عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2018

حَدَثَ ذاتَ صباحٍ خَرِيفِيّ *وليد الأسطل

 القدس العربي

يُضِيءُ لِيَ النّورُ أشياء، 
وَيُطْفِئُ أُخرَى كانَ قد أضاءَهَا لِيَ الظّلام.
ما أَجملَ مَشهَدَ النُّور، وهوَ يَقِفُ على شَفِيرِ الظّلام،
أو حِينَ يَشرَعُ في التَّفَتُّحِ مُدَاعِبا وَجْهَ الصَّباحْ؛
فَيَصْحُو الصّباحُ مُتَوَرِّدا خَجَلا..
مُتَرَدِّدا كَأَوَّلِ اِعترافٍ بِالحُبّ، 
ويَسِيرُ إلى مَجْلِسِهِ مُتَعَثِّرا كَنَظَرَاتٍ عاشِقَةٍ
يَخْشى عليها صاحِبُهَا الافتِضَاحْ.
يَفْتِنُنِي المَشهَدُ؛ فَأَتَزَلَّجُ عَلَيْهِ بِبَصَرِي
مُحاوِلا التَّمَتُّعَ بِمَفَاتِنِه، مِثلَ خَرِيفٍ ماجِنٍ يُدَاعِبُ جَسَدَ البَرِّيَّةِ؛
فَيَلِينُ لَهُ تَوَحُّشُهَا.. تَنْزَعُ عَنْهَا ثَوْبَهَا، حِينَ يُثِيرُ شَهْوَتَهَا، 
ثُمَّ يَتَوَلَّى عَنهَا حَزِينا حِينَ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ عِنِّين.
الذِّكرَيَاتُ بَقَايا الأَمس المُتَرَسِّبَة في قَاعِ الرُّوح..
تَمُوجُ مِنْ حِينٍ إلى حِين؛ فَتَجْعَلُ القَلبَ بَحْرا تُهَيِّجُهُ صُوَرٌ،
وَتُهَدِّئُهُ صُوَرْ.
أَتَحَسَّسُ جِهَةَ قَلْبِي خائفا.. يا حُبّ لَا يُوجَدُ في صَدرِي ما تَبْحَثُ عَنْه.
يُغَازِلُنِي البُكاءُ فَأَصُدُّهْ.. يَتْبَعُنِي إلى البَيْت،
ويُلْقِي بِنَفْسِهِ على شَعْرٍ يَرْقُدُ على مِشْطِ مَنْ رَحَلَت؛ فَأُغْرَمُ بِه..
أَحْضُنُهُ وَيَحْضُنُنِي.. يَقُولُ لِي: طِبْ خاطِرا؛ فَلَيْسَ الحُبُّ أَحَنَّ عَلَيْكَ مِنِّي.
أقسى الهزائم هي الهزائِمُ في الحُبّ.. تَشعُرُ بَعْدَهَا بِالضَّياع..
كأنَّ الحُبَّ مَنْ كان يَعُولُك!
أَيُّ حَظٍّ عاثِرٍ هذا؟ غُرْبَةٌ.. وِحدَةٌ، وهزيمَةٌ في الحُبّ!
كيف سَتَتَحَمَّلُ كلَّ هذا أيّها الشاعر؟
تُسْعِفُنِي قرِيحَتي: هذا مَوسِمُ هجرَةِ الحُبّ.. سَيَرْجِعُ في مَوْسِمٍ آخَر..
الحُبُّ رَاعٍ يُرَبِّي للحياةِ أبناءَها مُقابِلَ نَصِيبٍ مِنْ حَنَانِهَا، ثُمَّ يَأخُذُهُم مِنهُ المَوت، وَيَمْنَحُه نَصِيبا مِنْ قَسْوَتِه..
حَدَّادٌ يُعَلِّمُ القسوَةَ فَنَّ اللِّين؛ فَيَفْقِدُ لِينَ يَدَيْه.
القَلْبُ حَاسَّةٌ نَعْرِفُ بِهَا طَعْمَ الحُبّ.. طَعْمَ ما يُحَسُّ ولا يُرى..
حَاسَّةٌ.. تَقْرَأُ كلَّ شيءٍ في يُسْر، وتَتَهَجَّى فِرَاقَ الأَحِبَّةِ في عُسْر
كَمْ فَكَّرَ العَقْلُ وَلَمْ يَفْهَمْ!
وَكَمْ فَهِمَ القَلْبُ بدُونَ تَفكِيرٍ، وَفَهَّمَ رَغْمَ أَنَّهُ لا يُفْهَم!
فَطِنٌ كَجُرْح.. في البَدْءِ كانَ القَلْبُ جُرْحا.. خَاطَهُ الحُبُّ؛ فَصَارَ قَلْبا.
يُرْهِقُ القَلْبُ الشَّاعِرَ حُبّا؛ فَيُرْهِقُهُ الشَّاعِرُ شِعْرا.
لَمْ أَدْخُلْ البارِحَةَ مَدينَةَ النَّوْم؛ فالبَوَّابَةُ أَغْلَقَهَا الحُبّْ،
لَكِن لا بَأْس؛ فَقَدْ دَخَلَ قَلَمِي مَدِينَةَ الوَرَقْ.
يَسِيلُ صَبْرِي مِنْ شُقُوقِ تَحَمُّلِهْ..
لَقَدْ شَاخَ الأَمَلُ كَثِيرا؛ فَمَتَى يَمُوت؟
أَبْكِي وَأَبْكِي وَأَبْكِي؛ فَأَجِدُنِي كَفَفْتُ عَن حُبِّهَا!
هَلْ ماتَ حُبُّهَا فَبَكَيْت أَمْ تُرَانِي ذَرَفْتُهُ حِينَ بَكَيْت؟
سَأَسْتَسْلِمُ لِلحُبِّ أو أَفِرُّ مِنْه..
لَنْ أُرْسِلَ قَلْبِي لِمُلَاقَاتِهْ.. سَيَخُونُنِي وَيَلْتَحِقُ بِهْ؛
فَقَلْبِي قِطْعَةٌ اِغْتَصَبْتُهَا مِنْه.
يَا حُبُّ يُطارِدُكَ الجَمِيع.. سَأُقَايِضُكْ:
أُخَبِّئُكَ عِنْدِي، على أنْ أُظْهِرَكَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّكْ.
يُحَاوِلُ الحُبُّ وَهْبِي لِلزَّوَاجْ.. أَسْتَرْحِمُهُ؛ فَيَهَبُنِي لِلْحِبْر.
هُوَ ذَاكْ.. لِغَيْرِي الزَّوجَةُ وَالوَلَدْ،
وَلِي مِحْبَرَةٌ مَلْأَى وَلَوْ بِدَمْعِي.
يَا حُبُّ أَزِحْ ضَبَابَ مَشَاعِرِي، كَيْ تَسْطَعَ لُغَتِي، وَيَتَّضِحَ لِي دَرْبُ القَصِيدَة..
هَبْ لُغَتِي مَا لَمْ تَهَبْنِيه الحَيَاة.. هَبْهَا عَصَا مُوسَى، وَهَبْهَا لِلْحَيَاة.
 
٭ شاعر فلسطيني/ باريس
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات