عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jun-2018

باصُ درويش وركاب الحياة

 القدس العربي-يوسف رحايمي

كنتُ في الحَافلة حين اجتَاحت فكرةُ هذا المقال ذهني، كل ما في الأمر أن عَجوزاً تهاتفُ ابنها بالقرب مني مُتذمرة من حال وسَائل النقل وبطء خدماتها، إضافة إلى طول المَسافة وازدحام الشوارع، وقَد لَفَتَ انتباهي في تلكَ المُكَالمة تَصور استعاري بَنَتهُ العَجوزُ في ثَنايَا خِطَابها بِنَغمٍ حزينٍ مَفادهُ: «كلنا مُسافرون في هذه الحياة». وبدُون علم بِما جَرى في الجِهة المُقابلة من الحِوار (الابن) ما دفعها إلى أن تقول هذا الكَلام، أوّلتُ كَلامها أن هذه الحياة رحلة وسَفرٌ مثل سفرنا هذا على هذه الحافلة، وهي رحلة تبدأ من محطة الولادة وتنتهي في محطة الموت، تتخللها محطاتٌ يتناوب فيها الناس الأمَاكن والأزمنة، فَمنهم من يتوقف وينزل، ومِنهم من يُواصل المَسير. إننا أمام استعارة «الحياة سفر».
هذا الزخمُ من الأفكَار الذي حَلّ بذهني زائراً غير مُقيم، سافر بي إلى قصة نَسل تَصلحُ أن تكون فضاءً لتشريح القول في أبعاد هذه الاستعارة، إنها قصة محمود درويش في قصيدته «لا شيء يعجبني» حيث تُصور لنا هذه القصيدة باص الحياة وحال المُسافرين في خضمها، وتُشبه هذه القصيدة حالنا في هذه الحافلة، فالركاب هنا مسافرون لا محالة والحافلة بمثابة الحياة تتسعُ لنا جميعا على اختلاف أجناسِنا شباباً وكُهولاً ونساءً. تُسعفنا في تَفكيك هذا التصورالاستعاري الذي ألبسناه عن طيب خَاطر بالسيدة العجوز مقاربة العرفانيين للاستعارة كونها طَريقا من طُرق تمثل العالم وفهمه، حيث يُمكن الإقرار أن «النسق التصوري البشري مُبَنْينٌ ومحددٌ استعاريا» على حد قول صاحبا كتاب الاستعارات التي نحيا بها.
لِنَعُد إلى درويش وأبياته: «يقول مسافرٌ في الباصِ: لا شيء يعجبني لا الراديو ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال، أُريد أن أبكي، يقول السائقُ: انتظر الوصولَ إلى المحطةِ، وابك وحدك ما استطعتَ، تقول سيدةٌ: أَنا أَيضاً أنا لا شيءَ يُعجبُني، دَلَلتُ اُبني على قبري فأعجَبَهُ ونامَ ولم يُوَدعني، يقول الجامعي: ولا أنا لا شيء يعجبني، درست الأركيولوجيا بدون أن أجد الهوية في الحجارة، هل أنا حقاً أَنا؟ ويقول جندي: أَنا أَيضاً لا شيءَ يُعجبُني، أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً يُحاصِرُني، يقولُ السائقُ العصبي: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا للنزول فيصرخون: نريدُ ما بَعدَ المحطةِ فانطلق، أما أنا فأقولُ: أنزِلني هنا، أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السفر.
لاشك أن قصيدة كهذه تستهوى القارئ وتقحمُ الأقلام في لُعبة تأويلية لا حُدود لهَا، فمِنهم من رَأى أن الباص هو الوطنُ، وأن المسافرين أو الركاب هم المواطنون، والسائق بمثابة الحاكم العربي، وهذا على رأي المدون محمد عبده العبسي، وهذا الضرب من التأويل مُمكن، غير أننَا في هذا المقال نَتجه نَحو تصور آخر في قراءة هذه الأبيات، وتسيرنا في كل ذلك – كما أشرنا من البداية – الاستعارة التصورية «الحياة سفر» أو «الحياة رحلة»، وهي استعارة موجودة في الخطاب اليومي وجودها في الخطاب الأدبي شعراً كانَ أو نثراً.
باصُ دَرويش هذا اتسعَ لجميع ركابه اتسَاع الحياة لهم، مِنهم مُسافر أوردهُ الشاعر نَكرة لا نَعلمُ عنه شيئا غير إحباط اختزلته جملة «لا شيء يُعجبني»، يَتسربُ إحباطه شيئا فشيئا فيصيب سيدةً، وهي ثاني شخوص الباص وتعبيراً من الشاعر عن حضور المرأة في رحلة الحياة هذه، قائلة أيضا «لا شيء يعجبني» بعد أن فقدت ابنها. يَمضي درويش في تأثيث رحلة الحياة فيذكر الجامعي والجُندي نسبة إلى فئتين مهمتين في المجتمع، ويَصلُ بنا في الأخير إلى الشاعر نفسه الذي أتعبهُ السفر في هذه الحياة فَطلبَ النزول مع إقرار أنه أيضا لا شيء يعجبه.
ينبهنا هذا التصور الاستعاري إلى أن الحياة سفر ورحلة يخوضها الإنسان راسما في ذلك جملة من الأهداف تعكس جدله وحركته، فنراه مسافرا وجامعيا وجنديا وشاعرا، كلهم ينشد غايات داخل هذه الحياة، حيث تتقاطع الغايات في الحياة مع طموح هؤلاء في السفر، ونفهم الباص في أبيات درويش على كونه الوسيلة، ويمثل الفاصل ما بين محطة الانطلاق ومحطة الوصول المسافة التي يقطعها الإنسان من الولادة إلى الموت. 
إن استعارة الحياة رحلة أو سفر يعين فيها السفر المسار ويتوافق هذا الأخير مع طبيعة مسار الحياة التي تبدأ من نقطة الولادة وتنتهي عند نقطة الموت. ووفق هذا الاعتبار نفهم مجال الحياة من خلال مجال السفر، ويتحدد لنا من خلال هذه الاستعارة منطق الحركة والاتجاه وتسلط الضوء على سيرورة الحياة وتعاقبها.
لقد توسل درويش بهذا الخطاب الاستعاري من أجل تمرير قضاياه وهمومه الوطنية والفكرية والثقافية، حيث مكنته الاستعارة التصورية بالمفهوم العرفاني من استدعاء أنساق معرفية مختلفة تختزل تجارب ومضامين متعددة. إن باص درويش هذا وما يحمله من ركاب الحياة لم يكن قادرا على تحمل أعباء هذا السفر لولا فسحة الاستعارة التصورية، التي فتحت المجال لدرويش، ولكل مشتغل في حقل اللغة كاتبا كان أو شاعرا أو أديبا، من أن يعبر عن رأيه بلغة استعارية قادرة على استنطاق أبعاد التجربة بكل تفاصيلها، وقد يكون مدفوعا إليها من باب الخوف تحت شُهب السياسة التي ترصد الأقلام الناقدة والحاملة لرسائل خالدة.
 
٭ باحث تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات