عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jan-2017

هل الفكر الإسلامي شريك في الجوار الحضاري؟*لطفي العبيدي

القدس العربي-بمقدور الفكر الإسلامي أن يخترق حدود هموم جماعة المسلمين نحو أفق الإنسانية المعاصرة، على مشروطية الصياغة المنهجية الإنسانية لمقولاته القيمية، من زاوية نظر واقعية، إلى ضرب من التصوّر يربط بين العلم ووظائفه، ومطالب المجتمع وتوجّهاته، تأسيسا لعلاقة جديدة بين «عالم الغيب» و»عالم الشهادة»، من داخل فلسفة معاصرة تقوم على تحريك الوعي ورفعه إلى مستوى الرؤية النظرية، المتناسبة مع مستلزمات التغيّر الاجتماعي المرجو.
وألا تكون مجرّد فلسفة خادمة للعلم، الذي لا يجد حلاّ كاملا لمشكلة السلــوك لاهتـمامه بما هــو كائن، لا بما ينبغي أن يكون ولإبدائه أحكاما بالواقع ، وهو لذلك يترك مشكلة الأخلاق دون حلّ، ما جعل الفلسفة تتعدّى العلم الوضعي لتقيم علما «لما وراء الطبيعة» وعلما للأخلاق، وهي تعبيرات ارتبطت بالموروث الفلسفي الإسلامي – الأمر الذي يفترض متانة هذا المخزون الفلسفي في جميع تعبيراته المؤسّسة لعلوم المنهج ولأشكال الحياة الفكرية في الإسلام، سواء من خلال المدرسة الفلسفية المتأثّرة بالهيلينية، أو الكلام أو التصوّف أو أصول الفقه، وهو افتراض يقودنا إلى التفكير في إحياء الاستعمال الفلسفي الإسلامي المعاصر والإسهام من خلاله في إعطاء الإنسان بعض الفهم المتعمّق لحياته، ووعيا رفيعا لكيفية عمل المجتمع، وللإمكانية الموضوعية التي يزخر بها وجوده، وما تسمح ببروزه من بدائل ترتبط بتغيير الشروط المادية والاجتماعية لحياته، وفي ترسيم أسباب السلطة بجميع وجوهها التي بوسعها أن تحفظ سيادة الأنموذج الثقافي والحضاري لأي جماعة بشرية فاعلة في الطبيعة المادية وفي الطبيعة البشرية فعلا حقيقيا يتعين بالزمان والمكان.
يتضح حينئذ أنّ أي اتّجاه للنهوض بالأمّـة وتفعيل طاقاتها نحو استعادة دورها الثقافي والحضاري بين الأمم، يشترط بروز المشروع العقلاني الفلسفي في جميع مجالات الحياة ، إذ لا يمكن أن يتحوّل الفكر الإسلامي إلى شريك في الحوار الحضاري إذا لم تتحقق له القيمة الشمولية على الصعيد الإنساني، بتحوير أولوياته من «الفقهي الإجرائي» الذي أساسه الفتوى إلى إظهار البعد الإنساني في أنساقه وانشغالاته. وليست العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي بمختلف اتجاهاته مرادفا بالضرورة للماضوية والتقليد، بل يكون كذلك إذا عطّل إمكانات التجديد فيه.
وإنّ لمنطق السؤال عن العودة إلى التراث وجوها عديدة وأهدافا مرجوّة، لعلّ أبرزها إيجاد الترابط بين الحاضر والمستقبل والماضي، بعد الانقطاع الذي حصل بين ماضي الفلسفة وحاضرها، ويجمع التراثيون على نقطة أساسية ألا وهي أنّ العودة إلى التراث لا معنى لها، إلاّ في حالة الكشف عمّا فيه من عناصر قابلة للحياة، وليس في حالة تقديمه كما هو . فمحمد عمارة يريد من التراث قسمات «العقلانية والقومية»، وحسن حنفي يسعى إلى «المعاصرة» استنادا إلى «الأصالة»، والجابري يبحث عن «النزعة العقلانية النقدية»، وطيّب تيزيني يستقي من التراث المساهمة «في تكوين الشخصية القومية والأممية»، وحسين مروّة يريد أن يجد في التراث ثورية «تشتقّها قوى الثورة العربية المعاصرة» . وجميعهم يؤكدون رفض الانتقائية ليسقطوا فيها طالما أنّهم يريدون من التراث أشياء دون غيرها، فهم ينتقون من التراث ما يعزّز أفكارهم، وما يخدم الأساس الفلسفي الأيديولوجي الذي ينطلقون منه، ويرى كلّ منهم ما هو الأبرز في التراث الفكري الإسلامي على طريقته، ما يجعل هذه المحاولات تنحصر في رؤية جزئية انتقائية، في حين أنّ المطلوب تطوير جوانب التراث وصورته وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر .
إنّ مسألة تبلور فكر اختلافي، إبداعي عربي، تبقى رهينة بمدى تكثيف العقلانية النقدية والتعددية المنهجية بعيدا عن الانتقائية، أو الترويج الفوضوي لمفاهيم حداثية من قبيل الاختلاف غير الممنهج، الذي يفضي إلى ممارسة معرفية يائسة أساسها تفكيك كل أشكال «اللامفكّر فيه»، دون أطر منهجية أو محرّك توجيه من شأنه تنظيم إنتاج المعرفة، وتقويم أركان بنائها، والتحكّم في جدواها ومدى انتظامها، بما يحيل إلى عقلية في التأطير، وعلى نظام في التركيب وعلى بنية في التنظيم تضمن نظام إنتاج المعرفة، وتحقّق انتظام النظام وتنوّع إمكانات إنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها. وعلى قدر ثرائها الإنتاجي وفاعليتها الإنتاجية وجدواها العملية تتعيّن جودة الفكرة الفلسفية، وتتحدّد الاستطاعة المنطقية على الفهم والتفكير والتنظير والتفسير وتحقيق الإبداع، بالشكل الذي يسمح بالنظر في مناهج تحصيل المعرفة وأدواتها الذهنية والحسية تصورا وتطبيقا – بما يطال تحريك الوعي ورفعه إلى مستوى الرؤية النظرية المتناسبة مع مستلزمات التغيّر الحضاري المرجو- وبإصلاح نظم الفكر عامّة، لأنّ يكون مرافقا للإصلاح التربوي النفسي والخُلقي، من داخل أركان الممارسة المعرفية الثقافية، النظرية والعملية.
كاتب تونسي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات