عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2018

الكاتب المغربي حسن أوريد حول روايته «ربيع قرطبة»: حاولت نقل الأندلس من حنين إلى فكرة

 «القدس العربي» ـ من الطاهر الطويل: بعد روايات «الموريسكي» و«سيرة حمار» و«الأجمة»، أصدر الكاتب والمفكر المغربي حسن أوريد رواية جديدة تحمل عنوان «ربيع قرطبة»، تقع في 160 صفحة، وتولى نشرها المركز الثقافي العربي. ويعود الكاتب في عمله الجديد إلى حقبة الخلافة الإسلامية في الأندلس، حيث يغوص في دواليب البلاط وصراعات الحكم التي يلتقي فيها ما هو سياسي بما هو ديني وما هو نفسي/ شخصي، من خلال التركيز على شخصية الخليفة الحكَم المستنصر بالله الذي ورث الخلافة عن والده عبد الرحمن الناصر، إذ يقوم السارد (الخليفة الحَكم) وهو على فراش المرض باستحضار سيرته ويرويها لخادمه لكي ينقلها أمانة وعبرة للتاريخ ولكل الأجيال. وللاقتراب أكثر من دلالات رواية «ربيع قرطبة» وأبعادها، التقت «القدس العربي» كاتبها حسن أوريد، وأجرت معه الحوار التالي:

 
■ لنبدأ حوارنا بسؤال عن علاقة الرواية بالتاريخ، تقوم رواية «ربيع قرطبة» على توظيف جزء من مرحلة تاريخية، تتعلق بالخلافة الإسلامية في الأندلس. ما هي مبررات هذا التعامل؟ وإلى أي حد يمكن الحديث عن وفاء لهذا المرجع التاريخي؟
□ سُئلتُ هذا السؤال غير ما مرة، إذ اعتبر البعض توظيف التاريخ هروبًا من الواقع. ولا أود أن أخوض في هذا الطرح، ولكن نحن نعرف ـ مثلا ـ أن كاتبا مثل أمبيرتو إيكو وظّف التاريخ في عمله المرجعي بـ«اسم الوردة»، وهذا لا يقدح في عمله ولا يؤاخذ عليه، إنه فـرّ من الواقع وتحدث عن هيمنة الكنيسة خلال القرون الوسطى. لكن السؤال المحوري يبقى هو: لماذا ينثني كثير من الكتّاب الذين يكتبون بالعربية على التاريخ؟ سأسعى لأن أجيب بصفتي أستاذا للعلوم السياسية، لأنه نحن نعرف أن المجتمعات، والمثقفين فيها بالأساس، لا يستقرئون التاريخ إلا لأن هناك حاضرا يؤرقهم ويقضّ مضجعهم. بتعبير آخر، إن توظيف التاريخ أو مساءلته هو ناتج عن عمق القضايا الآنية وثقلها. واللافت للانتباه أن الكتابات التي تتوسل التاريخ كثيرة في العالم العربي، وهذا يفسّر ـ وفق العلوم السياسية ـ بثقل الآني والحاضر. هناك مقولة مأثورة في كتاب «18 برومر» لكارل ماركس يقول فيها: إن الناس لا تبني مستقبلها بمعزل عن حاضرها، وإنها لا تستقرئ التاريخ إلا لأن التاريخ يثقل عليها. إذن، هذه العودة إلى التاريخ تُفسَّر بالنظر للمعضلات التي يطرحها الحاضر.
 
المزاوجة بين التفاؤل والتشاؤم
 
■ هل نتحدث إذن، عن حالة القلق التي يعيشها المواطن العربي خلال المرحلة الراهنة، والتي يلتقي فيها ما هو أيديولوجي بما هو اجتماعي وفكري وغيره؟
□ أعتقد أن المسألة تتجاوز القلق، بل يمكن أن تكون وجودية. فما يعيشه العالم العربي يُعدّ غير مسبوق، ويُطرح معه السؤال هل سيكون له وجود أم لا. وقد حاولتُ في هذا العمل أن أستنطق التاريخ ـ إن صح التعبيرـ لأنني وجدت تطابقا بين ما يعيشه العالم العربي حاليا وما عاشه في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي، الذي اتسم بضعف الخلافة في بغداد واستيلاء البويهيين (الذين كانوا من الفرس) عليها، وتوزع العراق والشام، أو ما يعرف الآن بالشرق الأوسط، بين البويهيين والسلاجقة (أي الأتراك). ومن جانب آخر، عرفت المنطقة صراعا قويا بين السنّة والشيعة، بين الأمويين في الأندلس من جهة والفاطميين من جهة أخرى. وعرف العالم الإسلامي كذلك بروز اتجاه متشدد عُرف بـ«القرامطة»، ويمكن بسهولة أن نجري تطابقا بين القرامطة و«داعش». وبالتالي، فتوظيف التاريخ كان من وحي الحاضر. دور المثقف معقّد، لأنه يلزمه أن يمارس نوعا من ازدواجية الشخصية: أن يكون متشائما حينما يحلل، ولكنه حينما ينصرف إلى الفعل ينبغي أن يكون متفائلا. ومن ثم، فأنا أزاوج بين هذين الشعورين، ولا يمكن إلا أن أحمل مشعل التفاؤل، لأنه ينبغي أن يكون هناك مَخرج أو بصيص.
■ في قراءتنا لنص إبداعي مثل الذي بين أيدينا، هل من الضروري أن تكون هناك تلك المقارنة بين الماضي والحاضر؟ أي تلك النظرة المِرآوية إن صح التعبير؟
□ ليس بالضرورة، فالقراءة رهينة بمرجعية القارئ والناقد. أنا اعتبرتُ أنه يمكن أن أعبّر عن قضايا آنية من خلال الاستنجاد بالتاريخ. بدون شك، إنّ مرجعيتي كمؤرخ أسعفتني وتسعفني. وسبق لي في أعمال أدبية أخرى أن وظفت التاريخ، مثل «الموريسكي» و«سيرة حمار». لكن، لكل حالة خصوصيتها. نحن لا نجري المقارنة لنصل إلى المطابقة. ما نعيشه ليس بالضرورة مطابقا مئة في المئة لما عاشه آخرون في فترة ما من التاريخ، ولكن يمكن أن نجد تطابقا بين الفترة التي عاشتها الخلافة الإسلامية في الأندلس وما نعيشه الآن، فهناك صراع قوي بين السُّـنّـة والشيعة. ولكن ـ كما قلت ـ ينبغي على المثقف أكثر من غيره أن يحمل الأمل، لأن المثقف على خلاف السياسي لا يدبّر الآني، ولكنه ينصرف كذلك إلى المستقبل. ولذلك، فأنا أسعى لأن أبعث شيئا، يمكن أن نفخر به، ليس بطريقة هلامية، وهو الأندلس. 
في حضارة البحر الأبيض المتوسط هناك نموذجان: نموذج اليونان الذي أثر في الرومان في ما بعد، وليست الحضارة الرومانية إلا استمرارا للحضارة اليونانية، ثم هناك نموذج الأندلس الذي زاوج بين العقل والروح. نحن نرى كيف أن الحضارة الغربية الحالية فصلت بين العقل والروح، وبين الجمالية والفعالية، حيث توجد الفعالية لا توجد بالضرورة الجمالية، في حين أن الحضارة الأندلسية زاوجت بينهما. ثم هناك شيء آخر لصيق بالحضارة الأندلسية هو التعايش والتسامح، أو ما يسمى في اللغة الإسبانية Convivencia، فنحن أحوج ما نكون إلى بعث هذا النموذج. قد يقال: هناك أيضا الحضارة الفرعونية، صحيح هي حضارة عظيمة بدون شك، ولكن تراثها المكتوب اندثر، ونحن نعرف أن اليونانيين تأثروا بمصر الفرعونية. إحياء وبعث الأندلس يفرضه السياق كذلك، هناك نموذج سطع، مع ما اكتنفه من صراعات سياسية ومن مناطق ظل، هذا شيء طبيعي، ولكن هذا النموذج عرف تعايشا بين ملل ونحل وثقافات عدة، وزاوج بين العقل والروح، وهو الأمر الذي لم نستطع أن نحققه بعدُ كمجتمعات في العالم العربي.
■ هل هذا هو ما أشار إليه السارد في الرواية، كون الأندلس إذا اندثرت كحضارة، فإنها تبقى كنموذج وفكرة يكوّنها كل واحد حسب تصوره الخاص، ويتقاسمها مع الآخرين؟
□ نعم، هذا هو الأمر الذي حاولت فعله، أي أن أنقل الأندلس من حنين إلى فكرة، إذ يمكن للأندلس أن توجد في كل مكان وفي كل عصر. أنا لست من دعاة الحروب والاسترداد والاستعادة، فباسم ما سمي الاسترداد ارتكب المسيحيون جرائم فظيعة تحت ذريعة طهرانية عقدية وعرقية. لكن، لا شيء يمنع أن نبعث نموذج الأندلس في أي مكان كان، نموذج يقوم على احترام الاختلافات كيفما كانت طبيعتها، سواء كانت سياسية أو عرقية أو عقدية. لذلك، فالفكرة التي ينتهي إليها السارد أنه يأمل حتى لو «ضاعت» الأندلس/ الرقعة، تحيا الأندلس/ الفكرة، ويمكن أن يحملها الآخر، مثلما أوحيت في الرواية من خلال شخصية «باشكوال».
 
الأديب والمؤرخ
 
■ حسنًا، ونحن نغوص في الأبعاد والقيم والدلالات التي تكتنفها هذه الرواية، يُطرح سؤال مرتبط بالنقد الأدبي، ويتجلى في ما يلي: ما هي حدود العلاقة بين السارد وصوت الكاتب؟ بمعنى آخر، ألا يطغى صوتك ككاتب وخطابك على صوت السارد وخطابه؟
□ لا. فبدون أن أكون مازوشيا لم أجعل السارد نموذجا، ولكن هناك جزءا من ذاتي ومن رؤاي في العمل ككل، ليس من خلال شخصية واحدة، ولكن من خلال حوارات وشخوص عدة. فالكاتب ـ أي كاتب ـ يمتح في الأساس من تجربته الذاتية. ينبغي لحياة الكاتب أن تكون رواية لكي يكتب الرواية، فحياته هي الكتاب الذي يمتح منه. طبعا، هناك أشياء يكتسبها من خلال العمل والمراس. ولذلك، لا يمكن أن أزعم بأن هناك فصلا بين هذا العمل ككل وشخصيتي. نحن نفترض الموضوعية في العلوم الاجتماعية. ولكن لا يمكن أن نمنع الأديب من أن تكون له ذاتيته. فأنا أتبنى ذاتيتي، ولا أخفي أن جزءا مني ثاوٍ في هذا العمل. كما أنني ـ من جهة أخرى ـ قمت بعمل المؤرخ كذلك. قد يكون مملا من خلال نصوص أو استعادة أحداث أو من خلال الوقوف على طقوس ومراسم معينة، ولكنني اعتبرت ذلك أساسيا وضروريا لاعتبارات تاريخية. ولأنه مستعص على القراءة في ما يسمى بالمظانّ التاريخية، فأنا قمت بهذا العمل المضني كمؤرخ، وقد يعيب عليّ الروائيون ذلك. ولكن، مَن يقرأ كتاب «اسم الوردة» لأمبيرتو إيكو سيجد فيه أشياء هي من عمل المؤرخ، إنها مملة وبدون شك أنها استغرقت وقتا طويلا من كاتبها. 
■ وأنت تكتب رواية «ربيع قرطبة»، هل كنت تستحضر قارئا مفترضا أو ضمنيا أو نموذجيا معينا؟ أم أن قراءة الرواية مفتوحة لكل القراء، بدون تحديد؟
□ لأصدقْك القول، لم أستحضر قارئا محددا، ولكنني استحضرت شيئا معينا وأنا أكتب الرواية: كنت دوما أسمع، أمام طغيان وتفشي المسلسلات التركية، أنه ليس هناك أعمال أدبية مكتوبة باللغة العربية جديرة بأن تنقل إلى السينما. وبالتالي، فقد استحضرت إمكانية أن تنتقل هذه الرواية إلى الشاشة، وكنت أكتب كما لو أنه في الأساس سيناريو. لم أستحضر قارئا محتملا، ولكنني استحضرت مُشاهدا محتملا، وهذا شيء أقرّ به، وأتمنى أن ينتقل هذا العمل إلى الشاشة.
■ أثار بعــض النقــــاد والقراء الذين اطلعــــوا على روايتك ملاحظة مفادها وجود عبارة «الطبعة الثانية»، وتساءلوا من خلال منتديات التواصل الاجتماعي: أين هي الطبعة الأولى؟
□ الطبعة الأولى نفدت بمجرد توزيعها على المكتبات، ولم يستغرق الأمر أكثر من أسبوع. هذا هو التفسير، وليس هناك قفزة من طبعة صفر إلى طبعة 2، بل كانت هناك طبعة أولى نفدت، ثم جاءت الثانية.
■ وكيف تفسر الإقبال على اقتناء رواية «ربيع قرطبة» بهذا الحجم وهذه الكثافة؟
□ أنا لا يمكن إلا أن أعبر عن سروري على هذا الإقبال. أما لماذا؟ فلا أدري.
■ معنى ذلك، أن هذا مؤشر على أن القارئ موجود؟
□ طبعا، القارئ المحتمل موجود، لكن لا يمكن أن أجيب من خلال انطباعات، فلا بد من دراسة علمية ميدانية في ما يخص ما أشرت له. الذي يمكن أن أقول إن هناك إقبالا على روايتي، وهذا أمر يسرني ويثلج صدري. ربما لرمزية الأندلس. ومع ذلك، فلست مخولا للحديث عن طبيعة العمل، فالقراء والنقاد هم المخوَّلون لذلك.
 
الإبداع ليس ترفا
 
■ حسن أوريد، تلتقي في شخصيتك، عدة جوانب، المبدع، المؤرخ، الباحث الأكاديمي، السياسي… هل يمكن أن نعتبر الإبداع لديك في تمظهريه الشعري والروائي بمثابة استراحة من قلق السؤال، ومن صرامة العلم والممارسة الأكاديمية والتأريخية؟
□ لا، العكس هو الصحيح، هناك مهنة أزاولها، وينبغي أن أضطلع بها. أنا أستاذ جامعي أدرّس العلوم السياسية. ولا يمكن أن أغفر لنفسي أي تهاون بغض النظر عن تقييم الطلبة أو الباحثين أو الزملاء، فأنا مسؤول للاضطلاع بمهمتي كمدرّس للعلوم السياسية وكباحث فيها. لكن، هناك واجبا، وهو البحث، وهناك عشق، وهو الكتابة الأدبية، وإذا صح التعبير يمكن القول إن هناك زواجا يربطني مع مهنة معينة وما يفرضه من واجبات، وهناك علاقة حب أعيشها مع العشيقة: الإبداع. ربما أكون قد قصّرت في التعريف بأعمالي، إذ لم أختر دور نشر كبيرة، وهو خطأ تجاوزته عند نشر روايتي الأخيرة «ربيع قرطبة» مع دار نشر لها حضور قوي في العالم العربي. كان يمكن لرواية «الموريسكي» أن تتخذ مسارا آخر لو نشرت في دار كبيرة للنشر. الإبداع ليس ترفا أو استراحة. هو ما أتوق له وأخلص له. وهناك واجب أضطلع به جهد الإمكان.
■ كلمة ختامية؟
□ للكتابة قوة، وهي آصرة، والذي أريد أن أقوله هو أنني لا أنظر إلى ما يعتمل في العالم العربي كمُشاهد، بل أنا معني بما يلم به ويعتوره. وأعتقد أنني كمثقف وجامعي وما شئت، أشعر بمسؤولية تجاه هذا العالم، فالظروف التي يعيشها كابية، ولكنها ليست أكثر بؤسا مما عاشته أمم أخرى، بل يمكن تجاوز هذا الوضع. وأعتقد أن بلدا مثل المغرب له حمولة تاريخية، واسمح لي بهذا التعبير، هو «الوارث الشرعي لتراث الأندلس»، عليه مسؤولية كبرى في هذا الصدد.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات