عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Oct-2018

الأدب النسوي: راهنية الكتابة وفاعلية التمثيل

 الدستور-د. نادية هناوي/ العراق

كانت فرجينيا وولف السبّاقة في التدليل على العلاقة بين النساء وكتابة الأدب وهي التي قاربت بين المرأة والرواية والمرآة، مؤكدة أن الرواية فن نسوي؛ لأن النساء هن أول من كتبنها، بيد أن النساء وعبر قرون من الزمن كن كالمرآة التي عكست صورة الرجل مضاعفة عن حجمها الطبيعي فظلت أمجادهن في طي الغيب، وهذا ما استغلته الذكورية وحرصت على إظهاره دوما كي تثبت دونية النساء. وقد مثّلت فرجينيا وولف في كتابها (غرفة تخص المرء وحده)على الفحولية بنابليون وموسوليني وكيف أنهما أدركا أن لا تميز ولا كبر لو لم تكن النساء أدنى وأقل.
وكان نيتشه وهو من الفلاسفة ما بعد الحداثيين، قد وقف عند قضية تبعية المرأة واجدا في كتابه (أصل الاخلاق وفصلها) أن غريزة الأم لدى المرأة هي التي أبقتها دائما في وضع التابع، وهو الذي وقف في صف المهمشين، نابذا المركزية كونها تتيح (للأكثرية الساحقة من بني الموتى والمستضعفين والمقهورين من كل نوع أن يخدعوا أنفسهم تلك الخدعة العظمى التي تقوم على اعتبار الضعف نفسه حرية وتنظر إلى هذه الحالة الحتمية أو تلك بوصفها أمرا جديرا بالثناء).
وعلى الرغم من رفضه لمسألة مساواة الحقوق بين الجنسين، التي عدَّها مرضا إلا إنه ناصر النزعة الانثوية، وآمن أن أوصافا مثل المرأة الراقية والنمط المثالي وتحرر المرأة كلها تحطُّ من منزلة المرأة معتبرا المتحررات مجرد فوضويات في عالم الانثى الخالدة ـ بحسب وصفه ـ ولم يسمح للمرأة أن تتخلى عن النزعة الانثوية، من منطلق أن المرأة إذا كانت لها فضائل ذكورية فيجب تجنبها، مشيرا في كتابه (مولد التراجيديا) إلى أن (الفحولة أصبحت واعية بذاتها أي أن الرجال الآن يكتبون بالجزء الرجولي فقط من أذهانهم).
ومن الطروحات الغربية الليبرالية المتحررة التي تتعلق بأهمية التوجيه الفكري الثقافي والايديولوجي للمجتمع بعيدا عن مفاهيم السيطرة والقوة والتغليب، ما قدَّمه المفكر الايطالي انطونيو غرامشي في تبنيه لمفهومي المجتمع المدني والهيمنة؛ مفرّقا بين مفهوم السيطرة بمعنى القصر عن طريق القوة أو التهديد بالقوة، ومفهوم الهيمنة بمعنى الاستبطان من قبل فئة اجتماعية للمعايير المنتجة من قبل فئة اجتماعية أخرى.وبهذه التصورات الفكرية والفلسفية وغيرها تتأكد فكرة أن هذا الوضع الذي فيه المرأة مجرد موضوع أثير للعشق والاغواء والاغراء ـ وهو ما إعتادت أدبيات النقد الذكوري ترويجه ـلن يدوم مع ظهور الأدب النسوي.
على الرغم من أن علاقة الانثى بمركز العالم والبعد المقدس للوجود أمر تقره الأديان؛ إلا إن الاقرار بمركزية الانثى ما زال مجرد طروحات نظرية لم تجد لها موطئ قدم على أرض الواقع.بعبارة اوضح فإن الميثولوجيا ليست هي وحدها التي تثبت أن المرأة مقدسة بقداسة الأرض التي هي معادلها الموضوعي في الولادة والامومة وأن منها يتوالد ابناؤها.. وهي التي تحتضنهم عند موتهم؛ بل الكشوفات العلمية تثبت ذلك أيضا، ومع ذلك لا يستطيع التوكيد العلمي ولا التفسير الميثولوجي والديني زحزحة النظرة الأبوية، التي تتساءل دوما: هل بيد المرأة أن تمارس الكتابة الادبية وتظل مع هذا محتفظة بأنثويتها؟ وهل أمام الصوت المؤنث مجال يوازي مجالالصوت المذكر؟ 
هكذا يُغيَّب التمثيل الانثوي كفكرة وتاريخ، ويتم التعامل معه من منظور دوني، والبغية هي تفتيت مركزية المرأة وعدم الاعتراف بحقيقيتها من خلال تكريس دعوى زيف تطلعاتها وأحقية الآخر في إحلال نفسه محلها ثقافيا وأدبيا ولغويا.
وهنا نتساءل: أيختلف تمثيل الشخصية المؤنثة في الأدب عند الكاتب عنه عند الكاتبة؟ أم أن هذا التمثيل يقتصر عندهما على إظهار الابعاد الجنسية الاغوائية وإعلاء المناحي الاغرائية لتغدو هذه الشخصية سلبية خانعة ونمطية مقموعة أو سليطة مشاكسة وشريرة معاقبة؟ وهل من الممكن أن يتحالف الآخر مع المرأة في سبيل توكيد مثاليتها أو واقعيتها؟ وهل اللغة/ الكتابة هي السبيل الوحيد أمامها لتمثيل أنثويتها كمركز وجندر فيه جسدها غاية مقتحمة وليست وسيلة مقحمة؟ وما سُبل تمثيل الانثوية في الرواية النسوية أ هي بنيات ذهنية أم أنساق تفسيرية أم ملامح استقصائية، يتم عبرها تحديد استراتيجية الممثل في صوره وأشكاله ومضامينه ومعالجاته؟ هل تقتربالتمثيلات كتصورات تجريدية من وجهات النظر الفلسفية وتحركاتها الداكتيكية، التي تمنح الناقد تفسيرات أو تأويلات للظواهر الملموسة؟ كيف يكون التمثيل انعكاسا سرديا مرآويا لواقع معيش فيه الأنثوية مضادة للذكورية عاملة عكسها أو متطامنة معها لكنها غير متفانية في سبيلها؟  
قد لا نكون مجافين للحقيقة، إذا ما تصورنا أن ليس من سبيل إلى ذلك كله، إلا بالكتابة كإرادة تعمل على إنزال الفكر منزل العاطفة وكاستراتيجية ما بعد كولونيالية تفرض سطوتها على الآخر، لتجعله منتميا إلى القضية النسوية، مؤمنا بأحقيتها في ثورتها على الزيف وحربها من أجل الحقيقة وانتفاضها على دكتاتورية الأبوية التي أستلبت الانثوية وأستبدت بها واستغلتها وكرست الذكورية وناصرتها، بدءا من افلاطون ومرورا بابن السكيت والفراء وابن جني وفرويد وطروحاته المماحكة لبعض التفسيرات الدينية عن نقص المرأة وعقدة الاخصاء والخطيئة وأن المرأة ضلع متفرع من الرجل، ووصولا الى كارل يونغونظريته عن الاينموس وأن في الانوثة ذكورة ..وأن ازدواجية الانسان هي التي تعزز تتويج الذكورة متعالية على الانوثة.
وسرديا تمتلك الأديبة العربية منظورها النسوي الخاص، متى ما استطاعت أن تؤدي الدور الذي كانت المرأة في تاريخ الحكي الشفوي، قد مارسته مؤكدة أسبقيتها ساردة وحكاء، كما هي أسبقيتها كيانا وصيرورة. وإذا آمنا أن الفن انعكاس للحياة، فسيترتب على السرد النسويأن تكون الشخصية النسوية عاكسة لصورة المرأة الفاعلة التي تقتحم الحياة بجرأة وثبات، والواعية التي تبغي إنجاز مشروع ابداعي نسوي يعطي قيمة للمرأة كي تضارع الرجل، متغلبة على عصور سحيقة من الاستبداد والدونية.
ليس هذا فحسب، بل قد يعمم هذا المشروع النسوي على الآخر فيغادر اعتداده باتجاه الانبهار لنجده يمارس الادب النسوي بحذق عال وتبرير ثقافي خلاصته إنه إذا كانت النساء شواعرَ وكاتباتٍ قد مارسن الكتابة الذكورية دهورا طويلة؛ فإن من الجائز على الرجال شعراءً وكتاباً إنتاج كتابات توصف بأنها نسوية وهو ما اضطلع بأدائه مبدعون متحررون من تزمت الأبوية غير آبهين للانقلاب على المنظومة الفحولية.
وعلى الرغم من أن التطلع النسوي للمضاهاة واقعي وحقيقي، وأنه يشكل ظاهرة بادية للعيان؛ إلا إنه ليس عاما، إلا إذا أصرت الكاتبة على صياغة صوتها بتمثيلات أدبية، ذات صور ونماذج أنثوية تعكس ثقافة انفتاحية لا تؤمن بالحدود المرسومة ولا تتحدد بالمعايير التي تحدها أو تقمعها؛ بل تسير في إطار تحاوري تفاعلي ذي نزوع تجريبي أصيل للتفرد والمركزة. ولقد حاولت بعض الروائيات العربيات التبرم إبداعيا من مواضعات السردية الفحولية، محاولات أن يغامرن بثقة وقوة، صانعات سردياتهن الجمالية التي توسم بأنها نسوية، مؤشرات على نضج تجاربهن وعلو كعبهن في عالم الابداع ولاسيما عالم الرواية.
اجمالا فإن الراهن السردي ما بعد الحداثي في عالمنا العربي، يشهد شيوع ظاهرة الادب النسوي ليبدو أوضح أثرا وأوسع امتدادا، لكنه يظل مرهونا بمقدار حضور الأنثى كقيمة إبداعية في البناء السردي.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات