عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Dec-2017

المنسي في الغناء العربي عدنان قريش ..موسيقار أسس للاغنية الشعبية السورية

 

الراي - من طبيعة الانسان، نسيان اغلب ما يمر على حياته من مثيرات، ربما كانت تدغدغ مشاعره وابداعاته او شكلت شخصيته العاطفية او الانسانية والحضارية.
 
..والغناء العربى الحديث والقديم، تكون من استعراض وأداء ألحان مختلفة ومقامات موسيقية تنوعت عبر شخصيات الغناء العربي ورموزه في مجالات الغناء والتلحين والتوزيع والموشحات ومختلف الاشكال الموسيقية الشرقية والعربية الاسلامية.
ان البحث في المنسي من تراث الاغنية العربية ، هو نبش في القوالب الغنائية القديمة، التي باتت مع جهود مبدعيها منسية الى حد ما.
 
الباحث والكاتب «زياد عساف» ظل يقلب ما نسي من الرموز والاغاني والحكايات وخص «ابواب - الرأي» بثمرات جهوده التي ننشرها منجمة كل ثلاثاء في هذا المكان من الملحق حيث سيتم طباعته على اجزاء في القاهرة.
 
لقد ارتقى الغناء العربي مع ظهور الحركة القومية العربية فى مواجهة الثقافة التركية السائدة على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب وعبده الحامولى ومحمد عثمان، وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وطروب وفيروز وام كلثوم، كما لحن وابدع جماليات حياتنا وفنوننا امثال: سلامة حجازى ابراهيم القبانى، وداود حسنى، وأبو العلا محمد، وسيد الصفتي، محمدالقصبجى، وسيد درويش، وزكريا أحمد، ومحمود صبح، ومحمد عبد الوهاب، ورياض البندك، وجميل العاص، ومحمد القبنجي وغيرهم كثر.
 
بون شاسع يفصل مابين أغلبية فناني الأمس و اليوم وفيما يتعلق بمواقفهم تجاه القضايا العامة التي تمس أوطانهم ، وبمجرد الإستماع لأراء غالبيتهم الان على الفضائيات ، يشعر المشاهد والمستمع بخيبة أمل تجاه هذا الفنان أو ذاك ،ويجد نفسه لاشعورياً يستعيد مواقف للعديد من فناني زمان والتي كانت أكثر و عياً والتزاماً ، ومن هذه النماذج المشرقة تلك الخطوة التي قام بها الفنان السوري الذي لم يتردد بالإستقالة من عمله في سلك الشرطة بعد احتدام مواجهة ابناء بلده للمستعمر الفرنسي اوائل الأربعينات ، اعتبر حينها بقاءه في هذا العمل انتقاصاً لكرامته وحسه الوطني تجاه اهل بلده ، وكان قراره النهائي بالتفرغ للموسيقى والغناء حتى غدا من أهم الفنانين في سوريا وقدم العديد من الألحان لنجوم الغناء السوريين والعرب ، كان مقابل ذلك تنازلات عديدة ليس لخسارته فرص العمل و حسب وانما تنازله عن اسمه الأصلي « خير الدين عدنان الداغستاني « حفظاً لماء وجه الأهل من معايرة الناس لهم بإبنهم الفنان ، إلا أنه لم يكن فناناً عادياً ، إنما هو « عدنان قريش « أحد أهم أعلام الموسيقى في سوريا بفترة الثلاثينات وما بعد .
 
حي المهاجرين
في حي المهاجرين الدمشقي العريق ولد عدنان قريش عام 1911، تقلبات عديدة عاشها في السنوات الأولى من حياته سببها حالة الصراع الدائم مابين الدراسة والعمل من جهة ، وشغفه بالموسيقى والغناء ورفض الأهل لذلك من جهة أخرى، ما اضطره وكما يذكر الباحث صميم الشريف الى ان يمارس هوايته سراً ،وبدأ يتعلم العزف على العود مع زملاء له يشاركونه نفس الهواية وهو لا زال في المرحلة الإبتدائية ، وبعد انتهائه من هذه المرحلة ، لم يكن أمامه سوى اتمام دراسته في مدرسة عنبر التي تبعد كثيراً عن بيته في حي المهاجرين مما سيحول دون توفر الوقت لتعلم الموسيقى ، قرر بعد ذلك الخروج عن رغبة الأهل في متابعة الدراسة والإلتحاق بالعمل الذي سيمكنه و حسب تصوره من الحصول على دخل شهري يساعده في دراسة الموسيقى ، في أواخر عشرينات القرن الماضي التحق في معمل “ القدم “ للقطارات التابع لمؤسسة الخط الحجازي وبدأ كعامل خراطة في هذا المشغل ،الا انه أدرك وبعد سنتين ان هذا العمل الذي يحتاج لطيلة اليوم يستنزف كل وقته وبالتالي سيحرمه من هوايته الأثيرة ، في عام 1932 عاد للدراسة في معهد “ اللاييك “ والذي اصبح “ اسمه معهد “الحرية “ فيما بعد ، وبعد مضي سنة واحدة ، أخذ يفكر بعمل يمكنه من تأمين التزاماته و متابعة هوايته للموسيقى في الوقت نفسه ، فلم يجد انسب من عمله بوظيفة كاتب ضبط في محكمة الصلح الأولى بالقصر العدلي ولساعات محدودة يومياً، وحفزه ذلك على الإنتساب الى نادي دار الألحان ، ثم وجد ضالته بنادي الفنون الجميلة الذي أصبح عضواً رئيسياً فيه وكان الإنطلاقة الحقيقية الأولى بالنسبة له .
 
ابو زينب بياع الحلاوة
والجدير بالذكر انه في عام 1932 انضم الى فرقة الفنان الشعبي حكمت محسن التمثيلية ومثل فيها بمسرحية « ابو زينب بياع الحلاوة « وعرضت في بيوت دمشق القديمة و في حديقة المنشية في بلدة قطنا ثم على مسرح لونا بارك .
أغراه العمل في سلك الشرطة ما شجعه على تقديم استقالته عام 1935 من القصر العدلي ، واستمر بعمله كشرطي لعدة سنوات واّثرالإنسحاب من هذه الوظيفة نظرا للأسباب التي ذكرناها في المقدمة ، وماخفف عنه أن الوقت الذي خصصه لدراسة الموسيقى لم يذهب سدى بعد ان اصبح عازفاً و ملحنا بامتياز ، وواصل مشواره و التحق بنادي الفارابي لينهل الموسيقى وعلومها على يد الأخوين نصوح و مطيع الكيلاني ، ولم يكتف بذلك وبدأ يتواصل مع رواد الموسيقى في سوريا أواخر الثلاثينات أمثال : فؤاد محفوظ ، سعيد فرحات ، مجدي العقيلي وعازف الكمان التركي المعروف شوقي بك زوربا ، أهله كل هذا لزيادة معرفته في التراث الغنائي لبلده وتعمقه في أصول التلحين و التأليف الموسيقي ، شدوا لي الهودج اول لحن قدمه عدنان قريش أغنية: تعال يا منى قلبي، للمطرب بشير الشوبكي واذيعت من اذاعة دمشق 1943 ، وكما يروى ان المطرب لم يحضر لتسجيل الأغنية في الإذاعة حسب الوقت المتفق عليه ما اضطر عدنان لتسجيلها بصوته .
 
في عام 1947 كان من اوائل الموسيقيين الذين التحقوا بالإذاعة السورية بعد الجلاء كعازف و ملحن وفي مرحلة البث التجريبي وتم اعتماده كموظف رئيسي في الإذاعة وباشر عمله كعازف للعود ضمن الفرقة الموسيقية ، من اهم الأعمال التي عرفت الناس به كملحن تلك التي قدمها للمطربة السورية كروان بدءا من عام 1950 وهي : شدوا لي الهودج ياالله ، زين يابا ،دخيلو ربك ، يابا وياباي ويا حسين وحققت هذه الأغنيات شهرة كبيرة وقت صدورها وتخطت حدود سوريا الى العديد من الدول العربية ، تتابعت الأعمال بعد ذلك وقدم مجموعة من الألحان الشعبية للعديد من المطربين والمطربات ، غنى له ياسين محمود :خلي يا خلي و واردة الحلوة ع العين ، عدنان قريش هو من وجه الفنان رفيق السبيعي ابوصياح، نحو الغناء الناقد وغنى ابوصياح من الحانه عام 1962 :داعيكن ابوصياح معدل عالتمام، وبعدها لحن له : الخنافس و الحب تلات الوان و الهوى رماك يا ناعم ،ومن نفس اللون غنى من الحانه فهد كعيكاتي الشهير ب ابو فهمي : فهمية يا فهمية ، قصة حب ابو فهمي و ان كان حبيبي لابس قمبازو .
 
وحظي بألحانه أيضاً مجموعة من المطربين السوريين والعرب و منهم : نورهان و موفق بهجت ومحمد مرعي و نجاح سلام ودلال الشمالي و الثلاثي الفني و اديب طويلة ، تواجد عدنان قريش بفترة تعج بالأحداث عاشتها سوريا وبفترة الأربعينات وما بعد كان حافزاً له لتلحين مجموعة من الأغاني الوطنية منها الأغنية الشهيرة والخالدة « زينوا المرجة « ،و لحن مجموعة اغنيات بمناسبة الوحدة بين مصر و سوريا عام 1958.
 
على صعيد التأليف الموسيقي وضع لحن اربع مقطوعات موسيقية ذات الإيقاع السريع ، وشارك في وضع موسيقى المسلسل الاذاعي سندباد الذي كتبه حكمت محسن بالاشتراك مع الملحنين عبد الفتاح سكر و مطيع المصري .
 
بالإضافة للتلحين كانت له عدة تجارب في كتابة الأغاني الضاحكة لمجموعة من الفنانين امثال فهد كعيكاتي وانورالبابا الذي اشتهر بشخصية « أم كامل « ورفيق السبيعي و دريد لحام .
ممثل .. مغني
 
لم يكتف عدنان قريش بأن ينحسر دوره بتقديم الألحان وانما كانت له انجازات في مجالات عديدة منها مساهمته بتأسيس معهد الفنون عام 1940، وعمل باذاعة راديو الشرق في بيروت واذاعة دمشق الفرنسيتين و اشترك مع النوادي الموسيقية المختلفة في أداء برامجها في الاذاعتين المذكورتين و نتيجة لجهوده التي قدمها في المجال الموسيقي بالإذاعة السورية تم تعيينه رئيساً للدائرة الموسيقية بدءاً من عام 1967 لغاية 1975.
 
يحسب لـعدنان قريش المتوفي عام 2004 انه من اوائل من رسخ ظاهرة الممثل المغني أوالمؤدي وذلك بكتابته و تلحينه أغنيات لمجموعة من الفنانين الذين هم ممثلمون بالأساس ومنهم من تطرقنا لهم أمثال : رفيق السبيعي و انور البابا و ابوفهمي على غرار مصر التي التي كانت سباقة بهذه التجربة ومن الأمثلة على ذلك عندما غنى نجيب الريحاني مع ليلى مراد أغنية عيني بترف و ابجد هوز بفيلم غزل البنات عام 1949 ،وميزة هذه الظاهرة وكما ذكرنا بحلقة سابقة ان الممثل عندما يقدم أغنية ما ، يؤديها بقالب تمثيلي او مسرحي جميل يعتبر اضافة للأغنية العربية ، على عكس المطرب المتخصص الذي يؤدي الأغنية بقالب ثابت في اغلب الأحوال وغير ملزم
بتقديم اللحن بأداء معبر .
 
الاغنية الشعبية تجربة عدنان قريش في مجال الأغنية الشعبية تضاف الى رصيد الأغنية السورية ، وكما هو معروف فإن البحث في هذه النوعية من التجارب الناجحة تلك الأيام تمكنا من وضع اليد على مكامن الخلل التي أدت الى تراجع فن الغناء الشعبي في سوريا ، لعل من اهمها عدم وجود ملحنين بمستوى رواد الألحان الشعبية في تلك الحقبة أمثال عدنان قريش و ملحنين اخرين بوزن عبد الفتاح سكر وعبد الغني الشيخ وسهيل عرفه ما ادى لتراجع هذا اللون من الغناء في سوريا .
 
الحضور المؤثر والفاعل لفرق الفنون الشعبية ساهم وبامتياز في تعزيز فن الغناء الشعبي في سوريا وعندما كان هناك فرق فنون شعبية بوزن فرقة « أمية « وغيرها ، وهذا يحسب لـعدنان قريش باعتماد هذا النهج عندما أسس « الفرقة الشعبية « عام 1966 والتي غايتها إحياء التراث والغناء الشعبي من خلال الحفلات التي كانت تحييها هذه الفرقة، افتقادنا لهذه النوعية من الفرق يعتبر سبباً اّخراً في تراجع دور الأغنية الشعبية في سوريا .
 
-ينطبق على سوريا ما ينطبق على العديد من البلاد العربية بندرة وجود المهتمين بتدوين الغناء الشعبي واغاني التراث عموماً على غرار ما قام به الفنان السوري مصطفى هلال بجمع مئات الأغنيات الشعبية والتي جمعها من خلال لقائه بالعديد من السيدات السوريات كبيرات السن وفي الوقت نفسه تواجده بالأعراس بشكل دائم لتدوين هذا الموروث الثمين ، وقام الفنان مصطفى هلال بتوثيق هذه الأعمال في البرنامج الإذاعي من نشوة الماضي من اعداده و تقديمه ويؤكد العديد من الباحثين السوريين ان هذا البرنامج ساهم وبفعالية بالترويج للأغنية الشعبية في سوريا ، واستمرارا لهذا النهج ساهم قريش بالحفاظ على الأغنية الشعبية من خلال البرامج الإذاعية أيضاً والتي تعنى بفن الغناء الشعبي ومنها :» من تراثنا الشعبي « الذي قدمه في ستينيات القرن العشرين وبرنامج الحان زمان الذي اعده عدنان قريش بمشاركة حسن المير ، وشارك رفيق السبيعي في اعداد مجموعة من حلقات البرنامج الاذاعي الشهير حكواتي الفن ، وهي من نوعية البرامج التي اصبحت نادرة ، وكان من الممكن لهذه النوعية من البرامج إحياء الذائقة الفنية لدى محبي الغناء الشعبي والذي يعتبر عشاقه كثر على امتداد الوطن العربي ، ولا يمكن اغفال دور عدنان قري في تدوين العديد من الاغاني الشعبية السورية على نوت موسيقية والذي ساهم بتوثيق اغاني سورية عديدة.
 
ومع ذلك لايمكن اغفال بعض المؤشرات التي تبشر بإحياء الأغنية الشعبية و التراثية في سوريا والتي تم توظيفها في الدراما السورية التي نهضت بأوائل التسعينيات ومن خلالها تم تقديم الوان الغناء الشعبي احياءاً للهوية الثقافية ، وحقق هذا النوع من الأعمال نجاحاً مذهلاً لدرجة اننا بدأنا نشاهد الأطفال في البلاد العربية عموما يرددون هذه الأغاني بتلقائية ملفتة.
 
صفر يا بابور من اجمل الوان الغناء الشعبي في سوريا ما يعرف بالأغنية الدمشقية ، التي تمتاز بجمالها وخفتها والتي يقسمها الباحث احمد بوبس الى قسمين منها أغاني النزهات و الرحلات والأخرى التي كن النسوة الدمشقيات يؤدينها في الجلسات الخاصة بهن .
 
فيما يتعلق بأغاني النزهات و الرحلات لحن عدنان قريش أغنية جميلة من هذا اللون للفنان رفيق السبيعي ضمن فيديو كليب قديم لرحلة و نزهة في القطار يقوم بها السبيعي بدور الجابي او الكمساري ومن كلماتها: صفِّر .. صفِّر يا بابور خدنا ع الزبداني .. ب بقين بنعمل فطور العشا في بلوداني ..صفِّر و امشي شوي شوي ..بالربوة من بين المي .. وبدمر وقف شوي سلم ع الخلاني “ ، وفي أغنية شبيهة أيضاً غنت الفنانة شادية باللهجة السورية “ خياط للسيدات “ عام 1969 اغنية “ يا طيره طيري ياحمامه “ ، وهي من الغناء الدمشقي القديم والتي اعاد تلحينها لشادية الموسيقار السوري سهيل عرفه ، وهذه الأغنية صورت أيضاً ضمن الفيلم برحلة في القطار لمنطقة الزبداني في استعادة لأغاني الرحلات التي هي من صميم الغناء الدمشقي .
 
تعي ع الفي من الأغاني النسائية والتي تشكل نسبة كبيرة من تراث الأغنية الدمشقية ، تعتبر من أجمل ما يزخر به التراث السوري ، وامتازت ايضاً بجمالها وبساطة لحنها ، ومن هذه الأغاني : يا قضامة مغبرة ، ع الصالحية ، بالي معاك ، رمانك يا حبيبي و أغنية تعي ع الفي من أغاني تراث بلاد الشام وهي عبارة عن أغنية حوارية بين البيضا و السمرة ومن كلماتها :
تعي ع الفي انا بدي شوفك لحظة وفرِّح قلبي شوي
 
البيضا قالت انا عيوني كبار
مكحِّلة من االله و شعراتي طوال
روحي يا سمره يا شعرك شعر الفار
أد ما بتغسليه ما بينظف بالمي.
بعد ذلك ردت السمره النيران بالمثل :
“ السمره قالت شو صاير بالشام
رخصان الكوسا وغليان البيتنجان
روحي يا بيضا يا كوسا دبلان
باّخر تشرين بكبوكي بالمي ! .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات