عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jun-2018

«حافة الكوثر» للمصري علي عطا: وطن مأزوم بالاكتئاب

 القدس العربي-إبراهيم حمزة

قيمة الأعمال الفنية في اقتناصها لحظات من آلام الروح وإشراقاتها، وتقديمها في صدق فني يشعر معه القارئ بأن هذا المبدع لا يكذب ولا يتجمل، وفى روايتنا هذه «حافة الكوثر» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية 2017 نتلمس تعانق الرواية مع السيرة الذاتية، وهذا التعانق الفني المبهر يتسع له السرد، ويفتح له بابه على مصراعيه، يقول جيرالد برنس في «قاموس السرديات» إن السيرة الذاتية تنتمي لعلم السرديات، لاحتوائها على مكونات سردية تحقق لها الكفاءة السردية فهي ـ أي السيرة ـ قادرة على إنتاج الحكايات وفهمها». 
و»حافة الكوثر» خارجة من رحم السيرة الذاتية، ولكن نزع هذا الغطاء عنها لا ينزع عنها قيمتها، بل هي منحة دالة على الصدق الفني حين تدعمه التجربة، فالرواية ليست تسجيلا لحياة صاحبها بالقطع، وكان كولردج يقول في «فلسفة الخيال» إنه ـ أي الخيال هو وسيلة الفن، ويؤكده العقاد بقوله «ليس الخيال اختراعا منعزلا عن حقائق الأشياء». 
بعد دواوينه «على سبيل التمويه»، و«ظهرها إلى الحائط»، و«تمارين لاصطياد فريسة»، تطالعنا رواية «حافة الكوثر» للأديب علي عطا في شكلها الفني اللافت، حيث يعتمد على صيغة حديثة، صارت جزءا من الحياة إن لم تكن انشغالنا الدائم، أي التواصل الاجتماعي مع الناس عبر كافة أشكال التواصل، مستخدما الرسائل الإلكترونية مع صديقه الطاهر يعقوب، فينطلق بوح عذب ، رغم ظل الاكتئاب الذي مد جناحيه على أجواء الرواية، يقول واصفا علاقته بسميح، (ويكاد ينطبق مع شخصية المبدع رؤوف مسعد) يقول: «تحدثنا مطولا عن انخراطه القديم في أحد التنظيمات الشيوعية، وأحوال البلد بعد سقوط الإخوان، وعن كتّاب «البيست سيللر» وسرقاتهم الأدبية.. وعن الاكتئاب الذي ينتابه بين الحين والآخر، خصوصا في فصل الشتاء، وهذا ما يجعله يفر من أوروبا، ويقضى معظم هذا الفصل بين القاهرة وأسوان والغردقة، مستمتعا بدفء الوطن الذي كان» وتستمر رحلة الصعود مع كآبة العالم حولنا، فبعد سطرين فقط نقرأ «الناس اللي بتتهمني بالكآبة، أنا باضحك أهه» ثم «بالغت في تفاؤلي» إلخ . 
وهذه السيطرة للكآبة على أجواء الرواية، جعلت المفر إلى الذكريات القديمة جدا أمرا مفهوما ومبررا، حيث البراءة والمتعة والسعادة، فالفرار للمرأة والذكريات أصبحا بديلا عن القبول بالاكتئاب، فصار الكوثر كعبة مأمومة في ظل انتهاء فترة الطفولة، وتعقد علاقات الراوي بنسائه، حتى يصبح احتمال وجود بديل للوطن يصبح الكوثر ـ المصحة النفسية التي تعالج من الاكتئاب والإدمان ـ وهكذا يصبح الجنون هو البديل لواقع مؤلم سياسيا واجتماعيا ونفسيا.
يحكى الراوي حسين عبدالحمـــــيد الذي يعمل في «وكالة أنباء المحروسة» ، وإن كان يعمل ـ بحكم عمله ـ على نصوص الآخرين، وبسبب ضغوط الحياة من كافة نواحيها يستسلم للاكتئاب، فيدخل مصحة الكوثر النفسية ثلاث مرات في أربع سنوات لمدة 31 يوماً من شتاء 2012 إلى ربيع وبداية صيف 2015.
الحياد الذي يقدم الكاتب به روايته، لا يمنع مطلقا من تكوين وجهة نظر عميقة تجاه الأشياء، وهي المفارقة التى أجادها الكاتب، حيـــث يقـــدم المبدع ما يسميه جيرالد برنـــس، القابل للسرد، وهو كل ما يستحق أن يسرد، وكل ما يقبل أن يستدعى السرد، فالسرد هنا أقرب لدور الكاميرا التي ترصد، وإن أضاف السارد يضــــيف معلومة موثقــــة أو ذكرى مؤثرة، ويبدو مفهــوم الفن هنا بتعبير شكلوفسكي، الذي ذهب فيه إلى أن «الفن وُجِد ليعيننا على استعادة الحياة وليجعلنا نتحسس الأشياء». 
ولذا يعتمد الكاتب على بنية تصل بالرواية إلى لحظات الكشف العليا، فما يوصلنا إلى حالة الاكتئاب هو حال الوطن، الذي انفلت من بين أيدي أبنائه الحقيقيين إلى لصوص الأراضي ولصوص السياسة الذين يسعون لهدم ما تطوله أيديهم من أجل بناء مجدهم، وما يسرده الكاتب من أطماع فاجرة لدى بعض لصوص الأراضي، الذين يبحثون عن غطاء ديني لهدم المباني وإعادة بنائها للأغنياء، يقول المقاول «وإن كان على الكوثر إحنا بعون الله هنشيلها من على وش الأرض، ونبني مكانها برج من عشرين دور» ثم يعلق الراوي «يصر أبو كامل ومعه أقاربه على أن الأرض أرض الله، وأنها مملوكة لهم أينما كانت ما داموا قد وضعوا أيديهم عليها». هذا الشطط الديني ستجده لدى المقاول بشكل ما، وستجده لدى الزوجة ـ دعاء مستجاب ـ لاحظ دلالة الاسم – التي تصر دوما على إذاعة القرآن وكثرة الصلاة والتسبيح، وسنجده أيضا في المصحة ذاتها عبر السؤال «هل التدخين ينقض الوضوء؟ وفي القدس حين يسأل أحدهم الراوي وهو على أعتاب المسجد الأقصى: أنت مسلم فيجيب نعم، فيوجهه قائلا: قل الحمد لله. حتى نصل لمفهوم الوطن الذي نريده ولا يريدنا، نعشقه ويبيعنا، وطن يحبنا ويخون هذا الحب؛ ولذا ينهي الكاتب روايته بأغنية منير (إزاى أنا رافع راسك، وإنتى بتحني في راسي إزاي). والبناء يعتمد على البوح والفضفضة، من خلال السرد الذاتي، الذي يكون المتكلم فيه الراوي هو الشخصية الرئيسية أو البطل، فالراوي حاضر كشخصية في الحكاية ـ بتعبير لانسر. عبر أسلوب الرسائل الإلكترونية، وهو ما جعل التداخل الزمني مقبولا وبديعا، فالسارد يتحدث مع صديق له معتمدا على البوح الجميل، الذي يبني في النهاية هرما من التذكار الأسيان، يجمعه هؤلاء الذين يلهبهم حب الوطن في مقابل الذين يشغلهم نهب الوطن، خاله الذي استشهد وكتب اسمه على نصب تذكاري، بينما اللصوص يمرحون، الأب الذي عاش عمره بائعا جوالا، ثم دفن في مدافن الصدقة في المنصورة، هذه التفاصيل المدهشة الثرية تبدو متناثرة بوعي شديد، حتى اختياره لرواية «باولا» يتصل بقوة بمضمون الرواية، فقد كتبتها إيزابيل الليندي لابنتها باولا، التي عانت المرض النفسي أيضا، ورؤيتها في الكتابة تتصل تماما برؤية علي عطا، تقول في الصفحات الأولى من الرواية «لقد أنقذ ذلك الكتاب حياتي، فالكتابة هي تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد كهوف الوعى عتمة».
عبر خمسة وعشرين فصلا قصيرا في حوالى مئة وخمسين صفحة، قدم لنا علي عطا لحظات مكاشفة، خاض في قلب الواقع المصري، وغاص في تاريخه، امتلأت الرواية بالجانب المعلوماتي الموثق بدقة، وهو ما يمنح الرواية بعدا جديدا لإمكانية أن تكون الرواية أيضا مصدرا للمعرفة، وقد حشدت بمجموعة كبيرة من الأسماء الحقيقية، كانت المرأة حاضرة بقوة، مصدرا للعذوبة والعذاب معا.. وتظل السياسة ظلالا خلفية تلقي بآلامها على الرواية كلها، لغة الكاتب /الشاعر لها خصوصية، فقد جاءت حيادية، يسميها جيرالد برنس بالحكي الطبيعي، فهو يقدم لغته، سواء عامية فصيحة بطريقة مؤثرة، حضور الذات الشخصية واضح تماما، فقد أثبت الكاتب أن قصته «شجرة التوت» كانت أساسا لهذه الرواية . تظل الكتابة علاجا حقيقيا لكل ما نقابله من آلام ولكل ما نتمناه من آمال.
 
كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات