عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2018

عروض استعادية لأحد رواد السينما المستقلة: سامويل فولر مخرج متمرد على استديوهات هوليوود

 «القدس العربي» ـ سليم البيك: قد يكون المثير للاهتمام في الحديث عن المخرج الأمريكي سامويل فولر (1912 ـ 1997) هو تجربته الشخصية، ورؤيته للسينما وليس أفلامه ذاتها كأعمال فنية، فأهمية هذه الأفلام تأتي من رؤيته هو لما هي عليه السينما. فولر الذي اشتهر بصناعة أفلام بميزانيات منخفضة متقصداً ذلك، تعلق بمنتج «صغير»، مقارنة مع استديوهات هوليوود لأنه – المنتج- اهتم بالحكاية، وكان ينظر إلى الفيلم أولاً كحكاية وليس كمنتَج مدر للمال. يقول فولر في سيرته الذاتية بأن المنتِج (الذي كان معجَباً به ككاتب) كان يسأله «ما هي حكايتك المقبلة؟» وهذا ما جعل الكاتب والمخرج يتعلق به تاركاً استديوهات هوليوود جانباً.

 
فولر من خلال فولر
 
تبدأ هذه الأيام كل من سينماتيك تولوز والسينماتيك الفرنسية في باريس، وحتى أوائل فبراير/شباط، عروضاً استعادية لأفلام فولر، إضافة إلى الوثائقي الذي أخرجته ابنته، سامانتا فولر، المأخوذ نَصه من مذكرات فولر نفسه التي كتبها وعنونها بـ «وجهٌ ثالث، حكايتي في الكتابة والقتال والإخراج». في السيرة الذاتية/الفيلم الوثائقي، يحكي فولر عن سبب عزوفه عن شركات الإنتاج الضخمة في هوليوود قائلاً، إنه بإصراره على صناعة أفلام بميزانيات منخفضة يحفظ استقلاليته، ويبقى بعيداً عن تلك الشركات التي إن أدخلت مالها إلى المنتَج ستُدخل كذلك تغييرات في السيناريو والكاستينغ (اختيار الممثلين) والمونتاج (تقطيع المشاهد)، وهو ما يرفضه لأن الفيلم لن يكون حينها فيلمه بل فيلم شركة الإنتاج.
أمر آخر يثير الاهتمام في شخصية فولر كسينمائي هو المسار الذي أوصله إلى صناعة الأفلام، فهو أساساً صحافي وكاتب. كصحافي بدأ بالاختصاص بتغطية الجرائم والكتابة عنها، ثم قرر أن يغطي الجريمة الأكبر في عصرنا كما سماها، وهي الحرب العالمية الثانية، مصراً على أن ينزل مع الجنود (المشاة) ورافضاً أن تضعه قيادة الجيش الأمريكي خلف مكتب كباقي الصحافيين. وكان واعياً لفكرة أن العائد من الحرب – كما قال- يعود إما جثةً أو مصاباً أو فاقداً عقله. لكنه عاد أخيراً وبدأ بصناعة أفلامه بعدما كان مكتفياً بكتابة السيناريوهات والكتب التي عُرف بها قبل وأثناء تطوعه في الجيش.
 
من الكتابة إلى السينما
 
هذا المنشأ الحكائي لفولر الذي لا يفارق السيغار فمه، هو الذي جعله ينظر إلى السينما بأنها أساساً حكايات تُصور، وهنالك حادثة قد تشير إلى ذلك كتبها في مذكراته، وهي أنه حين ذهب في مهمة صحافية، وكان كاتباً مستقلاً ــ يكتب بالقطعة ــ وليس موظفاً، لتغطية إحدى الجرائم، كتب وصفاً لإحدى السيدات هناك، اقتطعه رئيس التحرير من المقالة فغضب فولر، قال رئيس تحريره بأن لا إثبات على ذلك، فرد الآخر غاضباً بأنه لا يحتاج لإثبات ما كتبه وأنه كتب ما رآه، فسأله الأول لمَ لم يصورها، فرد فولر بلغة لا تخلو من اللعنات، بأنه كاتب وليس مصوراً صحافياً. لكن لاحقاً – يقول- فكر بالأمر واقتنع بأن القارئ فعلاً سيصدق لو أنه رأى ما هو مكتوب، لينقل الجرائم لاحقاً إلى المتلقي في صور.
هذه المصداقية التي رغب فيها في نقل حكاياته، هي ما دفع فولر إلى السينما، من الكتابة إلى التصوير، إلى الصورة كناقل لحكايته، لكنها كذلك التي جعلت من السينما صوراً تنقل حكاية يريد نقلها، وليس صورةً تريد استديوهات هوليوود ترفيه المُشاهد بها، بحكايات لا تتخطى السطح، وبنهايات سعيدة يخرج بها المتفرجُ من الصالة راضياً. فصار سينمائياً، وصار سينمائياً مستقلاً.
 
السينما المستقلة كوقف
 
فولر شخصية استثنائية في السينما الأمريكية، هو الابن المتمرد على هذه السينما، وهو الذي لا يكف عن السخرية منها – من داخلها- وانتقادها ورفض شروطها، وهو من مؤسسي السينما المستقلة، فهو كاتب أفلامه ومخرجها ومنتج بعضها. وكي يحافظ على استقلاليته اختار أن تكون أفلامه بميزانيات منخفضة، واختار، متابعاً منشأه الحكائي/الكتابي، صناعة أفلام تُبنى على الحكاية وليس على ممثلين نجوم أو ديكورات هائلة، أو ما قد يضطره لقول ما يريد آخرون قوله في أفلامه هو، فكانت نصوص أفلامه، حكايات وحوارات بديعة. أمر أخير في سينما فولر نشير إليه هو الإنسانية في مضمونها، فهو من أوائل المخرجين الذي صوروا أمريكيين سودا في أدوار جيدة، تكون فيها ذكية وقوية، كما أنه أخرج عام 1982 فيلم «كلبٌ أبيض» الذي طرح فيه مسألة العنصرية بكل ما فيها من بشاعة، بشكل مباشر و«فج»، وهي قصة كلب شرس مُدرب على مهاجمة أصحاب البشرة السوداء، ما جعل الفيلم ممنوعاً من العرض لعشر سنين. فولر الذي لطالما انتقد الثقافة الأمريكية السائدة، لم يجد اهتماماً كافياً في أمريكا، فاستقبله مخرجو «الموجة الجديدة» الفرنسية باهتمام كبير، وقد أثرت سينماه فيهم، ما جعل جان لوك غودار يُظهره في فيلمه «احتقار»، في ظهور سريع (كاميو) يؤدي سامويل فولر فيه دور سامويل فولر.
لفولر (8/12/1912 ـ 30/10/1997) العديد من الأفلام بدأها عام 1949 بفيلم «قتلتُ جيس جايمس»، ثم «بيكأب أون ساوث ستريت» عام 1953، و«أربعون سلاحاً» عام 1957، و«شوك كوريدور» عام 1963، و«القبلة العارية» عام 1964. وتوقف في السبعينيات عن الإخراج ليأتي أخيراً بفيلم الحرب «ذا بيغ ريد وَن» عام 1980، و«كلب أبيض» عام 1982، ونال جوائز في مهرجانات من بينها فينيسيا ولوكارنو.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات