيات الى الوزارة المختصة.
 
*الفندق الاول في مدينة السلط
 
في العام 1930 التحق بالمطعم راضي العمد - وهو احد اقرباء اصحاب المطعم - وكان بالاضافة الى عمله في المطعم يشرف على الفندق والذي كان في الطابق الثاني للمطعم ولم يكن في السلط الفندق غيره, وكان رواده من طلبة مدرسة السلط (مؤقتاً) ومن الموظفين الذين يعيدون في المدينة لحين ايجاد سكن لهم ومن الذين تنقطع بهم السبل, وكان الفندق يقدم ايضاً خدمن تأجير امتعة النوم للموقوفين رهن التحقيق في قسم الشرطة.
 
مطعم جميل الدرزي
 
وكان في ذات الفترة مطعم اخر في السلط لصاحبه جميل الدرزي وموقعه في القسم السفلي لسوق الحمام على مقربة من عين الزعطوطة. وكان هذا المطعم متخصصاً في تقديم اكلات معينة منها المحاشي بأنواعها وورق الدوالي وكان اغلبية رواده من الطلبة الاغنياء والذين كانوا يؤمنون مطعم العمد ايضاً. وفي القصيدة للشاعر حسني زيد الكيلاني يصف فيها هذا المطعم ويقول:
 
يا جميلاً قدم الكوسا لنا
 
واغترف ماء الوعاء الارجواني
 
ورق الكرم الذي لم انسه
 
وهو يلتف بأبهى طيلساني
 
وخيار السوق لولا حشوه
 
لم أهم فيه هيامي بالغواني
 
قد توارى الرز واللحم به
 
فشجاني فيها ما قد شجاني
 
ايها الطلاب هذا مطعم
 
هو ما تصبو اليه الشفتان
 
(ملحوظة: هذه الابيات من ذاكرة بدري الملقي من خريجي مدرسة السلط)
 
وكان في مدينة السلط مطاعم متخصصة بصنع وبيع (الحمص والمدمس), مثل مطعم سعيد باكير ومطعم سليمان العمد ومطعم يوسف النابلسي ومحال حلويات مثل الحارس والجنيني.
 
*حسن المعاملة وكرم الضيافة
 
كانت الدراسة في مدرسة السلط في تلك الفترة على نظام الفترتين صباحية ومسائية وبينهما (فرصة) لمدة ساعتين لتناول الغداء والعودة ثانية الى المدرسة. أما الطلبة الضيوف، فكانوا يقضون اوقات فراغهم خاصة ايام العطل والرحلات المدرسية، في التنزه بوادي السلط الجميل والاغوار الدافئة شتاء والاماكن الاخرى المجاورة للمدينة ولهم فيها اجمل الذكريات وكتبوا عنها الكثير في مذكراتهم، حيث كانوا يلقون حسن المعاملة والترحاب من اهالي السلط، وستبقى تلك الذكريات حاضرة في ذاكرتهم على مر السنين والايام، وهناك حكايات وقصص كثيرة عن تلك الايام الخوالي.
 
طرائف وقاذفة لهب
 
ما زال القائمون على مطعم العمد يحتفظون بـ»فواتير» للذين كانوا يؤمونه يوميا وخاصة الطلبة وكان كل منهم يسجل قيمة الدين بيده لكل وجبة طعام وكانوا مؤتمنون على ذلك باعتبار ان صاحب المطعم كان أمياً، ويروى ان احد هؤلاء الطلبة كان يسجل قيمة وجبة الطعام بأقل من المبلغ المطلوب، ودارت الايام واصبح هذا الطالب يعمل في احدى دول الخليج بوظيفة مرموقة، ومن اجل تبرئة ذمته لدى صاحب المطعم فقد ارسل له بالبريد المسجل تحويلا ماليا (شيكاً) بقيمة معينة وذلك تبرئة لذمته، وفي طرفة اخرى يرويها طالب آخر من رواد المطعم (وأصبح فيما بعد من كبار رجالات الدولة) انه نظرا لموقع المطعم في وسط البلد وتجمع الاسواق، فكان يكثر الذباب (حيث لا يوجد مبيدات حشرية) وكان احد العاملين في المطعم يملأ فمه بمادة البنزين ثم ينفخ به في ارجاء المطعم وبعد اشتعاله كأنه قاذفة لهب (حسب وصفه).
 
وبالاطلاع على بعض دفاتر الدين نجد مجموعة كبيرة من الاسماء لهؤلاء الطلبة وبخط ايديهم ونذكر منهم مع حفظ الالقاب:
 
عبدالسلام المجالي وعبدالكريم الغرايبة ومحمد نزال العرموطي وصلاح ابو زيد وخليل السالم وبدري الملقي وشفيق ارشيدات وبهجت التلهوني واحمد اللوزي ووصفي التل وخليف سحيمات ونعيم التل وهزاع المجالي وحمد الفرحان ونبيه الملقي وتوفيق الفارس النمري وجميل صالح العجلوني ومحمد سعيد طوقان ورشاد المفتي ومنير البلبيسي وغيرهم.
 
*اواني الطبخ وأدوات الطعام
 
لا بد من ذكر اواني الطبخ وادوات الطعام التي كانت تستخدم في فترة العشرينات وما قبلها وبعدها بعقود قليلة، فقد كانت الطناجر والقدور الكبيرة (الحلل) والصواني السدور والملاعق والاطباق المختلفة (الصحون والزبادي) مصنوعة من معدن النحاس المطلي بمادة القصدير وكان بعضها من الفخار او المعدن، المطلي بمادة التوتيا، ثم استبدلت بالاواني المصنوعة من الالمنيوم والقليل منها كان مصنوعا من الزجاج او القيشاني، وبعد ذلك تطورت هذه الاواني والادوات الى ما نراه اليوم.
 
وسائل الطبخ
 
ولا بد كذلك من التنويه الى وسائل الطبخ المختلفة في تلك الفترة ايضا، فقد كان الحطب المادة الاساسية في عملية الطبخ وتسخين الماء، واستخدم الفحم في شواء اللحم واغراض اخرى، ثم تدخل استخدام بابور الكاز (الكيروسين) في عهد الانتداب البريطاني والذي استخدم الى جانب الحطب لهذه الغاية. ثم استخدم طباخ الغاز في اوائل الستينيات وما زال يستخدم حتى اليوم.
 
ملحوظة:
 
البابور: لفظ تركي وهو موقد الكاز وله معان اخرى، واما البريموس: فهي كلمة انجليزية تعني الموقد المتنقل واطلقت ايضا على اسم الشركة السويدية الصانعة لهذا الجهاز وله انواع واحجام مختلفة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات