عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Nov-2018

«في حضرة إبراهيم».. سرديّة المكان وإلحاح الذاكرة
الدستور-د. نزار قبيلات
في هذه الرواية؛ «في حضرة إبراهيم» مستويان من السَرد: الأول «ميتا- روائي» يحكي قصة المؤلف، ولحظة ولادة الرغبة في الحكي وانبثاقه، فقدمه الكاتب الفذّ عامر طهبوب مؤلف الرواية بصوته من مسافة قريبة للقاريء، مسافة تشبه تلك التي يسمونها «مسافة صفر»، فراح وبشيء من السريالية الأخَاذة يعلن لأصدقائه وقرائه وجمهوره ولادة رواية مكانية استردَ فيها عافية المكان وإنسانه، وعلى هذا وبعد تجاوز فاتحة السَرد المخصصة لقص القصة، راحالسَرد في تمحور اخر مصحوباً بدفق ينبع من مخزن حكاية الطفولة والشباب، والمجتمع التجاري والصناعي الديني، وكذا «السيسو- ثقافي» في مدينة الخليل، فقد نفض الروائي الغبار عن مستند تاريخي، وشرع يعيد حياكته بتنظيم وتمثيل وتبويب وتنسيق إيقاعي، سمعت منه أجراس قصص الحب والنضال والتهكم والقلق والرضا والعمل الفدائي والحوارات السياسية، وظهرت بتناسق سياقات الأجيال، ومعطيات المحكي في مدينة ذات مهابة تراثية، وقدسيَة خاصة، فقد برع الروائي طهبوب في رصد صباحات الخليل وأيامها، ذاكراً بتأن سردي تفاصيل حياتية وأنثروبولوجية خاصةبالمدينة وإنسانها التي أعاد الروائي رسمها، فقد ظهرت على شكل لوحات سرديَة طالت حتى أبعد التقاطة ممكنة لزقاق قديم معتم في السوق.
وعلى هذا، فإنه من المجحف القول إن الرواية «في حضرة إبراهيم» هي وثيقة تسجيلية  حفظت سردية الحياة في الخليل، بل هي تجاوز لعالم الذات الإنسانية التي لا يمكن أن تخرقها وتبنيها سوى مغامرة روائية يعرف الكاتب مطبّاتها ووعورة المضي في خيوط تاريخها، ونسيج مجتمعه، ومحاذير المسكوت والممنوع منه.
لأول مرة أسمع من خليلي في عمل روائي على وجه الخصوص رأيه في ضياع فلسطين، وموقفه من جيش الإنقاذ العربي الذي شكلته جامعة الدول العربية عام 1948، وكذا خطاب الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبه، ومشروع روجرز، ومفاوضات الهدنة، والحرب الأهلية اللبنانية، واتفاقية أوسلو وما تلاها من اتفاقات، فتنثال مشاعر الحزن التي لا يعرف مرارتها إلا أصحاب الأرض المحتلة، والصورة المؤلمة التي يراها الفلسطيني على جباه العرب الذين شاهدوا بأم أعينهم حرق منبر صلاح الدين، ومجزرة الحرم الإبراهيمي، وتغول قطعان المستوطنين على البلدة القديمة وتهجير أهلها، وتقسيم الحرم، ونصب الحواجز الإلكترونية بكثافة دائمة تعيق الدخول أو الخروج من البلدة، والاعتداء على القرى ومصادرة الأراضي.
ففي الرواية ببليوغرافيا هائلة جعلت من المكان بنية طغت على البعد الزماني سواء في تسريد الحكاية أو في تتابع الأحداث، فقد جاء المكان مؤطراً ودامغاً لحركة الشخصيات، وهي تشهر هويتها الخليلية أينما حلَت. وفي الجانب البنيوي للرواية ورغم تدفق المعلومات وثراء الرواية باكتظاظ الشخصيات والأمكنة إلا أن الروائي استطاع إذابتها في بوتقة « الحضرة الإبراهيمية» فقد نوَع باقتصاد من النماذج الإنسانية التي مثلت المجتمع الخليلي، بتجّاره ورواده ونسائه ورجالاته، وبكبيره وصغيره، واستطاع رسم الإنسان ملتحماً ومتحداً في عبير زمانه وهويته المعبَر عنها بلهجة محلية أصيلة، وملبس وسلوك وهوية لها جذورها.
إن التدفق المعلوماتي، والحضور المكثف للشخصية الخليلية، وخشية الروائي من الوقوع في نسيانها، جعل الوصف والوقفات المشهدية الكثيرة تمر بالحوار بين الشخصيات أحياناً مروراً سريعاً، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى تضاؤل الحدث الروائي في لعبة تكوين الرواية، رغم أن العمل الفدائي والأحداث البطولية كان من شأنها تعزيز دراميّة السرد، فتكثر من التواءاته بدلَ خط المسير المتصاعد الذي التزم به هارون بوصفه راوياً مشاركاً، وعين المؤلف وكاميرته المتنقلة بين الأزقة والحارات والبيوت والدكاكين، فلعبة السرد يجب ألا تكون تقليدية، لتتمكن من إغراق القاريء كلما ركن للطبيعية أو الرتابة في السرد، فتجد أن الروائي قد أعد له شَركاً سردياً آخر يدهشه أو يفزعه أو يقلقه أو يمتعه، بيد أن الفسيفساء الإنسانية التي راح يقدمها عامر طهبوب، أظهرت بجلاء وعيه وتحيزه الإنساني، وكذا درايته في كهنوت الإنسان ضمن ظرفه وشخصه المجتمعي، وهو ما عبّر عنه غلاف الرواية المدجج بالبعد الرابع ذاك، فراح يرصد عجوزاً يرفض أن يغادر، ويلتصق بالمكان حيث ينتمي، ويجلس بوقار لا يخلو من الألم والترقب على مدخل الباب الرئيسي للحرم الإبراهيمي.
كان السرد أصغر من الناحية الحيزية من الوصف والحدث، مُتبعاً بزحمة الحضور الإنساني، وعلى هذا تراخى لصالح أصوات عديدة ظهرت بمحكية خليلية كشفت عن جوانب الشخصية وحدود هويتها  ورسمتها، ولكن ليس بالعمق الذي يسمح باختلاجها، فلو قدَر لرسام أن يترجم الرواية إلى لوحة جدارية، فلن يجد مثل لوحة تظهر الشيخ محمد محشي جالساً على مقهى، وبجواره « أبو زهير» و «أبو طالب» ويقف بالقربمنهم هارون وطالب وعدد من عربات البيليا، وكارة يقودها بغل تحمل لتجار البلدة ما جادت به جبال بلادهم من خضرة وأعشاب برية، وترتفع في زاوية اللوحة مئذنة جامع القزازين الكبير، وبعض المحلات، ومن بينها ملحمة أبي طالب .
كان نطاق الحدث البطولي ضيقاً، تقلص معه ظل بطل الرواية، وطويت معه أيضاً قصصٌ عديدة كان لها أن تنثال على رقعة المكان الفسيحة، وخيط الزمان الذي يمتد طويلاً ويعبر أجيالاً كثيرة.
حافز قراءة الرواية حاضر بامتياز، والأمكنة عامرة، فقد تمكن الروائي من تجليتها بطابع يحيق به الشغف والواقعية المبهرة، وربما خفتت الدراما الحدثية نوعاً ما لصالح إيقاعية المكان والحضور الإنساني الكثيف الذي لم يغيره الاحتلال، ولم يستطع مسَه أمام هذا الإيقاع الإنساني الصاخب الذي نظمه الروائي في شكل حكائي لأصدقائه، ثم بتمثيل سردي لقرائه، على أن هذا الغوص في دنيا الإنسان وممارسة مغامرة الكتابة ليشي بأن طهبوب روائي سيطل علينا قريباً بسردية جديدة لن تقل كثافة وجزالة عن «في حضرة إبراهيم» وستأتي دون أن تقدح له نجوم جبال السلط والرفقة التي تحب شُعلة الكتابة بين يديه، تلك الشعلة التي ستبقى موقدة في قلبه تثير الليل للصّحب والسامعين، وللكلب الوفي» نمَور» الذي لم يفارق هارون وهو يروي الحكاية، ولم ينل منه النعاس وهو مشنَف الأذنين يريد من السرد أن يطول وألا ينقطع.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات