عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Apr-2018

رسالة لن تصل إلى الجنرال!

 القدس العربي-بلال فضل

لم يكن يريد أن يكون كبش فداء مثل والده، لم يكن يرغب في أن يسامح الطاغية وأعوانه، لأنه رأى نفسه غير جدير بمنح الغفران، ولا غير الغفران، كل ما كان يطلبه هو النسيان، ألا يتذكر المشاهد التي سمّمت حياته، ليتوقف عن الكتابة، ويتوقف شريط ذكرياته عن عرض صور مآسي الحرب الأهلية، فيتنفس عندها كحديثي الولادة هواء بلا تلوث، لأنه كان يعتبر النظام القديم كمرض السل الذي سمم رئته وخنقه. 
هكذا كتب فرناندو أرابال الروائي والمسرحي والشاعر والسينمائي الإسباني، في مطلع الرسالة التي وجهها إلى الجنرال فرانكو عام 1971 بعد أكثر من ثلاثة عقود من مأساة اختفاء والده الملازم الجمهوري الذي تعرض للاعتقال وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، بسبب رفضه للانقلاب العسكري الذي قاده فرانكو. برغم تهديده بالإعدام إذا لم يؤيد حكم فرانكو، رفض الأب فاختفى منذ تلك اللحظة دون أن يعرف أحد مصيره، وبقيت رسالة ابنه إلى الجنرال ممنوعة ومصادَرة داخل إسبانيا حتى لقي فرانكو حتفه، لتنتشر بعدها في إسبانيا، ويكتب أرابال أنه لن يحتفل بموت فرانكو الذي دمّر عائلته وعائلات أصدقائه، لأن موته ليس انتصارا للشعب الإسباني ولن يكون للحرية، «لهذا لن أحتفل بهذا الموت، لن أطلق الصرخة التي سمعناها طوال أربعين سنة: ليحيا الموت». 
يصرخ أرابال في وجوه الذين يحاولون التغطية على جرائم فرانكو بالحديث عن عبقريته العسكرية في الأراضي الأفريقية، مع أن معاركه كانت مصائب تاريخية، والحديث عن النجاح الاقتصادي لإسبانيا، مع أنه تحقق على حساب عمال مكمومي الأفواه، حرموا من حق الإضراب مع قادتهم في السجون، مؤكدا أن «المعجزة الإسبانية الوحيدة كانت عائلة فرانكو، البارحة فقيرة في بورغوس واليوم من أثرى أثرياء العالم… لم يعلن فرانكو الحرب إلا على الحرية والعدالة وعلى طبقة العمال الكادحة، كما أعلن الحرب على الثقافة والشعر، نظامه بدأ باغتيال غارثيا لوركا، واستمر في رقابة دفعت الثقافة الإسبانية في عمق الزجاجة حارمة إياها من مراحلها الأكثر نقاوة». 
يكتب فرناندو رسالته بمزيج من الألم والأمل والهذيان والحب، دون أن يعتقد بوجود أخيار وأشرار، بل بوجود «عنف أعمى وضحية مغمورة بالرماد»، يتمنى فرناندو النسيان في مطلع رسالته، لكنه يعلن في متنها عدم قدرته على النسيان، ينبه إلى أهمية النظر إلى ما هو آت، لكنه لا يكف عن التذكير بما جرى في الماضي من جرائم، لأنه لن يذهب شيء إلى النسيان، إلا بعد أن تتم إدانة ما جرى من جرائم، وبعد أن يعترف الجنرال وأنصاره بها. يقول للجنرال في صرخات يعلم أنها لن تجدي نفعا لكنه يتمنى أن تجدي نفعا: « أعتقد أنك معذّب بلا حدود، إذ أن الإنسان المقهور فقط من يستطيع فرض القهر حوله.. حياتك متشحة بالحداد، أتخيلك محاطا بحمام بلا أرجل، بأكاليل سوداء، بأحلام تطحن الدم والموت… لقد أخفيتم في إسبانيا جبالا من البراز بمروحة يد صغيرة…حدادٌ عميقٌ من ضباع تجهش قيحا يسقط على رجال إسبانيا، ألم تكن من صرّح في تلك الأعوام: إذا تطلب الأمر سنقتل نصف البلد؟… الجميع هم أعداء لنظامك، يهددون أمن حكمك، ابتداء من عمل مسرحي بسيط وصولا إلى اجتماع ثلاثة عمال، مرورا بالكتيبات وبالأعلام.. أنت منهمك في إرهابك، قابع في قصرك، تعيش كابوس إسبانيا السوداء ثم تفرضه على باقي الإسبان، فهل من أحد يرغب بإسبانيا هذه». 
لكي لا ينسى، يحكي فرناندو في رسالته عن العالم الذي نسي إسبانيا، وتجاهل آلام أحرارها في السجون التي استقبلت خمسين ضعفا عن طاقتها الاعتيادية، عن القمع والرعب والذعر والاتهامات، عن أبناء وشوا بحق أهلهم وأخوة تشاجروا عن تعصب ورقابة على الرسائل والأحاديث والخطوات، عن جنود صنعوا أحزمة من آذان الجمهوريين كأنها غنائم حرب، عن انتخابات هزلية لا يملك فيها أحد حق الرفض، عن ضرورة العيش في الخداع والكذب والطأطأة والانسحاق ليتمكن المواطن من العيش، عن الفن الذي تم القضاء عليه بدعوى حماية المجتمع والأخلاق، عن الكتابة التي لم تعد ممكنة إلا في المنفى، عن منع صحيفة فرنسية لأنها وجهت نداء لديغول بالاستقالة لكي لا يتذكر المواطن أن من حق مواطن عادي أن يقول لرئيسه: لا، عن دولة تتوهم إمكانية التقدم بدون نقد، عن كلاب شرسة مستعدة لنهش كل معترض أو منتقد، عن تعليم مهمته التضليل، عن فقر مدقع يعذب الملايين، عن جعل السواد الأعظم من الناس يقاتلون طواحين مؤامرات ماسونية ليبرالية ديمقراطية ماركسية، عن مناخ للانتقام والخوف والكذب مُنعت فيه كل أشكال النقد، عن نظام يخيف كل الناس ويخشى من كل شيء. 
ينسخ فرناندو أرابال للجنرال فرانكو داخل رسالته، نص رسالة وصلت إلى عائلة رجل حكم عليه نظام فرانكو بالإعدام، مع أن أفكاره «التخريبية» لا تتعدى أعمالا خيرية وبعض الإحسان، كتب الرجل رسالته قبل لحظات من إعدامه ووصلت لزوجته بأعجوبة قائلا: «عزيزتي فلورا: في هذه اللحظات يتم نقلي من السجن لألقى نهايتي المحزنة، وهكذا ستكون لي ولكِ ولأبنائنا الأعزاء. تعرفون جيدا كم أردت أن أكون صالحا دائما ومن أجل الجميع. أود أن تنهوا حياتكم بحظ أوفر مما لقيته…أما أنا فسوف أحافظ حتى اللحظة الأخيرة على إحساسي بالعدالة والإنصاف الإنسانيين. ولأبنائي أتمنى أن يظلوا طيبين كما هم، كونوا كذلك محافظين على قيمكم. لا تفكروا بالانتقام من أحد ولا تثأروا لموتي. كونوا جيدين يا أبنائي مع والدتكم وحاولوا أن تكونوا نافعين لمجتمعكم قدر ما استطعتم، فربما تعيشون في مجتمع أفضل قليلا يفيض بمشاعر إنسانية أرقى، فساعدوا في بنائه. نمّوا وعيكم، وقودوه دائما لتكونوا سعداء وراضين، حتى وإن جار الزمن عليكم، فإن أحدا لن يحرّف نهجكم وحسن سيرتكم. أبنائي سيموت والدكم خلال ساعات، إني أرى الموت قادما، ولكني هادئ، صدقوني. أحبكم جميعا وأرحل عنكم مرسلا لكم قبلاتي التي تخرج من صميم قلبي، ولكِ عزيزتي فلورا، عناقٌ أبدي، صورتكِ مطبوعة في قلبي ولا يستطيع أحدٌ انتزاعها مني. وتأكدي أنه عندما يطلقون النار عليّ سأبعث لكِ بقبلتي الأخيرة، كوني مطمئنة فإن زوجك سيعرف كيف يموت، كما عرف كيف يعيش، قبلة أخيرة للجميع مع الزفير الأخير. التوقيع: مكاريو». 
وصلت رسالة مكاريو إلى أسرته، ولا أحد يدري هل بقيت في وجدانهم كما بقيت في وجدان كثيرين ممن قرأوها، لم تصل رسالة فرناندو أرابال إلى قلب وعقل فرانكو، الذي مات بعد نشرها بثلاث سنوات، ليلعنه بعد ذلك كثير من الذين أيدوه، ويتنصل منه كثير من الذين عاونوه في قمعه، وكغيرها من بلاد الدنيا، ما زالت إسبانيا تعاني من أزمات كثيرة توارثتها عبر السنين، ولم تنجح الديكتاتورية إلا في زيادتها تعقيدا واستفحالا، ما زال الإسبان يكافحون من أجل حياة عادلة كريمة، لكن عودة جنرال باطش إلى الحكم تبدو مستحيلة، بفضل التضحيات التي قدمها مكاريو ووالد فرناندو وغيرهم من الذين رفضوا أن تبقى حياة بلادهم رهينة لقرارات «جنرالات محاطين بصحبة أقزام ومسوخ وحمقى ومتملقين». 
ـ رسالة إلى الجنرال فرانكو ـ فرناندو أرابال ـ ترجمة عمار الأتاسي ـ دار ممدوح عدوان
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات