عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

أنت طالق ولو في المرّيخ

 القدس العربي-توفيق قريرة

أقدم العقود كانت تبرم بالكلمة شِفاها من غير تحبير ورق ومن غير شاهدي عدل. كان يكفي أن يقول البائع للشّاري بِعْتُ ويقول الشاري اشتريتُ حتّى تتمّ صفقات البيع البسيطة أو المعقّدة . وما تزال العقود الشفهية سارية المفعول في كثير من المناطق وخصوصا الريفية منها في المجتمع الذي تكون فيه الكلمة أكبر ميثاق وفي المجتمع الذي يقول إنّ من أعطى كلمته كمن أعطى رقبته فإنّ الكلمة في الاتفاقات والبيوع وغيرها من المعاملات هي الفيصل حتّى وإن غاب الشهود.
العبارات اللغويّة التي لها مفعول العقود سمّاها القدامى «الإنشاء الإيقاعي» وقصدوا بها ضربا من الكلام الخبريّ الذي له مفعول الإنشاء لأنّه يبرم العقود. كان علينا أن ننتظر «أوستين» حتّى يكون لمثل هذه العبارات التي لها ثوب الخبر وروح الإنشاء شأن في قلب الرؤية البلاغية الثنائيّة المنقسمة إلى خبر وإنشاء إلى رؤية أوسع تدخل ضمن ما يسمّى بالإنجازيّات ومنها هذا الضرب من الأقوال التي لها نافذية رغم كونها أخبارا، من نوع «فتحت الجلسة» أو «رفعت الجلسة» ولهما مفعول الشروع في التقاضي أو إنهائه. لم تعد لثنائيّة الصدق والكذب أو قيمة الحقيقة دورها الحاسم بمفهومها القديم والذي ما زاده البلاغيّون إلا تآكلا. تحدّث فيلسوف اللغة أوستين عمّا سمّاه الصيغ الإنجازية الصريحة وهي الصيغ التي لا تستعمل أسلوب الأمر من نو ع (اُخرج) بل تستعمل صيغا تعبّر صراحة عن إنجاز الأمر من نوع (آمرك أن تخرج) بدلا من (أخرج). ويعتقد أوستين أنّه من المحتمل أن تكون هذه الصيغ الإنجازيّة الصريحة متطوّرة في سياق تطوّر اللغة وهي تساير أشكالا أكثر تعقيدا في المجتمع؛ ويرى أنّه كلّما كان شكل المجتمع أكثر تعقيدا، وجب التمييز بين الأشكال المختلفة للأفعال الشرعيّة أو القانونية؛ وهنا يتطلب الأمر اختراع صيغ أداء صريحة. لهذه الفكرة أهميّة قصوى، فصيغ القول هي صيغ متطوّرة حسب متطلبات الواقع ونحن نفترض أنّ أخبارا من نوع الإنشاء الإيقاعي لم تكتسب دورها الإيقاعي إلاّ لحاجة اجتماعيّة تشريعيّة أو قانونيّة. 
ما يعنينا ههنا أن نسأل لمَ صار لصيغة إنجازيّة من نوع (أنتِ طالقٌ) قيمة كبرى نفسيّة واجتماعية هل أنّ المجتمع تطوّر حتى ينقل هذه العبارة من صبغتها الإخبارية البسيطة إلى صبغتها الإيقاعية؟
نظريّا يمكن لأيّ كلام إخباريّ أن يكون إنشاء إيقاعيّا. ليس هذا صحيحا في إبرام العقود وحسب بل أيضا في أيّ تعامل بشري يمكن أن يكون له طابع الإبرام والنّقض. ينشأ الإبرام والنّقض في المعاملات المقنّنة . يبدو أنّ أقدم مؤسسات الإبرام والنقض التي استعملت الإنشاء الإيقاعي هي مؤسّسات الملكيّة التي تتنوّع أشكال تحقّقها الشرعيّ من بيع وشراء وتوريث وحتى زواج. نعم صار الزواج في بعض الثقافات نوعا من ملكية روحية وجسدية في نطاق أنشطة بيولوجية واجتماعية موروثة. هل يعقل أن يكون عقد الزواج الشفهي المنجز بالإنشاء الإيقاعي عقدا يبرم ملكيّة كعقود البيع والشراء والتوريث ؟ لا شكّ أنّ شيئا من ذلك موجود فالمال الذي يعقد عليه البيع في الشراءات الأخرى موجود فيما يسمّى بالمهر الذي يقدّمه الزوج. قد تكون أجيال كثيرة تزوّجت بلا عقود مكتوبة تزوجت بميثاق الكلمة والأكيد أنّها طلّقت بكلمة «أنت طالق». حين يقول شخص ما في المجتمع القديم القائم فيه الزواج على عقد الكلمة: تزوّجتك وحين تقول المرأة للرجل زوجتك نفسي، فلا شكّ أنّ الميثاق سيكون غليظا لأنّ العقد المبرم في الزواج هو طلب جماعي للدخول في مؤسّسة تشرعها الجماعة ولكنّ هذا العقد سيفضّ بقرار فرديّ لهذا يمكن القول إنّ الزواج ووفق أطراف العقد بالكلمة هو عقد جماعي والطلاق وفق طرف فرديّ هو فضّ فرديّ لذلك العقد. وهذا هو التناقض الصارخ ولا سيّما في الثقاقة التي جعلته بيد الرجل يعلنه متى عنّ له ذلك. في عصر استبداد الرجل بفضّ العقد لم يعد الطلاق شرفا للمرأة كما يقول الكاتب المسرحي الفرنسي أدريان دي كورسيل ولن يكون شرفا لها حتّى وإن طلبته؛ إنّ جملة أنت طالق مرتهن تحقّقها بنطق رجالي لها.
« أنت طالق « عبارة عربية ذائعة الصيت وفكّ شفوي لعقد يكرّس تاريخا كاملا من الاستبداد العجيب بقرار فكّ الارتباط أو التفريط في الملكيّة بلا رجوع. أنت طالق حلّت محلّها قرارات المحاكم الشرعيّة في الطلاق وفيها يُسمع إلى الطرفين قبل أن تبتّ في حقيقة فكّ العقد بالوسائل الشفويّة إلى الوسائل المكتوبة. 
علينا أن نقارن بين «أنت طالق» و«حكمت المحكمة بالطلاق» في ضوء حديث أوستين عن تطوّر في الإنجازيّات لضرورات تشريعيّة.ينبغي أن يكون فكّ العقد الشفوي بأنت طالق بكلام مناقض مضمونا لعقد الزواج. سنفترض أنّ الزواج يتمّ بحوار: هل تقبلين بي زوجا ؟ فتجيب المرأة أو من ينوب عنها بكلام يفيد القبول: قبلت بك زوجا (لابنتي). صيغة العقد ليست العبارة الأخيرة بل السّؤال والجواب معا. ومهما كانت الصيغة فإنّ العقد الشّفوي هو عقد تفاوضيّ متعدّد الأطراف ولو صدّقنا أنّ الرجل يسأل فعلا عند الزواج هذا السؤال، فإنّه يكون في وضعيّة تعاقد ينبني على الطّلب المفضي إلى الموافقة أو الرّفض. وهذه الوضعيّة التّعاقديّة هي وضعيّة تعاقد طرازي لأيّ نقل للملكيّة من طرف إلى آخر تصاغ بطريقة السؤال: هل تبيعني ؟ وبطريقة الجواب :نعم أبيعك. في فكّ التعاقد يصبح أحد الطرفين هو المسؤول الوحيد عن ذلك العمل فمن أين اكتسب سلطة فكّ الارتباط؟ لا شكّ أنّ المجتمع هو من مكّنه من ذلك. فكّ عقد الزواج بـ «أنت طالق» يمكن أن يكرّر مرات ثلاثا؛ وقد يقرأ تكرير الطلاق في المرتين الأوليين بأنّه استدراك لفعل فكّ الارتباط؛ ولكن يمكن أن يقرأ أيضا بأنّه استئناف لممارسة سلطة فكّ العقد من طرف واحد وأنّ أنت طالق الأولى ليست في درجة خطورتها كانت طالق الثانية وأنّ للثالثة وقعا مزلزلا في مؤسّسة تبيح الطلاق ونجعله أبغض الحلال. في الثقافة المكتوبة موازنة بين عقد مكتوب يبرم عند الزواج فيه طرفان ونقض له فيه طرفان أيضا. صحيح أنّ من يبرم عقد الزواج هو مختلف من جهة النّفاذ القانوني مّمن يحكم بالطّلاق؛ صار للطلاق سطوة وهيبة أكثر ممّا للزواج الذي حافظ على تقليديّته و بساطته. لعقد الزواج شهود ولكن ليس للطلاق شهود يحضر الشّهود لتقوية عقديّة الارتباط ولكنهم يغيبون عند فكّه فالجماعة لا تهدم. 
لم يكن للإنشاء الإيقاعي الذي يفكّ الارتباط تلك القوة الجبارة التي تجعل الرجل يطلق بسلطة مطلقة هي التي عبّر عنها بعض الرجال إذ كان مع زوجته في انسجام حين تساءلت المرأة المهوسة بالطلاق : هل سيأتي يوم تطلقني فيه ؛ فأجاب: ربّما أفعل فقالت سأفرّ قبل أن تفعل؛ قال: أنت طالق ولو في المرّيخ: هل نطق الرجل بالطلاق؟ وحدها نيّة المتكلم هي الحكَم والنيّة لا يعلمها إلاّ الله والمتكلم.
 
٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات