عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Aug-2017

«عشر خرافات عن إسرائيل» لإيلان بابيه… الحقائق في مواجهة التاريخ

القدس العربي-فايز رشيد
 
في إصدار حديث عن دار «فيرسو» العالمية للنشر، كتاب لإيلان بابيه، بعنوان «عشر خرافات عن إسرائيل». يقول بابيه في مقدمة كتابه أن «التاريخ مليء بالصراعات، وإن تفهم حقيقة الصراع دون تحيز للماضي، يوفر السلام. أما الطريقة الخاطئة للفهم، أو تفصيل الحدث على المقاس من خلال التشويه، فإن ذلك سيؤدي إلى إدامة الصراع طويلا».
يشير صاحب كتاب «التطهير العرقي للفلسطينيين»، الى ان «الصراع الفلسطيني (العربي بدرجة أصح) – الإسرائيلي (الصهيوني بالأصح) مثال حي على هذا الأمر، فالتضليل التاريخي والتشويه المتعمد حتى لما حدث في الماضي القريب، سيقود حتما إلى تعزيز القمع والاحتلال وتأكيد النظام الاستعماري، وإطالة أمد الصراع.
ويقسم المؤلف كتابه الجديد إلى ثلاثة أجزاء، الأول، خرافات وأباطيل الماضي، خرافات الحاضر، ثم النظر إلى المستقبل. ويحتوي على عشرة فصول وخاتمة عن إسرائيل الاستيطانية الاستعمارية في القرن الواحد والعشرين، يدحض المؤرخ في كتابه، كل الأضاليل الإسرائيلية.
 
أضاليل الماضي
 
يشرّح بابيه الادعاءات الإسرائيلية (الصهيونية) بأن «فلسطين كانت أرضا فارغة»، حين تم تشكيل الحركة الصهيونية، وفي ما بعد «صدور وعد بلفور»، ودور الحركة في العقود الأولى لبناء دولة إسرائيل. كما يطرح سؤالا، عما إذا كان الفلسطينيون قد تركوا وطنهم طوعا عام 1948، وما إذا كانت حرب حزيران/ يونيو 1967 حربا «أجبرت عليها إسرائيل» حقا. ثم يتطرق إلى فشل اتفاقات كامب ديفيد، والأسباب الرسمية للهجمات التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، ويؤكد كيف أن حل الدولتين لم يعد قابلا للتطبيق الآن.
أولى الخرافات، أن «فلسطين كانت أرضا بلا شعب» إذ يؤكد المؤلف في الفصل الأول، أن الفضاء الجيوسياسي الذي يطلق عليه اليوم فلسطين (أو إسرائيل التي تحتلها) هو بلد معترف به منذ العصر الروماني، مضيفا أنه منذ القرن السابع فصاعدا، كان تاريخ فلسطين مرتبطا ارتباطا وثيقا بالعالم العربي والإسلامي. يوضح بابيه، أن السجلات العثمانية للتعداد السكاني لفلسطين عام 1878، أثبت أن اليهود لم يشكلوا سوى نسبة 3٪ فقط من سكان بلغوا نحو نصف مليون شخص، 87٪ منهم مسلمون و10٪ مسيحيون. ويستطرد، كانت فلسطين بلدا ريفيا على وشك الدخول إلى القرن العشرين كمجتمع حديث، وقد أدى استعمار الحركة الصهيونية للأرض الفلسطينية، إلى تحول القضية إلى كارثة بالنسبة لغالبية الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضهم.
الخُرافة الثانية تكمّل الأولى، فـ«أرض فلسطين التي هي بلا شعب» تحتاج حتما إلى «شعبٍ يهودي وهو الشعب الوحيد في العالم، الذي لا أرض له». يعالج الكاتب ذو الضمير سؤالا يبنى عليه الكثير: هل كان اليهود بالفعل هم السكان الأصليين لفلسطين، وعليه ينبغي منحهم كل الدعم الذي يستحقونه للعودة إلى وطنهم؟ تدعي الأساطير، أن اليهود الذين وصلوا فلسطين عام 1882 هم أحفاد أولئك الذين طردهم الرومان منها عام 70 للميلاد، لكن المؤلف يدحض ذلك قائلا: إن ما قبل عهد الصهيونية كانت الرابطة بين المجتمعات اليهودية في العالم – بما فيها فلسطين- علاقة روحية ودينية وليست سياسية. كما يؤكد بابيه، أن ترتيب عودة اليهود إلى فلسطين كان مشروعا مسيحيا بروتستانتيا في الأصل، حتى القرن السادس عشر، ثم أكملته الصهيونية.
الخرافة الثالثة، التي يتناولها المؤلف في فصل كتابه الثالث، تبرز مواقف اليهود تجاه الصهيونية، ويتطرق للخداع الذي مارسته هذه الحركة، إن بتحوير الديانة اليهودية لأسباب استعمارية أولا واستراتيجية لاحقا، أو خداعها لليهود أنفسهم بالأساطير التضليلية التي اخترعتها. كما يكشف زعم الحركة الصهيونية، بأنها تمثل الديانة اليهودية، وأن من يعاديها هو «عدو للسامية». كما يتطرق للمناهج والكتب المدرسية في إسرائيل التي تنقل الرسالة نفسها حول الحق الديني في الأرض، الفلسطينية، وتوفر لذلك «الأدلة» من التوراة. ويضيف أن ديفيد بن غوريون – الزعيم الصهيوني وأول رئيس وزراء إسرائيلي- لوّح بالتوراة في وجوه أعضاء لجنة بيل الملكية البريطانية (التي كانت تحاول تقسيم فلسطين بين الانتداب واليهود والعرب) صائحا: أن هذه التوراة تؤسس لحق اليهود في فلسطين وليس الانتداب البريطاني، و»التوراة هي ميثاق دولتنا».
الخرافة الرابعة، تدّعي الحركة الصهيونية، أنها «حركة تحرر وطني لليهود» وليست «حركة استعمارية»، لكن المؤلف في الفصل الرابع من كتابه، يبين الحقيقة الاستعمارية للحركة الصهيونية، يشبهها بالمشروع الاستعماري الذي جرى في جنوب إفريقيا وأستراليا والولايات المتحدة ضد السكان الأصليين. إن أهمية دحض هذه الخرافة، تكمن في الموقف من المقاومة الفلسطينية، وأيضا من إسرائيل، فإذا كانت إسرائيل دولة «ديمقراطية» أو الصهيونية «حركة تحرر وطني» فإن النضال الفلسطيني والفصائل الفلسطينية ستكون كيانات (فصائل) «إرهابية». يوضح المؤلف أنه بحلول عام 1945، اجتذبت الصهيونية أكثر من نصف مليون استيطاني، إلى بلد يبلغ عدد سكانه مليوني نسمة، ورغم كل محاولاتهم، فإنهم لم يستطيعوا شراء سوى 7٪ فقط من أرض فلسطين، وكان الحل في الإبادة الجماعية وإزالة وتهجيرالمواطنين الفلسطينيين عنوة من وطنهم.
الخرافة الخامسة، تدّعي الحركة الصهيونية أن «الفلسطينيين غادروا وطنهم وأرضهم طوعا»، يدحض المؤلف هذا الافتراء، ويبين أن القيادة الصهيونية والأيديولوجيين، لم يتمكنوا من تصور التنفيذ الناجح لمشروعهم، إلا بالتخلص القسري من السكان الفلسطينيين، إما عن طريق الاتفاق أو بالقوة. ويرى أنه لم يكن مطروحا في فكر هؤلاء القادة سوى الطرد إلى خارج فلسطين، وإقامة وطن بديل لهم في سوريا أو العراق مثلا. وحتى عندما لمحت بريطانيا لإمكانية نقل الفلسطينيين إلى منطقة نابلس (في الضفة الغربية المحتلة عام 1967) وتوطينهم هناك، لم يوافق القادة الصهاينة وأصروا على أن يكون ذلك إلى الخارج وبالقوة، وعلى دعم بريطانيا لخطة التهجير القسري، وربطوا بين حتمية ذلك ببناء الدولة اليهودية واستقلالها وتماسكها.
الخرافة السادسة، يوضح بابيه، أن الإعلام الإسرائيلي لا يزال يصّر، على أن حرب عام 1967 كانت «حربا مفروضة على إسرائيل، ووفقا لهذه الرواية فقد «أجبِرت» إسرائيل بعد الحرب، على الاحتفاظ بغزة والضفة تحت سيطرتها رهنا، حتى يكون العرب على استعداد للسلام معها، لكنه، يؤكد أن الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة، يمثل إنجازا واستكمالا للعمل الذي بدأ في عام 1948، ثم أتمه «قرار مصري غير مدروس» في يونيو 1967. ولم تكن مفروضة بل «فرصة» جرى انتظارها واستغلالها من قبل إسرائيل، حين سنحت.
 
أباطيل وأضاليل الحاضر
 
الخرافة السابعة، ينقلنا المؤلف إلى الأساطير الصهيونية في الحاضر، وخرافة أن إسرائيل هي «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، ويطرح فكرة الرد على هذه الأكذوبة عبر دراسة وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل والأراضي المحتلة، وهم يشكلون نصف السكان تقريبا. يحاول الإعلام الإسرائيلي الترويج «للدولة الديمقراطية الوادعة»، التي اضطرتها حرب يونيو 1967 إلى اتخاذ إجراءات استثنائية. ولكن الحقيقة هي أن إسرائيل منذ البداية تُخضع الفلسطينيين للحكم العسكري، على أساس لوائح قوانين الطوارئ الصارخة، التي تحرمهم من أي حقوق إنسانية أو مدنية أساسية. وإن القادة العسكريين الإسرائليين المحليين هم الحكّام المطلقون على حياة هؤلاء المواطنين الفلسطينيين، إذ يمكنهم وضع قوانين خاصة بهم، وتدمير منازلهم وسبل عيشهم، وإرسالهم إلى السجن متى شاؤوا.
الخرافة الثامنة، ينقلنا بابيه في الفصل الثامن من كتابه إلى ما أسماه محقا بـ»أساطير أوسلو»، الذي يتناول اتفاقيات أوسلو من منظور تقييمي، بعد ربع قرن من توقيعها، ويتساءل، هل كان اتفاق سلام فَشِلَ أم مجرد حيلة إسرائيلية جديدة لتعميق الاحتلال؟ يجيب المؤلف، أنه وبعد آمال عريضة وحصول ياسر عرفات وإسحق رابين وشمعون بيريز على جائزة نوبل للسلام، اكتشف الفلسطينيون – في عام 2000- أن التفسير الإسرائيلي لأوسلو يعني نهاية أي أمل في دولة فلسطينية مستقلة أو في حياة فلسطينية طبيعية، وهو يحمل في طياته المزيد من المعاناة في المستقبل. ويرى، أن هذا السيناريو كان خطيئة أخلاقية، عزز موقف من يرون أن الكفاح المسلح ضد إسرائيل هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين وأن السلام حلم فاشل.
الخرافة التاسعة، في الفصل التاسع، وهو الأطول بين الفصول، وقد جاء بعنوان «أكاذيب حول غزة»، يؤكد بابيه، أهمية وإلحاح مأساة قطاع غزة المتواصلة. وبالمنظور السابق نفسه، يتعرض المؤلف للدعاية الإسرائيلية، التي تُروّج حتى اللحظة لثلاث أساطير تضلل الرأي العام بشأن أسباب «العنف» المستمر في غزة. وهذه الأساطير الثلاث – تفسر العجز الذي يشعر به أي شخص يرغب في إنهاء بؤس البشر المحاصرين في إحدى أكثر قطع الأراضي المكتظة بالسكان في العالم – الخرافة تقول، إن «حماس منظمة إرهابية»، و»فك الارتباط الإسرائيلي مع غزة كان عملا للسلام»، و»الحرب على غزة هي دفاع عن النفس».
ويستطرد.. يبدو أن إسرائيل على وشك شنّ سلسلة أخرى من الهجمات على القطاع، الذي توقعت الأمم المتحدة، أن يُصبح غير قابل للسكنى بحلول 2020 وفقا للمعدل الحالي للتدمير اللاحق به. وهذا الأمر – الذي يسميه المؤلف «حكم الإعدام»- أصبح أكثر احتمالا منذ إغلاق معبر رفح، المنفذ الوحيد للقطاع إلى الخارج. ويؤكد إيلان أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد خطوات سلمية لإقناع الإسرائيليين بالرجوع عن سياستهم تلك.
 
التطلع للمستقبل
 
يتناول الفصل العاشر، ما يراه المؤلف حلّا خرافيا يجري الترويج له من آلة الدعاية الإسرائيلية، ومؤيديها في الغرب، وهو أن «حل الدولتين» هو الطريق الوحيد للمضي إلى الأمام. ويشبّه الكاتب هذا الحل بجثة ترقد في المشرحة، وبين الحين والآخر يجري إخراجها وتزيينها وتقديمها على أنها شيء حي، ثم عندما يكتشف الجميع زيف ذلك يعاد إدخالها إلى المشرحة لتعاد الكرة. يقول بابيه، إن هذه الجثة يجب أن تدفن مع باقي قاموس الوهم والخداع بمدخلاته الشهيرة، مثل «عملية السلام» و»الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، و»الدولة المحبة للسلام»، و»التكافؤ والمعاملة بالمثل»، و»الحل الإنساني لمشكلة اللاجئين». وإعادة تعريف الصهيونية باعتبارها استعمارا، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، والنكبة بأنها تطهير عرقي.
في نظر العديد من الإسرائيليين وأنصارهم في جميع أنحاء العالم وحتى بعض العرب والفلسطينيين – وحتى في نظر أولئك الذين ربما ينتقدون بعضا من سياساتها، يشكل الكيان الصهيوني في النهاية دولة ديمقراطية، تسعى إلى تحقيق السلام مع جيرانها، وتضمن المساواة لكل مواطنيها، هذه الخرافة التي تتحدث عن إسرائيل كدولة ديمقراطية، ورغم حروبها العدوانية على العرب، تظّل مع ذلك دولة ديمقراطية، حتى أن بعض المفكرين الفلسطينيين وأنصار القضية الفلسطينية ما زالوا يروجون لـ «ديمقراطية إسرائيل» الفلسطينيين، رغم عدم استنادها لأي أساس علمي، فكري أو تاريخي. أقول ذلك، لأنه حينما ظهر كتابي بعنوان «زيف ديمقراطية إسرائيل» عام 1996، وقبلها نشر في «الوطن» الغرّاء على حلقات، ووجهت بامتعاض شديد من بعض الكتّاب والصحافيين والسياسيين، كانوا يواجهونني بالقول «إن إسرائيل أكثرديمقراطية من كلّ الدول العربية». كنت أجيب حينها، من الصحيح أن الوضع العربي ليس النموذج الديمقراطي الأفضل، لكننا عندما نقول عن هذه الدولة أو تلك، بأنها ديمقراطية، نقارن العلاقات فيها بالأسس الديمقراطية السليمة، وليس بهذه الدولة أو تلك. ثم كيف تستقيم الديمقراطية مع الفكر الصهيوني والأساطير المختلقة لإقامة إسرائيل؟ كيف تتواءم الديمقراطية مع احتلال شعب آخر؟ ومع اقتراف المذابح بحقه؟ ومع المصادرة اليومية لأرضه؟ جاء كتاب بابيه (كشاهد من أهله، وليس كاتب هذه السطور، ليصف دولته بأن ديمقراطيتها خرافة ووهم).
 
٭ كاتب فلسطيني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات