عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

العنف ومقاومته في «جُوّنتنامو» يوسف زيدان

القدس العربي-بوشعيب الساوري
 
تتسم الرواية كجنس أدبي بقدرتها على التقاط صوَر الإنسان داخل العالم وهو يواجه مصيره دون سند. عبْر إحضار تجارب ومصائر إنسانية تستولد منها صوراً للمعرفة بحالات الإنسان الوجدانية العميقة، وما يعتمل في الذات من أفكار وتمثلات واستيهامات وأسئلة وهي تواجه سطوة واقعها وعلاقاتها المعقدة، سواء مع ذاتها أو مع غيرها، كما تضع اليد على الكيفية التي تتفاعل بها الذات مع كل ما تخضع له من أفعال وممارسات وإكراهات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، وتحاول كشفها عبر إواليات تخييلية، تشكل ما يُمكن تسميته بـ«المعرفة الروائية» للإنسان وهو يواجه ما يعترضه من إكراهات.
وتتميز الكتابة الروائية عند يوسف زيدان بكونها «معرفة» من داخل العوالم التخييلية، تسمح بالخوض في قضايا وإشكالات إنسانية شائكة، يستثمر فيها خبراته المعرفية والفكرية، ويكيّفها مع خصوصيات التخييل الروائي المغرق في النسبية واللايقين، ليتيح للقارئ «معرفة» تخييلية محايثة للتاريخ، تقدّم رؤى للعالم في نسبيته وتغيّره المستمر، كما تجلّى في روايتيه «عزازيل» (2008) و»النبطي» (2010).
تُسلط روايته الجديدة «جُوّنتنامو»، التي هي جزء من ثلاثية متصلة ومنفصلة في الآن ذاته، إلى جانب «محال» (2012) و»نور» (لم تنشر بعد)، الضوء على ممارسة العنف الأعمى على المعتقلين في سجن «جُوّنتنامو» الذي أنشأته الولايات المتحدة الأمريكية بعْد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما جرّته وراءها من ويلات وحروب عشوائية وعنف واعتقالات تعسّفية، وتبرز لنا كيفية مقاومتهم لذلك العنف؛ من خلال تجربة واحد منهم وهو صحافي سوداني، تم اعتقاله خطأ، فقضى سبع سنوات هناك. لتُدخلنا الرواية في رحلة وجدانية مع هذا البطل وما عاناه من أغرب أشكال العنف النفسي والجسدي والإعلامي، لنيل الاعتراف منه بانتسابه إلى «القاعدة»، وكيف استطاع أن يواجه، انطلاقا من قدراته الذاتية البسيطة، جبروت عنف من يعتبر نفسه «شرطي العالم»، وأيضاً عنف بعض من كانوا معه في الاعتقال، الذي وصل إلى درجة التشكيك في إيمانه واتهامه بالكفر.
وتُظهر لنا الرواية كيف يكون الإنسان أقوى من ظروفه، ويتمثل ذلك في قدرته على مواجهة كل ما يُدبّر له من عنف أقوى دولة في العالم، عبر تفعيله لقوى مقاومة داخلية، روحية كالحلم والذكريات والتواصل الصوفي والصلوات والتخيلات، وعقلية كالحجاج، وإرباك المحاور أثناء التحقيق.
على الرغم من كون هذه الرواية تحكي عن الاعتقال وأصناف التعذيب التي تجرّعها البطل، ومن كان معه من المعتقلين، بالإضافة إلى ما تعرّض له من عنف من قِبَل بعض المعتقلين لأسباب مرتبطة بسوء الفهم وغياب روح الاختلاف وتقبّل الآخر كما هو، فإن ما توليه أهميتها هو أشكال مواجهة البطل لهذا العنف، انطلاقا من فكرة ثاوية وراء هذا العمل الروائي، وهي أن الإنسان يبقى أقوى من ظروفه. وبذلك ركّزت الرواية، بشكل خاص، انطلاقا من ذات البطل، على مختلف الأساليب الذاتية التي استطاع من خلالها مواجهة آلة تعذيب لا تقهر، سخرت كل إمكاناتها لإخضاعه وإجباره على الاعتراف. وقد توجّهت المقاومة في الرواية إلى الآخر الأمريكي، الذي يسلِّط عليه العنف، ومقاومة عنفه بكل أشكاله المادية والمعنوية وتمثلاته وتصوراته الخاطئة عن ثقافة المعتقِل ومقاومة الآخر المعتقَل (الإسلامي)، الذي يُفترض فيه أنه يشكل مع البطل وحدة ثقافية وعقدية، بتفكيك أسباب عنفه وهشاشة وتناقض منطلقاته ونظرته لذاته وللآخر المسلم وغير المسلم، وما يترتب عنها من عنف وعنف مضاد.
فرَض العنف المسلَّط على المُعتقل، من قِبَل الجنود والحرّاس والمحققين من جهة، ومن بعض المعتقلين من جهة أخرى، الاعتماد على وسائل ذاتية للتصدّي للعنف ومقاومته. وقد اتخذت المقاومة في رواية «جُوّنتنامو» عدة أشكال اختلفت بحسب حالات ومواقف وأوضاع السارد البطل. ويمكننا رصدها كما يلي:
الصلوات والدعاء: يجد السارد في الأدعية ومناجاة ربه وقراءة القرآن والصلوات، سندا روحيا يستمد منه القوة لمواجهة ما يتعرض له من عنف، كما خلق حوارا بين الآيات القرآنية التي تخفف عنه المحن، سواء حين يكون تحت التعذيب الجسدي أو النفسي أو أثناء التحقيق، ويتأمل فيها وضعه، إذ كان يجد فيها مواساة، كما يطلب من الله أن يرفع عنه محنة عنف الجنود والحراس، وتصل في بعض الأحيان إلى أسئلة عن عدم استجابة دعواته، حينما يتجبّر عليه العنف مظهرا مدى الضعف الذي وصل إليه. ويستوحي بطريقة غير مباشرة الكثير من قصص الأنبياء ليستلهم منها القوة لصدّ ما كان يخضع له من ممارسات لاإنسانية من بشر عدموا الإنسانية.
التخيلات: تسامياً على وضْعه المغرق في التأزم النفسي والجسدي، كان السارد يرتمي في تخيلات يحقق فيها ما يعدمه في واقعه، كالنّيْل من معذبيه، من ذلك مثلا قوله: «تخيلت أن الله أعطاني من لدنه قوة خارقة فمزقت قيودي وخرجت أفتش عن مشرّس الكلاب حتى وجدته مستلقيا على كومة من ركام قديم [...] بالقوة الإلهية سحبتُه من قدمه، فمسحت به الأرض حتى وجدت سكينا طويلة ملقاة فوق أحجار، فالتقطتها. جثوت فوقه وهو عار ومشلول مثل جثة بلا حراك، ورحت أضرب مؤخرته بذؤابة السكين، فتنغرز فيها وينفجر منها الدم من حولنا». وأيضا أحلام اليقظة التي كانت تمكنه من تجاوز محنته؛ كلقاء زوجته مهيرة التي تركها في الدوحة. وكذلك من خلال حواراته الصوفية الخيالية، في النوم واليقظة، مع الشيخ «نقطة» التي كان يجد فيها ما يؤنس وحدته ويوضح ما التبس حوله.
التذكر: حينما تشتد أزمته يستعيد ذكريات من طفولته بطرافتها وغرابتها للتخفيف من محنته النفسية، ويتمنى لو كان بإمكانه العودة إليها والبقاء فيها هربا من واقعه المأزوم.
السخرية: تُعدّ السخرية في جوهرها أداة للمقاومة، وتظهر في الرواية حينما يضع السارد البطل اليد على بعض أفعال الجنود والحُراس الباعثة على السخرية، التي تحط من قيمته لدى الأنا؛ ومن ذلك قوله ساخرا من تقييده وهو على سرير المرض في المستشفى: «كانت قبضتي اليمنى وقدماي مقيدة بسلسلة إلى قوائم السرير، وحزام بلاستيكي يشد وسطي إلى وسط سريري. كأنهم يخشون طيراني». ويتم أيضا استثمار السخرية في وصف بعض حالاته بهدف التخفيف من قسوة ما يعانيه من محنة: «أخرجنا الحراس إلى الفناء بسلاسل لامعة جديدة دقيقة الحجم، تمسك القدمين بيسر، لو رأتها الفتيات في قرانا البعيدة، لاتخذن منها الخلاخيل زينة».
إظهار جهل الآخر: من خلال حوارات البطل مع الحراس والمحققين والأطباء، يبرز جهلهم ببعض الأمور البسيطة؛ كعدم معرفة الطبيب جون رايت أين تقع مدينة الدوحة. يقول: «إنهم مهما بهرجوا بقوتهم الغشوم، فهم في خاتمة المطاف قوم لا يفهمون ولا يعرفون أنهم لا يعرفون». فيظهر الآخر بمظهر الجاهل من خلال نوع الأسئلة التي كان يطرحها عليه المحققون. يقول: «فيسألون لماذا أنت مسلم ولماذا المسلمون إرهابيون؟ كيف يعيش المصريون في الكهوف والصحراء؟ ولماذا يختنون البنات؟ وما سر تقديس المسلمين للقرآن؟ وغير ذلك من الأسئلة الدالة على الجهل المستحكم وعلى ضحالة معرفتهم بغيرهم».
الوصف المقاوم: من خلال الأوصاف التي كان يلصقها بالجنود والحراس والمحققين، وهي تعبر عن رد فعل تجاه السلوك العنيف واللاأخلاقي لبعض الحراس. فيشبهه بالحيوان إذ تجرده أفعاله من الانتماء إلى الإنسانية منها: «شبيه فرس النهر». «منهم حارس قوي الكتفين كالخرتيت». كما يعمل على إظهار الآخر المعذِّب له في صور بشعة تروم التنقيص منه كنوع من المقاومة: «فصارت له هيئة الضباع حين لا تجد طعاما». ويقول: «ثم بدا كالذي لدغته عقرب». ويقول: «وهم خاسئون يلهثون كالكلاب».
الصمت: كان الصمت شكلا ناجعا من أشكال مقاومته، رغم عنف الآخر، وتجلى في امتناع السارد عن الكلام أثناء التحقيق، وقد كان بمثابة عنف مضاد على المحققين. يقول: «فلم أرد عليها بكلمة واحدة، ولم أظهر الجزع حين نخسني الحارس من خلفي بمقدمة البندقية لأنطق فما نطقت، مع أن أذيته كانت مؤلمة.. راح المحققان يراودانني عن صمتي [...] لم تنجح صفعاتهم التالية بإنطاقي بأي شيء».
الرد بالعنف الجسدي: كتعنيفه لأحد المحققين الذي نعت زوجته مهيرة بالعاهرة الرخيصة، يقول مصورا أثر عنفه عليه بأسلوب ساخر: «نهضت إليه بأصفادي ونطحت جبهته برأسي المتيبس اليائس، فانفجر منه الدم وراح يصرخ مثل امرأة منعمة رأت تحت لحافها ثعابين تسعى».
نقد الآخر: حينما تتاح للسارد الفرصة ليعبر عن رأيه، كما حدث له في حواراته مع الطبيبة سارة، يحاول السارد دوما إبراز عبثية المعتقل ولا جدواه، من خلال عمل الجنود والحراس وشعورهم بالملل. لينتقد سوء تدبير مشكلة الإرهاب، انطلاقا من نتائجها السلبية، وما ولدته من ردود أفعال أعنف كالاعتقال العشوائي الذي كان السارد واحدا من ضحاياه.
دحض الصور النمطية: كما يقاوم البطل، إلى جانب عنف الآخر المادي والمعنوي، تمثلاته الاستشراقية وصوره النمطية الثابتة عن الأنا الجمعية عن الثقافة العربية الإسلامية، التي توجه مواقف الغرب من العالم الإسلامي. ونقدها في حواراته مع المحققين ومع الأطباء ورجال المخابرات والحراس، وتكذيب الكثير من المغالطات المتعلقة بها، عبر أسلوب حجاجي يربك الخصم ويظهر هشاشة مواقفه. وحينما كان يرتاح لبعض الحراس يدخل معهم في حوار يحاول من خلاله تصحيح الكثير من التصورات التي يكونونها عن المسلمين.
كان من نتائج هذه المقاومة اعتراف غير مباشر من معتقِلِيه بأنهم أخطأوا في حقه، رغم الحل الذي انتهى إليه البطل، إذ انتهى إلى انتصار رمزي باستماتته ومواجهته للعنف دون أن يعترف بأفعال لم يقم بها، ولو أنه تنازل عن حقوقه المتمثلة في المتابعة القانونية لمعتقليه، لإعادة الاعتبار لذاته بعد سبع سنوات من الاعتقال.
لم يقاوم السارد فقط عنف الآخر المعتقِل، وإنما قاوم أيضا الآخر العربي المسلم، من خلال نماذج من المعتقَلِين، انطلاقا من كون المقاومة «إتاحة الفرصة وفسح المجال لذلك الممكن، كي يضفي النسبية على الإطلاق، والتغير على الثبات والشك على اليقين». فقدم بورتريهات عن المعتقلين بموضوعية سلّط فيها الضوء على حياة المعتقلين ونضالهم وعلاقاتهم وصراعهم ومصائرهم، وحاول إبراز عيوبهم وانتقد بعض مواقفهم العنيفة، في إطار نقده للفكر الإرهابي، كما وجه سهام نقده لبعض مواقفهم الفكرية والعقدية التكفيرية، كحكاية التونسي محب الحور باتهامهم له بالزندقة نتيجة التعذيب الجنسي الذي كان ضحية له. وأيضا من خلال موقفهم من السارد البطل حين ناقش مسألة علم الجن بالغيب، كانت نتيجتها اتهامه بالشرك. ولم يتوان السارد في نقد أفكارهم وتخريفاتهم، ونقد الفكر الخرافي المتسرب إلى الدين. كما توقف عند التوترات النابعة من التمسك بالرأي والتصور العقدي، الذي لا يقبل الآخر فتكون نتيجته العنف والصراع.
كما يُبرز معاناته من عنفهم المعنوي، حين تعرض للتكفير بسبب نقده لبعض الأمور الخرافية المنسوبة إلى الدين، وهو ما يشكل هشاشة تكوينهم الديني والعقدي. وخلافهم حول بعض الأمور الدينية، كيوم الصوم ويوم العيد وما ينتج عنه من صراع وتفكك. وهو ما شكل محنة مضاعفة له، طلب فيها العزلة والابتعاد عنهم. كما أنه تبرأ منهم بسبب أفعالهم وتشددهم العقدي. يقول: «لا إخوة لي هنا. المعتقلون ليسوا مني ولست منهم، أهلي وإخوتي في القاهرة».
هكذا حاولت رواية «جُوّنتنامو» تشخيص قدرة الإنسان على مواجهة ومقاومة أقسى أشكال العنف المنظم، انطلاقا من ذاته المقيدة والمعزولة عبر عدة أشكال، كالدعاء والتخيلات والسخرية والتذكر والصمت والنقد، وهو ما يجعلها تتصادى مع رواية «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي مع اختلاف في موضوع المقاومة وأشكالها. لكنهما تجسدان فكرة كون الإنسان أقوى من ظروفه.
 
٭ كاتب مغربي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات