عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Apr-2018

في وثيقة أرشيفيّة نُشرت أخيرا في العاصمة صوفيا: هل كانت المفكرة الفرنسية جوليا كريستيفا عميلة للمخابرات البلغاريّة؟

 «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: يعيش الوسط الثقافي والإعلامي الفرنسي هذه الأيام هزّة عنيفة بسبب وثائق تاريخية (تضم مئة وستّين صفحة) كشفت عنها اللجنةُ البلغاريّة المكلّفة بنشر الأرشيف الشيوعي يوم الجمعة الماضي، وفيها تأكيد أنّ المفكِّرة والمحلّلة النفسية الفرنسية من أصل بلغاري، جوليا كريستيفا، كانت عميلة في جهاز المخابرات الشيوعية (KGB) في بلغاريا تحت كُنْية «سَابِينَا»، وأنّ مهمّتها تمثّلت في اختراق الوسط الفنّي والثقافي الفرنسي كالجامعات، ومراكز بحوث، والندوات، ووسائل الإعلام، والإخبارِ عمّا يمور فيها من اتجاهات متّصلة بالمدّ الشيوعي، وبحركات المقاومة، وبالتيارات السياسية، وبالجماعات الماويّة، لأنّ «لديها فرصا جيّدة للعمل مع الفنانين الفرنسيين» و«بإمكانها أن تعمل داخل الأوساط الثقافية الفرنسية» على حدّ ما جاء بالصحافة الفرنسية التي ننقل منها هذا الخبرَ. ومعروف أنّ كريستيفا (76 عاما) هي زوجة الكاتب الفرنسي فيليب سولرس، وصاحبة المؤلَّفات الفكريّة الهامّة على غرار «سيميوطيقا» و«سلطات البشاعة» و«اللغـــة المتعددة» و«عبقرية النساء»، كما كانت عضوا في مجلة «تل كلـ« ولها صلات ثقافية مع نخبة الفكر الفرنسي في ثمانينيات القرن الماضي أمثال فوكو وجنيت وبارت الذي وصفها مرّة بـ«الغريبة».

 
خطأ آخرِ العمر
 
بدأ كلّ شيء في هذه الهزّة الثقافية عندما رغبت جوليا كريستيفا في تحرير مقالات باللغة البلغاريّة لإحدى المجلاّت في مدينة صوفيا تسمّى « Literaturen Vestnik» (المجلّة الأدبيّة)، ومن شروط هذه المجلّة أن تبحث في تاريخ مَن يكتب فيها إذا كان مولودا قبل عام 1976. وهو ما أجبر إدارتَها على طلب أرشيف كريستيفا من لجنة الأرشيف الشيوعي البلغاري، وحدث خطأ آخر في العُمر: حيث ظهرت الوثائق كاشفة عن سِرٍّ ظلّ مخفيّا منذ 21 حزيران /يونيو 1971 تاريخ انتدابها من قبل المخابرات الشيوعية البلغارية واستمرّت في العمل بها إلى حدود 1973. وقد وصفتها وثيقة بتاريخ 1984 بأنها «قد بدأت في أواخر عام 1971 بتوفير بعض المعلومات الشفهيّة حول المهاجرين، والمنظمات العربية التقدمية، بما في ذلك الفلسطينية، وأنشطة الجماعات الماوية»، ولكنها كانت «غير منضبطة للغاية» و«تتلاعب بمواعيدها» كما جاء في تقرير الضابط المسؤول عنها، الذي أضاف أنّ كريستيفا «قدمت معلومات شفهية، غير مثيرة للاهتمام»، ووصفها بأنها «امرأة ذكية، كانت تعرف جيدا ما تفعلـ«. 
وفي هذا الشأن قالت إيكاترينا بونتشيفا، عضو اللجنة البلغارية لنشر الأرشيف، إن «تعاون جوليا كريستيفا مع الكي جي بي ليس موضع شك»، وكان ذلك «بدافع رغبتها في تطوير مهنتها ولم يتم الضغط عليها». وأرجعت اعتماد كريستيفا على الشفهي في نقل تقاريرها، وعدم وجود وثيقة بخطّ يد كريستيفا إلى كونها «كانت حريصة على حماية عائلتها». وهذا ما يُشير إليه تقرير كتبه الضابط أنتونوف المكلّف بالتواصل معها في نيسان/ أبريل 1976: «من الواضح أنها لا تريد إلاّ إحضار والديها إلى فرنسا، وهي تُحاول التصرف بطريقتها المميزة، أي الحصول على شيء دون أن تُعطي لنا أي شيء في المقابلـ«. وقد لاحظ العملاء البلغاريون الذين راقبوها أنها ترى في «الاشتراكية السوفييتية إيديولوجيا غير مناسبة للمجتمعات الغربية». وأنّ «الجوّ العامّ في بلغاريا مُحبط جدّا، بسبب أن كل الفكر الحر قد أُلغيَ». ولا تُخفي هذه الوثائق التي نشرتها لجنة الأرشيف الشيوعي البلغاري على موقعها الإلكتروني حقيقة أنّ كريستيفا كانت «تثق في أجهزة المخابرات» التي ساعدتها على السفر إلى فرنسا والإقامة فيها، كما مكّنت أفراد عائلتها من زيارتها بباريس رغم صعوبة تحقّق ذلك بالنسبة إلى مواطني بلغاريا في تلك الفترة.
وتشير هذه الوثائق إلى أنّ جزءا من اتصالات المفكِّرين البلغاريين الشباب بفرنسا، ومنهم كريستيفا، مع العملاء السريّين المشرفين على توجيههم كانت «مجرّد ملاحظات بسيطة» تخصّ الدوائر الثقافية واليسار الفرنسي في أوائل السبعينيات، مثل رد فعل اليسار الفرنسي للتدخل السوفييتي عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا. وكانت إحدى مهمّات كريستيفا التي كلّفها بها الضابط بوجيكوف، هي «التعرّف على المراكز الأيديولوجية في فرنسا التي تؤدي إلى تقويض بلغاريا والمعسكر الاشتراكي». هذا إضافة إلى النشاط السياسي للعرب المقيمين بفرنسا، حيث جاء في إحدى الوثائق أنّ «هناك عددا من مراكز الدعاية الفرنسية المحكومة بأيدي منظمات صهيونية، وهو ما يفسر تنامي دعم المواقف الفرنسية المؤيدة لإسرائيل، ويفسّر فشل الإجراءات الدعائية المؤيدة للفلسطينيّين». وقد سارعت جوليا كريستيفا إلى تكذيب ما جاء بهذه الوثائق، واعتبرت أنّ هذه الادعاءات «ليست مزعجة وباطلة فحسب، وإنّما هي «تشهيرية»، وأضافت قولها بأنّ «هناك شخصا مّا يريد أن يؤذيني». 
وعن سؤال «القدس العربي» للكاتب والإعلامي الجزائري سعيد خطيبي الملمّ بالشأن الثقافي في بلدان البلقان عن مدى صحّة هذه المزاعم قال: «قرأت الخبر. واستغربت أن يصدر عن صحيفة «لونوفيل أوبسرفاتور» المعروف عنها نزاهتها التي لم تحقّق سبقا إعلاميا بحكم أنّ الوثيقة قد نشرتها، قبلها، مجلة بلغارية – يمينية (وهنا يكمن الفخ!). لا أعرف منذ متى صار الانتماء لحزب شيوعي يعتبر عمالة؟ مع العلم أن الانضمام للحزب كان أمرا إلزاميا في بلغاريا سنوات السبعينيات. وإذا صدقنا هذا المنطق التعسفي سنسمع قريبا التهمة موجهة إلى روح تودوروف وإلى إسماعيل كاداري وكثير من كتاب أوروبا الشرقية. كما أن مسألة تجنيد كتّاب في الحرب على الشّيوعية أمر معروف، ومن بينهم هؤلاء كاتب حاز جائزة نوبل. لكن الحقيقة التي تحاول الصحف التغاضي عنها، هي أن كلّ شيء بدأ بعد أن أعلنت مجلة أدبية بلغارية تعاقدها مع كريستيفا لكتابة مقالات دورية، بلُغتها الأمّ، وعن الوضع في بلدها. وهو أمر لا بد وأن يزعج بقايا النّظام القديم. ثم برأيكم هل يمكن لشخصٍ مثل فيليب سولرس (وهو واحد من عرّابي سان جيرمان) أن يغيب عنه ماضي شريكة حياته؟».
 
المخابرات تصنع الفلاسفة
 
إنّ تكشّف أسرار العالَم الآن أمرٌ مفجِع أحيانا، لأنه يضعنا في مواجهة مع تصوّراتنا عن المثقّفين والفلاسفة الذين مثّلوا دعامة النهوض الحضاري للإنسانية في أزمنتهم، وكانوا دعاة تحرّر من قيود المألوف بكلّ سلطاته المادية والرمزيّة، ويخلق فينا حيرة بين تفكير هؤلاء المنشور في كتب وبين خضوعهم إلى توجيهات مخابراتية تُملي عليهم نمط سلوكهم وتحدّد لهم مهمّاتهم. من ذلك ظهور وثيقة لوكالة المخابرات المركزية (CIA) مؤرّخة في كانون الأول/ ديسمبر 1985 وتضمّ خمس عشرة صفحة بعنوان «فرنسا: انشقاق المثقفين اليساريين»، تؤكّد اهتمامَ هذه الوكالة بالمفكرين الفرنسيين، وعلى وجه الخصوص، أولئك الذين كان يُطلق عليهم «الفلاسفة الجدد» والذين يُعتبرون حلفاء موضوعيّين لأمريكا، على غرار كلّ من برنارد هنري ليفي وأندريه غلوكسمان. وقد جاء فيها أنّه تمّ توجيه الفلاسفة الجدد إلى أن يصبحوا شخصيات إعلامية مثيرة، يدافعون عن وجهة نظرهم في برامج التلفـــزيون أو الإذاعة. غير أنّ تأثيرهم كان سلبيا في البداية، إذْ لم يكن لديهم الكثير ليقدموه خاصّة من حيث الاقتراحات العملية لخلق برنامج سياسي فرنسي جديد.
وتهنّئ السي آي إيه نفسها على «المناخ الفكري الجديد» الذي خلقته في فرنسا: «فقد أصبح برنار هنري ليفي مديرا لسلسلة فكرية تصدر عن دار غراسييه ـ وهي واحدة من أكبر دور النشر في فرنسا – حيث تمكن من ضمان الوصول السهل لآراء الفلاسفة الجدد إلى الجمهور».
وتصف هؤلاء الفلاسفة الجدد بكونهم «يدعمون الاشتراكيين المعتدلين الذين يكافحون من أجل تشكيل تحالف يساري وسطيّ»، ومهمّتهم هي أن «يُعارضوا أي جهد من جانب الاشتراكيين المتطرفين لإحياء الاتحاد السوفييتي».
وتثمّن وكالة المخابرات المركزية دور الفيلسوفيْن برنارد هنري ليفي وأندريه غلوكسمان في دعم السياسة الأمريكية: من ذلك أنه «في فرنسا، كانت معاداة أمريكا تصل في السابق إلى دوائر عليا من النظام السياسيّ، وكان يُنظر إلى معاداة أمريكا على أنها علامة دالّة على الثروة الفكرية، وعامل تمييز بين المفكرين والناس العاديين. غير أنّه بفضل هذين الفيلسوفين أصبح «عداء أمريكا» نوعا من الفظاظة. وصار امتداح سياسات الحكومة الأمريكية علامة لعقل متنوّر ومتحرّر.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات