عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jun-2017

الشبكات، وليس الدولة القومية، هي التي ستحل الأزمات العالمية

الغد-آن ماري سلوتر* – (بوستون غلوب) 25/5/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
تبقى فخامة وأبهة زيارات الدولة بلا شك شيئاً أساسياً للسياسة الخارجية. وعادة ما يكون المكان الذي يجب أن يشكل وجهة زيارة رئيس الدولة الأولى محلاً لنقاش ساخن بين موظفي الإدارات، باعتبارها الوجهة المصممة لإرسال الرسائل للحلفاء والخصوم على حد سواء. وفي هذه الزيارات، توضع الخطط، وتوقع الاتفاقيات، وتلقى الخطابات. ويتردد صدى مراسيم الاستقبالات على السجاد الأحمر والتحية بواحدة وعشرين طلقة جيداً وراء في الوطن.
في الحقيقة، يمكن إنجاز عمل حقيقي في هذه الرحلات. وفي الإدارات بشكل خاص، تخلق الحاجة إلى الحصول على "مخرجات" من رحلة وشيكة نوعاً من "الموعد النهائي" الذي يدفع عجلات الدبلوماسية إلى الأمام. وتشكل القصص الإخبارية عن جاريد كوشنر وهو يقود جهود إبرام صفقة أسلحة أميركية-سعودية في الوقت المناسب لرحلة الرئيس ترامب إلى السعودية مثالاً كلاسيكياً على هذه العملية.
مع ذلك، يلامس هذا النوع من الدبلوماسية السطح فقط من النظام الدولي. إنه يعتمد على الاتفاقيات والتفاهمات بين الدول، بينما تنشأ الكثير جداً من التهديدات والتحديات العالمية التي نواجهها من قوى تكمن عميقاً في داخل تلك الدول. وفي حين يتم بناء آلة الشؤون الخارجية بطريقة جيدة للعرض، فإن الرؤساء والملوك والوزراء لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً يذكر لمنع عمل هذه القوى أو احتوائها أو تشكيلها.
فلنأخذ -مثلاً- الإرهاب الإسلاموي المتطرف الذي ينبثق حالياً من شبكة كاملة من الأفراد والجماعات التي تتعهد بالولاء لتنظيم "داعش". على رقعة شطرنج العلاقات الدولية التقليدية، تستطيع الولايات المتحدة أن تجمع ائتلافاً من الحلفاء لتصعيد العمل العسكري المباشر ضد المناطق المادية التي يسيطر عليها يتنظيم "الدولة الإسلامية"، خاصة عن طريق استعادة عاصمته المزعومة في الرقة. ولا شك سياسات شن حملة عسكرية ناجحة تظل معقدة؛ حيث تنطوي على بذل جهد ضد عدو مشترك يتغذى على الخصومات بين أعضاء تحالف مزعوم: الأتراك مقابل الأكراد؛ وسورية-روسيا-إيران مقابل الولايات المتحدة والدول السنية. ولكن، حتى لو نجحت كل هذه الحكومات في تجريد الخلافة المعلنة ذاتياً من أراضيها الفيزيائية، فإن الموت والدمار المتضمنين في العملية سوف يخلقان عدداً لا يحصى من "الشهداء" وفيديوهات التجنيد الجديدة ليستفيد منها "داعش" والمجموعات المرتبطة به في مواصلة الجهاد المتصل بواسطة الشبكات.
لا شك أن الأسباب الأعمق التي تسبب هذا الانحراف العنيف في الإسلام، مقارنة بالتشويهات المتطرفة للأديان الأخرى، من المسيحية إلى الهندوسية، كثيرة: هناك الدكتاتورية، الفساد، الافتقار إلى التعليم، البطالة واسعة النطاق لدى الشباب، اضطهاد النساء، الانفجار الديموغرافي الكبير في شريحة الشباب مع عدم وجود آفاق أو غاية للحياة التي يرونها أمامهم. ومع ذلك، كيف يستطيع رؤساء الدول معالجة هذه المشاكل؟
يمكنهم التوصل إلى إبرام معاهدة، والتي تتطلب سنوات للتفاوض عليها، بل وسنوات أكثر لتطبيقها. ولكن حتى لو كان هذا الوقت الطويل متاحاً، فإن هذه القضايا تظل شؤوناً محلية إلى حد كبير. ولعل الطريقة الوحيدة هي مغادرة منطقة القوانين والسياسات التقليدية، وتصميم وبناء وإدارة شبكات إقليمية وعالمية. ويمكن أن تتضمن هذه الشبكات مسؤولين حكوميين، وخاصة من المستوى ما دون القومي، مثل الحُكام المحليين ورؤساء البلديات، وإنما يجب أن تُشرك أيضاً فاعلين من الشركات والأعمال التجارية والمجتمع المدني.
هناك مثالان حاضران لتوضيح هذه النقطة. أولاً، كان "التحالف العالمي للقاحات والتحصين" (غافي) مغير لعبة حقيقياً في شأن الصحة العالمية. وقبل تشكله، كانت العديد من المنظمات الصغيرة وبعض المنظمات الكبيرة تعمل على اللقاحات والتحصين لعقود. لكن مؤسسة غيتس أنشأت "غافي" من أجل جلب اللاعبين كافة في الحقل معاً بطريقة منسقة. واليوم، تقوم مؤسسة غيتس ومؤسسات أخرى بتقديم التمويل، وتقوم شركات العقاقير بتطوير اللقاحات، وتقوم منظمة الصحة العالمية بضبط نوعية اللقاحات، وتقوم منظمات المجتمع المدني بتطبيق برامج التحصين. ويتكون هذا التحالف بشكل أساسي من شبكة من الشبكات التي تتعامل مع قضية سلوكية شائكة، ذات تداعيات عالمية.
ومن جهة أخرى، كان لمؤسسة بلومبرج للأعمال الخيرية تأثير مماثل على الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ والتخفيف من حدته. وقد أنشأت المؤسسة على مدى العقد الماضي شبكات متعددة من المدن المكرسة للحد من انبعاثات الكربون من أجل مواطنيها، والتي تم جمعها الآن تحت مظلة "المعاهدة العالمية لرؤساء البلديات حول المناخ والطاقة". وتربط المعاهدة وتعبئ الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في أكثر من 7.100 مدينة في جميع أنحاء العالم، والتي ستواصل جميعها تنفيذ اتفاق باريس بشأن المناخ بغض النظر عما تفعله الحكومات الوطنية.
تدعو "غافي" نفسها "تحالف اللقاحات". وهي من نوع التحالفات التي ستكون فعّالة في معالجة مشاكل القرن الحادي والعشرين بنفس مقدار فعالية حلف "الناتو". وتشكل المعاهدة العالمية لرؤساء البلديات في القرن الحادي والعشرين المعادل لاتفاق مناخي أُبرم في القرن العشرين مثل بروتوكول كيوتو لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
سوف تتطلب المعركة طويلة الأمد ضد التطرف الديني العنيف، سواء كان إسلامياً أو من أي إيديولوجية سياسية دينية أخرى، تكوين شبكات إقليمية وعالمية تركز على تعزيز جماعات المجتمع المدني المحلية التي تدعو إلى الفصل بين الدين والدولة، وربط المنظمات النسائية بطرق يمكن أن تُحدِث تغييراً على أرض الواقع، وربط رواد الأعمال مع بعضهم البعض ومع رأس المال والأعمال التجارية القائمة لخلق واستغلال الأسواق المحلية الجديدة، وجلب رؤساء البلديات والزعماء المدنيين معاً من أجل جعل المدن حاضنات فرص للشباب.
وينبغي أن لا يقتصر الزخم اللازم لإنشاء هذه الشبكات على العمل الخيري فحسب، وإنما يجب أن يضم أيضاً قادة الشركات والحكومات نفسها. وبدلاً من ممارسة صناعة الدولة وحدها، فإنها يمكن أن تتعلم طرائق صناعة الشبكات. وكانت هيلاري كلينتون قد بدأت هذه العملية في وزارة الخارجية، من 2009 إلى 2012، حين قامت بتعيين سفراء وممثلين خاصين للنساء، والمجتمع المدني، والشباب، والمجتمعات الإسلامية، والتكنولوجيين، والأعمال التجارية في جميع أنحاء العالم. ومن المؤكد أنه لا شيء من ذلك يمكن أن يوفر الإشباع الفوري والمكافأة الدعائية اللذين يجلبهما استقبال ترحيبي على سجادة حمراء. لكنها ستكون في نهاية المطاف أكثر أهمية بكثير.
 
*هي الرئيس والمدير التنفيذي لمؤسسة "نيو أميركا". كانت مديرة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية في الفترة من 2009 إلى 2011. ونشرت مطبعة جامعة ييل في آذار(مارس) كتابها "رقعة الشطرنج والشبكة الإلكترونية: استراتيجيات الاتصال في عالم متصل بالشبكات".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Networks, not nation-states, will solve global crises

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات