عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2018

شروط الضيافة في الترجمة: محمد البكري مترجما رولان بارث

 القدس العربي-صلاح بوسريف

اخترت أن أتدخل في الترجمة، في هذه اللقاء الدولي، الذي تحتفون فيه بمحمد البكري، لأسبابٍ، أوجزها في ما يلي:
أولا، أن محمد البكري، حين عرفه القارئ المغربي، في ما نشره من كتبٍ، عرفه مترجما، وليس ناقدا، وعارفا بالشعر.
ثانيا، ذهاب محمد البكري، في ما ترجمه، إلى أعمال جوهرية، في المعرفة النقدية المعاصرة، أي ما ستتأسس عليه دراسات وقراءات، في الشعر، كما في غيره من مجالات الكتابة والإبداع.
ثالثا، ارتباط اسم محمد البكري باسم رولان بارث. فهو كان أكثر المشتغلين على أعمال هذا المنظر، أو الناقد، تجاوزا، رغم ما كانت تبدو عليه أعماله من جدةٍ وصعوبةٍ. الأرض كانت جديدة، رمالها غير آمنةٍ، والسفر فيها ترحل بلا ضماناتٍ. 
ما يعني، أن الترجمة عند محمد البكري، لم تكن صدفة، أو عملا بلا مبررٍ، بل إنها كانت أفقا، وليست مشروعا. ولأميز بين الاثنين، وأوضح ما أقصده بالأفق، فالمشروع، أفق مستنفذ، قابل للإنجاز، ومشروط بزمانٍ ومكانٍ محددين، لذلك، فهو يتسم بالإنهاء، والإتمام. أما الأفق، فهو امتداد، ما يتبدى، ولا يبدو. فهو رؤيا، وليس رؤية. ما نسعى إليه، ولا نقبض عليه. فهو مثل سراب الظمآن. 
لن أخرج عن سياق الموضوع، إذا أنا اعتبرت، أن الأفق، هو ثلمة، أو فتحة، منها نطل على وجودٍ، يبقى رهن العين، فقط، لكنه ناءٍ، بعيد، مثل طيفٍ يمرق، خاطفا، نستشعر مروره، ولا نراه. هل معنى هذا أن محمد البكري، في ما اقترحه من ترجماتٍ، كان واهما، أو بالتعبير العربي القديم، حاطب ليل؟
أبدا. فالأفق، هنا، عبور، بالمعنى الذي يعطيه هايدغر للترجمة، باعتبارها «عبورا» أو هو، دائما، عند هايدغر، في سياق حديثه عن الترجمة، «الترجمة الجوهرية». والجوهر، ليس هينا، أو متاحا، لأنه ليس ترجمة كلماتٍ، أو جملٍ، أو الذهاب إلى ما لا يفيد ويضيف في ما نترجمه من كتبٍ. كثيرة هي الكتب المترجمة التي تموت في حينها، لأنها عرض، وليست جوهرا، ولأنها ليست أفقا، ولا حتى مشروعا، إنما هي تزجية وقتٍ، وتسلية في اللغة، بغيرها من اللغات. وهذا ما عناه هنري مشونيك، في كتابه «شعرية لترجمة»، بترجمة الخشب، أو «لغة الخشب» في الترجمة، التي يعتبرها «مغالطة».
إن ذهاب محمد البكري إلى رولان بارث، كان مقصودا، لأنه، منذ البداية، وجد في أعمال بارث، ما يستجيب لأفقه الفكري، لا النقدي فقط، من الصعب أن نتحدث عن بارث كناقد، فهو وسع حقول اشتغاله، شعبها، وأوغل فيها بما هو مشكل. لأنه أدرك أن تجديد الفكر النقدي، لن يحدث إلا بتجديد مفاهيمه، وبإعادة تفكيرها، وفض النسيان الذي تراكم على طبقاتها. فالجديد، وما لم يكن معروفا، هو، دائما، مفاجئ، مزعج، وصادم، بل مرفوض، من الصعب قبوله، أو مسايرته. وإذا كان بارث، وجد اعتراضاتٍ في لغته، وفي ثقافته، فكيف سيكون الأمر عندنا، نحن، من لم تخرج ثقافتنا، بعد، من غنائها القديم؟
هنا، في هذا المنعطف الشاق، يبدو أن رهان البكري، كان، هو أيضا، رهانا شاقا. 
الجامعة المغربية، كانت، في إبانها قد شرعت في الخروج من تاريخ الأدب، الذي كان هو ما تتأسس عليه المعرفة بالأدب العربي. دخول البنيوية، ودخول اللسانيات، وظهور لغة جديدة، بمفاهيم جديدة، كان نوعا من تجديد المعرفة، وتجديد الفكر والعقل، أي تجديد الإنسان. لهذا الغرض حدثت ثورة 68 في فرنسا. ورلان بارث، كان واحدا ممن ترجموا شعارات هذه الثورة إلى معرفة، وفكرٍ ومفاهيم، وكما هو معروف، فالمفاهيم معالم، وطريقة في النظر إلى الأشياء. هنا، كانت «الثورة»، هادئة، وشرعت الجامعة في تجديد مناهجها، ومفاهيمها، ما سيترتب عنه، ظهور عقلٍ، ذهب إلى «نظام الخطاب»، إلى ما يستحكم فيه من بنياتٍ. ألم يكن عبد الفتاح كليطو صادما، حين انتقد روائيا وناقدا مغربيا، من جيله، ما كتبه، بسخرية، في ندوةٍ عربية حول النقد، في مدينة الدار البيضاء، إبان صدور كتابه «الأدب والغرابة» في تسعينيات القرن الماضي؟ ألم يحدث محمد مفتاح، انعطافة في قراءة الشعر القديم، في كتابه «سيمياء الشعر القديم»، والأمر نفسه يقال عن مفاهيم العروي، ومشروع محمد عابد الجابري النقدي، وغير هؤلاء، ممن كانوا في قلب ما يجري من انقلابٍ في المفاهيم، وفي مناهج القراءة، وفي طبيعة الموقف والرؤية، ما سيتيح وضع النصوص الإبداعية، في سياقها الحداثي، الذي شرع في الابتعاد عن «المصطلح المشترك» و»درجة الوعي في الكتابة».
محمد البكري، كان في قلب هذه الانعطافة، يعمل في صمتٍ، كعادته، ولا يتعجل الظهور. فهو كان يعرف أن تجربة رولان بارث، ليست من نوع التجارب التي تستنفد، لأن ما تقترحه من فكرٍ ونظرٍ، مفتوح على المجهول، بالمعنى الذي يجعل المجهول، أفقا مفتوحا على الانعطاف والتغيير.
كان محمد البكري، في ما أتذكر، هو أول من ترجم فصلا، من «درجة الصفر في الكتابة»، قبل أن يظهر الكتاب، بترجمة اسمٍ آخر. ما يعني أن محمد البكري، حين ذهب إلى بارث، فهو كان يعرف، منذ البداية، أن بارث، سيكون مفيدا في تغيير مسار النقد، والثقافة، والفكر، في السياق المغربي المعاصر. وهنا، لابد أن أعود إلى الترجمة، كاشتغالٍ في النص، وانهمامٍ به. فإذا كان أمبرتو أيكو، اعتبر الترجمة «تفاوضا»، وهو الفيلوجي العارف بمآزق اللغة، وبتاريخها الجمالي والدلالي، وما تحتمله، في سياق هذا التاريخ، من شروحٍ وتأويلاتٍ، فهو أدرك، بمعرفته هذه، أن المترجم، هو راعي هذا التفاوض بين لسانين، وبين ثقافتين، وطريقتين في الفكر والنظر. فما الذي يمكن أن تقدمه لغة الانطلاق إلى لغة الوصول بتعبير ميشونيك؟ 
يستعمل ميشونيك مفهوم الشعرية في الترجمة، لا ليعني بها الشعر، بل ليعني بها وجود المترجم، كذاتٍ في النص المترجم، باعتباره نصا متواصلا. فهو يحرص على مفهوم النسق أو النظام في الترجمة، ومن هنا جاء نقده لهايدغر، الذي اعتبره اكتفى باللغة، أو بالعلامة، والعلامة، كما يقول، هي صد الذات، لأن «العلامة تخفي وتحجب الخطاب كتجل للذات»، لذلك فهو لم يصل إلى النسق، أو أن عبوره، بالأحرى، كان عبورا بمجاديف دون قاربٍ. فهو يؤكد على ضرورة التعامل مع الخطاب في الترجمة، لا مع اللغة، بمعنى التعامل مع اللغة، كما تتحقق في الخطاب وبالخطاب، أو ما يسميه، في عملية الترجمة، بـ»شعرية مقابل شعرية».
لن أعود إلى النقد الذي وجهه مٍيشونيك لهايدغر الذي اعتبر اللغة «مسكن كينونةٍ»، أو «منزل كينونةٍ»، كما في بعض الترجمات، وهذا، في ذاته، تعبير عن اللغة كـ«خطابٍ»، وليس عن اللغة منفصلة عن الكينونة، التي هي هنا «الذات»، وما يفيض عنها وجودا، بل سأكتفي باستثمار مفاهيم الذات، والنسق، والخطاب، لأعتبر أن محمد البكري، عمل في هذا السياق، ولم تكن ترجمته لبارث، ترجمة لغةٍ في مقابل لغة، بل ترجمة خطاب مقابل خطابٍ، ولم يسقطنا في فخ هومير، الذي ترجم بغير خطابه، وبغير لسانه، فنحن في ترجمات البكري، نقرأ بارث بلسان بارث، ما يعني، أن البكري، أدار التفاوض بين اللسانين، بحنكة ومهارة نوتي يقيس درجة الريح، ويدرك أهوالها قبل أن يشتد اللج، وهذا لن يحدث، إلا إذا كان المترجم على درايةٍ بتاريخ اللغة الذي هو تاريخ نظامٍ ونسقٍ، نظام قيمةٍ، ونظام توظيفٍ واستعمالٍ. كل هذا مفكر فيه، في علاقة اللغة بالخطاب، وليس بانفصال أحدهما عن الآخر.
في وضعٍ كهذا، تكون الترجمة قيمة معرفية، وتكون أفقا، وطريقا، وتمرينا للفكر والعقل على معرفة الآخر، وتحرص على خصوصية هذا الآخر في قلب الأنا، والأنا، أيضا، في قلب الآخر، وهذه هي شروط الضيافة في الترجمة، كما عمل البكري على إنجازها، في ما ترجمه من أعمال لرولان بارث.
 
٭ شاعر مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات