عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Mar-2017

دور الرفاق في تكوين شخصية الطفل
 
عمان-الغد-  يشكل الرفاق أحد عناصر البيئة الاجتماعية فائقة التأثير على تكوين شخصية الطفل، فهل يستوجب ذلك على الأهل التدخل في اختيار هؤلاء الرفاق، أم يستحسن كما يرى البعض، ترك الولد يعاشر من يشاء حتى يختبر الحياة أكثر؟
الجواب هو: لعلَّ أخطر دور تلعبه البيئة الاجتماعية في تربية الطفل يكون من خلال عشرته لرفاق السوء؛ وسبب ذلك أن للرفاق على الإنسان تأثيراً كبيراً، الأمر الذي يعرض الطفل للخطر لدى مصاحبة هؤلاء الرفاق، باعتبار أن حجم التأثير السلبي لأي سلوك أو فكرة قد يكون كبيراً بحيث تصعب مقاومته من قبل الطفل نفسه.
ولكن هذا لا يعني كبح حرية الطفل في مخالطة الرفاق والأصحاب، بل يؤكد ضرورة أن نرسِّخ لديه القناعة ببعض القيم والمثل قبل أن نترك له حرية خوض تجربته الخاصة. إنّ علينا ألا نحاصر الطفل ونخنقه بحيث نكون معه دائماً عندما يلعب ويلهو، أو عندما يسبح، أو عندما يخرج مع رفاقه، ولكن علينا أن نعمل على تحصينه بحيث نؤصل في قناعاته من القيم الروحية والأخلاقية ما يستطيع أن يقاوم به التأثيرات المضرّة، إضافةً إلى توفير الظروف الاجتماعية الملائمة التي تجعل الطفل ينسجم بشكل عفوي مع من نحب ونرغب من الرفاق. نحن لسنا مع إلغاء حرية الطفل.. أو تحجيم إرادته، لكننا مع تحصينه بحيث نولد لديه القناعات التي تحمي سلوكه من الانحراف، وتصون حريته من التحول إلى فوضى يختل بها نظامه الحياتي. وفي كل الأحوال، يجب ألا نترك الطفل وهو يُمضي وقته مع رفاق السوء بحجة حريته في الاختيار وتركه يجرب ليتعلم.
فوائد الرفاق والاختلاط مع الأطفال:
- تساعد على نمو الطفل الاجتماعي والخلقي؛ إذ إنه يتعلم الأخذ والعطاء كما يتعلم أن يُكيف نفسه مع الآخرين من خلال التجارب، فإذا اعتدى على غيره اعتدى الآخرون عليه، وإذا أراد لعبة رفيقه وامتنع رفيقه عن إعطائه إياها فإنه لن يتنازل عن لعبته، بالمثل، في مناسبة قريبة، وهكذا يكتسب كثيرا من الخبرات الضرورية لتعويده التحمّل والصلابة وعدم الأنانية.
- الصداقة بين الأطفال الذين هم في سن واحدة تعود عليهم جميعا بالنفع في هذه السن المبكرة من بث روح التعاون والعطاء، وإحساسهم، بأنهم جميعا روح واحدة وفريق واحد.
- يتعرف الطفل على مجموعة معينة من الأطفال ليس للعب فقط، إنما يتعداها للتفاعل المتواصل والتعايش معاً معظم الوقت.
إن مصاحبة الأطفال لمن يختلفون عنهم سنا لا تخلو من فائدة كذلك، فالطفل الذي يقضي وقته مع أطفال أقل منه سنا ينمو عنده الإحساس بمسؤولية حمايتهم، والطفل الذي يلعب بين وقت وآخر مع أطفال أكبر منه سنا يتعلم منهم كثيرا عن طريق التقليد والمشاهدة.. ومع ذلك فإن دأب الطفل على اللعب مع من هم أكبر ربما يجعل منه تابعا، وكثيرا ما يقاسي من الكبت.
وفي المقابل، إذا اعتاد طفل مصاحبة من هم أصغر منه سناً فإنه سيملي عليهم إرادته باستمرار، وذلك أمر غير مرغوب فيه في تنشئة الطفل وتكوين شخصيته؛ إذ يحتمل أن يعوده ذلك على أن تقوم علاقته بغيره دائما على أساس أنه القائد بدون بذل مجهود فعلي ذي بال من ناحيته.
ومن الصعب حقاً، في كثير من الأحيان، أن نجد الصحبة المناسبة ومجموعة الأطفال المتقاربة في السن والعقلية والقدرات التي يمكن أن يتوافق معها الطفل في لعبه، وهنا يبرز دور الحضانة أو المدرسة.
ففي الحضانة أو المدرسة يتعرف الطفل إلى مجموعة معينة من الأطفال تستمر العلاقة بينهم ولا تقتصر فقط على اللعب معاً، بل تتعداها إلى التفاعل المتواصل والتعايش معاً في فترة النهار بدار الحضانة، ومن أجل هذا يستفيد الأطفال من وجودهم معا في دور الحضانة أكثر من وجودهم في مجموعات الأقران الذين يتعرفون عليهم في الحدائق العامة مثلاً، والذين يتغيرون من يوم إلى آخر.
ومن حسنات الرفاق في المجتمع المدرسي:
- يشارك الطفل زملاءه في الأنشطة المدرسية.
- يشعر بتقدير الذات عند كل إنجاز. 
- يصبح الطفل أكثر مرونة لأنه لا بُدّ من أن يتكيّف مع المجموعة. 
- يتوحد مع الجماعات الفكرية والأدبية والدينية والرياضية والفنية في المدرسة من خلال لجان النشاطات المدرسية. 
- يميل إلى مسايرة وفهم اتجاهات جماعات الرفاق.
ومن أهم مضارها:
أن يكون الرفاق من بيئة لها مواصفات سلبية تخاذلية، أو أنانية، أو عدوانية، أو...الخ، مما يؤثر سلباً على أبنائنا؛ لذا  يجب أن يكون الأهل يقظين، وأن يتعرّفوا إلى رفاق أبنائهم والبيئة التي ينتمون إليها، ولا مانع من دعوتهم إلى منازلهم لمعرفتهم عن قرب.
وحتى تتضح الصورة أكثر، سأدخل في شرح تفصيلي لمخاطر رفاق السوء على الأبناء، وأُتبع ذلك ببعض النصائح لتفاديها وشرح ما يمكن أن يترتب عنها.
مخاطر رفاق السوء
تتنوع مخاطر رفاق السوء التي من الممكن أن تؤثر على أبنائنا في علاقتهم معهم وتغزو شخصية الابن أو البنت بكل مداخلها، وحتى نقاطها الصغيرة، وطبعاً الخطورة تتنوع بحسب رفيق السوء، فمنهم الفاشل في الحياة، ومنهم الفاشل في الدراسة، ومنهم من يسير في دروب الظلام.
- تغيّر تدريجي في سلوك الأبناء ما يلبث أن يصبح تغييراً كلياً في طباعهم، وسلوكهم، وطريقة تعاملهم مع بقية أفراد الأسرة بشكل سيئ.
- إن فشل رفاق السوء في الدراسة ينتقل إلى الأبناء. فرفاق السوء يريدون لرفاقهم أن يفشلوا مثلهم ولا يحبون لهم الخير، وكثيراً ما يدفعونهم إلى الابتعاد عن الدراسة أو الهروب من المدرسة والتوجّه إلى أماكن أخرى وبؤر موبوءة، وهذا نتيجته الحتمية الفشل الدراسي.
- إذا كان رفيق السوء مدمن مخدرات أو مروجا، فإنه سيسعى إلى رفيق له في نزواته فيتبع أسلوب الإغراء والترغيب مع رفاقه ليدخلهم إلى عالمه.
- هناك رفاق سوء يحبون بل يمتهنون السرقة وإن استمرت علاقتهم بالأبناء، ففي نهاية الطريق سيدخل الأبناء عالمهم وفي الأغلب سيمارسون السرقة معهم.
- نلاحظ أحيانا رفاق سوء، في عمر المراهقة وما فوق، يسعون خلف الفتيات، ويبذلون جهداً كثيراً لإغواء أبنائكم ودفعهم للسير في طرق اللهو والمجون، ومعلوم أن المراهق يعيش مرحلة خطيرة جداً ويمكن أن ينساق بسهولة خلف هذا الأمر، وفي النهاية سيكون الوضع خطيراً جداً، وكم سمعنا عن أبناء دمّرهم رفاق السوء ودفعوهم إلى السير في دروب مظلمة أفضت بحياتهم إلى الجحيم الدنيوي.
- رفيقة السوء يكون تأثيرها قويّا جداً على الفتاة وستسيء إليها وإلى مكانتها في المجتمع، وكم سمعنا عن حوادث لفتيات خسرن أغلى ما لديهن بسبب رفيقة سوء أبت أن تحتفظ رفيقتها بعفتها وأرادتها مثلها بكل شيء.
- رفاق السوء بكل بساطة سيبددون جهود الأهل التي استمرت لسنوات في تربية الأبناء، وكأنها لم تكن يوماً. وليس في ذلك مبالغة تكبير لمخاطر الرفاق السيئين، بل هو غيض من فيض ذلك التأثير السيئ على الأبناء، ولكن رغم خطورة الأمر فإننا حين نمتلك الحكمة سنتمكن من رؤية نقاط مضيئة مهمة يمكن الاهتداء بها لاستغلالها لتحصين أبنائنا ضد أي من مخاطر رفاق السوء.
وهذه بعض النصائح للآباء
- المراقبة والمتابعة المستمرة من قبل الأهل لرفاق الأبناء ومحاولة جمع معلومات عنهم، ليعرفوا طبيعة وسلوك هؤلاء الرفاق وهل يصلحون رفاقاً للأبناء أم لا؟ وأي إهمال لهذا الأمر له تداعيات غير مرغوب فيها على الإطلاق.
- التربية السليمة وفق القواعد التربوية الصحيحة تمنح الأبناء نضجاً، وقوة في شخصياتهم وتنمي قدراتهم الذهنية إلى درجة تمكنهم من الحكم على الرفيق تلقائياً، لذلك كلما كانت تربيتنا لأبنائنا مستوفية شروطها السليمة تمكنا من تحصين أبنائنا ضد مخاطر الآخرين من رفاق السوء.
- يجب أن يكون هناك دوماً جلسات حوار بين الأهل والأبناء نرشدهم إلى السبل الصحيحة ونوعيهم بالمخاطر المحتملة من رفاق السوء، ونمكنهم من رؤية الأمر من أكثر من جهة، إضافة إلى تدعيم أقوالنا بقصص واقعية حصلت للآخرين بسبب رفاق السوء.
- ينصح بشدة بعدم اتباع أسلوب عنيف لإبعاد الأبناء عن الرفاق لأن هذا الإبعاد سيكون ظاهرياً فقط لأنه لم يبنَ على قناعة ذاتية، بينما هم في الواقع سيلتقونهم وسيتصلون معهم بأكثر من وسيلة اتصال، ولذلك على الأهل أن يجمعوا عن رفاق السوء هؤلاء معلومات وأدلة مقنعة يقدموها للأبناء لإظهار حقيقة الرفاق السيئة أمامهم.
- كن صديقاً لابنك وكوني صديقة لابنتك وحطموا الحواجز فيما بينكم لأن الأبناء إن شعروا بأن الأهل أصدقاء لهم لا أولياء أمور فإنهم سيندفعون إلى البوح لهم بأمورهم كافة، وسيطلبون المشورة منهم في كل ما يعترض طريقهم، وكذلك سيكون الأهل على اطلاع تام على أحوال الأبناء، وعلى خططهم، والحوادث التي يتعرضون لها.. وهذا سيسهل عليهم التوعية والإرشاد والتدخل لإنقاذ الأبناء قبل فوات الأوان.
- لا تتجسسوا على أبنائكم، بل راقبوهم عن بعد خارج المنزل إن كان يتملككم الشك أن رفاقهم سيئون يدفعونهم إلى دروب مظلمة.
- عند ملاحظة أي تغيُّر سيئ في سلوك الأبناء، فهذا مؤشر سلبي يجب معالجته فوراً ومعرفة أسبابه، وهل هم يُقلدون رفاقهم أم ذلك عائد لأسباب أخرى؟
- العمل دوماً على أن يكون هناك استقرار مادي وعاطفي داخل المنزل، والسبب أن الحالة المادية المتردية وكثرة المشاكل الأسرية يدفعان بالأبناء إلى الهروب خارجاً والارتماء في أحضان رفاقهم السيئين الذين ينتظرون هذه الفرصة بفارغ الصبر ؛ حيث سيستغلون الضائقة المالية أو الضائقة العاطفية لأبنائكم ليدفعوهم نحو بوابة الظلام.
يقول المثل: "قل لي من صديقك أقل لك من تكون"، فالصديق هو مرآة الشخص وإن أحسن الأبناء اختيارهم ارتفعوا معه، وإن كان الاختيار فاشلاً انحدروا معه.. والحذر مطلوب من الأهل دوماً حتى نتمكن من أن نقود أبناءنا نحو مستقبل واعد لا تشوبه شائبة، وعليكم الأخذ بعين الاعتبار أن هناك رفاقا رائعين يقدمون الكثير من الفوائد للأبناء، ومع هؤلاء الرفاق يجب علينا دوماً العمل على دفع الأبناء لتقوية الروابط معهم.. فهم رفاق بناؤون وليسوا رفاقاً هدّامين.
 
عبد العزيز الخضراء
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات