عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Apr-2018

هل ما تزال أفريقيا في صعود؟

 الغد-براهيما كوليبالي

واشنطن- بين العامين 2000 و2014، عرفت أفريقيا نموا كبيرا، مما زاد من الإيمان بما يسمى بـ"أفريقيا الصاعدة ". ولكن منذ العام 2015، ضعف النمو في منطقة جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية، وكان ضعف توقعات أسعار السلع الأساسية يلقي بظلال من الشك على المستقبل الاقتصادي لأفريقيا، مما دفع الكثيرين إلى التشكيك في قصة "أفريقيا الصاعدة " -والبعض يقول إنها معرضة للخطر.
هذا الشك مفهوم إلى حد ما. فقد أضعفت صدمة أسعار النفط في العام 2014 العديد من الاقتصادات الأفريقية بشكل كبير، ولعبت دورا في دفع النمو الإجمالي ليهبط من 5 إلى 6 % في الفترة ما بين 2004 و2014، إلى 2.5 % فقط ما بين 2015 و2017 -وهو معدل لا يكاد يواكب النمو السكاني.
وعلاوة على ذلك، شهدت أكبر ثلاث اقتصادات في القارة -أنغولا ونيجيريا وجنوب أفريقيا- انخفاضاً كبيراً في الأداء. وفي العام الماضي، ظلت اقتصادات أنغولا وجنوب أفريقيا في حالة ركود، في حين أن الاقتصاد النيجيري تراجع بالفعل وللمرة الأولى منذ العام 1991. وتشير أحدث التوقعات إلى أن هذه الاقتصادات سوف تشهد انتعاشاً فاتراً فقط في السنوات المقبلة.
غير أن المُشككين في أفريقيا أغفلوا عدداً كبيراً من العوامل الهامة. فبداية، عندما يضع المرء أكبر ثلاث اقتصادات جانباً، سوف يرتفع معدل النمو الإجمالي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لهذا العام من 2.5 في المائة إلى 4 في المائة تقريباً. وهذا أسرع من معدل 3.5 في المائة الذي ينمو به الاقتصاد العالمي حالياً. والواقع أن خمسة من أسرع عشر اقتصادات نُمواً في العالم توجد في أفريقيا. وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، سيتوسع حوالي نصف مجموع اقتصادات جنوب الصحراء الكبرى بمعدل متوسط مماثل أو أعلى من المعدل الذي ساد خلال ذروة "أفريقيا الصاعدة".
وعلاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار السلع الأساسية كان عاملا واحداً فقط في الأداء الاقتصادي القوي للمنطقة بين العامين 2000 و2014. وقد أدخلت بلدان أفريقية كثيرة تحسينات واسعة على إدارة الاقتصاد الكلي، والحوكمة، وبيئة الأعمال، والأعمال الحرة. وحتى مع انخفاض أسعار السلع الأساسية، سوف تستمر هذه التطورات في دعم العديد من الاقتصادات الأفريقية.
إن شكوك اليوم قد تعكس ذكريات دائمة من فترة أكثر ركودا، ومخاوف حول عدم تعزيز تقدم أفريقيا بما فيه الكفاية. ومنذ السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات، حكم الدكتاتوريون في العديد من البلدان الأفريقية، وكانت المؤسسات اللازمة للحفاظ على النمو الاقتصادي القوي هشة في أحسن الأحوال. ومع اٍضعاف الحروب الأهلية للنسيج الاجتماعي باستمرار في العديد من البلدان، شهدت القارة عقوداً من النمو الاقتصادي الفاتر. وبحلول العام 2000، تم اختزال القارة إلى ما وصفته صحيفة الإيكونوميست بـ "أفريقيا اليائسة".
لكن تلك الأيام قد ولت. وقد حافظ صانعو السياسات في جميع أنحاء القارة على الإصلاحات التي جرت في فترة التسعينيات والتي مهدت للمرحلة التي سادت في فترة لاحقة من النمو المرتفع. وعلى الرغم من أنه ما يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، فإن البيئة الاقتصادية والتجارية في العديد من البلدان الأفريقية قد استمرت في التحسن، كما نمت المؤسسات والحوكمة بشكل أقوى.
ونظراً للتكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصالات، فإن الأفارقة، ولا سيما الشباب منهم، أصبحوا على دراية أفضل، كما يشاركون بشكل أكبر في النقاش المدني والسياسي، وهم أكثر قدرة من الجيل السابق على مساءلة قادتهم. كما أطلقت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات موجة من الابتكارات والأعمال الحرة في جميع أنحاء القارة.
من غير المرجح عكس هذه الاتجاهات الإيجابية، وسوف يتواصل تحسن الأحوال الاقتصادية في أفريقيا، حتى وإن لم تتعثر أسعار السلع الأساسية. وفي نهاية المطاف، بلغ معدل النمو الاقتصادي في المنطقة 5.6 في المائة بين العامين 2000 و2004، قبل أن تبدأ أسعار السلع الأساسية بارتفاعها السريع.
لكن هذا لا يعني أن أفريقيا لن تنجو من التحديات الكبيرة في السنوات المقبلة. وعلى الصعيد العالمي، ستصبح البيئة الاقتصادية أقل مواتاة للاقتصادات الأفريقية. وفي الاقتصادات المتقدمة الرئيسية، سترتفع أسعار الفائدة قريبا، وقد تجبر ردود الفعل السياسية ضد العولمة الحكومات على التخلي عن التزاماتها السابقة بالمساعدة الإنمائية.
في ضوء كل هذا الغموض، ينبغي لصانعي السياسات الأفارقة أن ينظروا إلى الداخل، بالتركيز على السياسات الرامية إلى تعبئة الموارد الوطنية وتمويل أجندتهم الاقتصادية. وينبغي أن تتضمن عددا من الأولويات الرئيسية. وتحتاج البلدان الأفريقية إلى تنويع اقتصاداتها لتحمل الصدمات في المستقبل على نحو أفضل، مع تسريع وتيرة التصنيع في جميع أنحاء القارة. وسيتعين على الحكومات إيجاد وسائل لخلق فرص عمل لائقة بالنسبة إلى 11 مليون شخص يدخلون الآن سوق العمل في المنطقة كل عام. وعلى الحكومات سن سياسات للحد من الفقر، وضمان تقاسم الرخاء بين جميع فئات المجتمع.
هذه أهداف ذات أهمية خاصة بالنسبة لأنغولا ونيجيريا وجنوب أفريقيا. ومن الضروري أن تصبح أنغولا ونيجيريا أقل اعتمادا على النفط؛ وما تزال جنوب أفريقيا بحاجة إلى تنفيذ إصلاحات بعيدة المدى لمعالجة المشاكل الهيكلية التي عصفت بها منذ عهد التمييز العنصري. وسيتطلب تنفيذ هذه المشاريع وجود قادة سياسيين أكفياء وملتزمين بمبادئ الحكم الرشيد. وقد يؤدي الفشل إلى فترة طويلة من النمو المنخفض.
ولكن، حتى لو شهدت الاقتصادات الثلاث الكبرى في أفريقيا حالة ركود، فإنها لن تلغي بالضرورة مصير قصة "أفريقيا الصاعدة". وعلى كل حال، فإن "أفريقيا الصاعدة" لا تعني بالضرورة "كل" أفريقيا. فمنذ الستينيات وحتى التسعينات، لم تكن قصة "النمور الآسيوية" تشير إلا إلى هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، مع استثناء البلدان النامية الأخرى في آسيا، مثل الصين. وبالمثل، تختلف الاقتصادات الأفريقية بصورة متزايدة، وبالتالي ينبغي تقييم كل واحدة على حدة، على أساس الأسس الموضوعية لسياساتها الاقتصادية.
 
 
*زميل رفيع ومدير مبادرة التنمية الأفريقية في معهد بروكينغز. كان كبير الاقتصاديين ورئيس مجموعة الاقتصادات الناشئة والنامية في مجلس حكام نظام الاحتياط الفيدرالي الأميركي.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات