عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2018

الأنا الغنائي في شعر محمود درويش: من الرومانس إلى شعرية المعيش اليومي

 القدس العربي-عبد اللطيف الوراري

عبر تاريخ المشروع الشعري لمحمود درويش، كان ثمّة تلازمٌ حيويٌّ بين الشعر والغنائية إلى حد أن يتماهى بعضهما ببعض، أو يُعرَّف كلاهما بالآخر. ولهذا، كان أنا الشاعر هو أنا الأغنية نفسه. ودرج دارسو شعره على توصيف شعره بالغنائي، ونكاد «لا نعثر ـ كما يقول صبحي حديدي- على استثناء واحد لا يضع الغنائية في رأس التوصيفات العديدة الخاصة بشعر درويش». مثلما أنّ الشاعر نفسه لا يفتأ يُذكّر قُرّاءه بتفصيل مهم مبتهر من سيرته زمن الطفولة، وهو قوله: «بدأت علاقتي بالشعر عن طريق علاقتي مع المغنّين الفلاحين»، ومن ثمّة بانحيازه إلى الغناء والغنائية. بيد أن الغنائية في شعر محمود درويش لم تتخذ شكلا واحدًا، وإنَّما ظلت تتحوّل إلى صيغ واجتراحات متنوعة، من خلال بحث الشاعر الدائم عما يُطوِّر عالمه الشعري، وينقله من مستوى إلى آخر أكثر تطوُّرًا. ومن طور إلى آخر من بحث الغنائية، يمكن القول إن صياغة الهُويّة في شعره قد تعرضت بدورها لتحوُّلٍ مُستمرّ.
 
من الرومانس إلى الملحمة
 
بدأ محمود درويش رومانسيًّا كما يظهر، على الأقل، في ديوانيه «أوراق الزيتون» (1964) و«عاشق من فلسطين» (1966)؛ ففي هذا الطور من تجربة الشاعر نعثر على رؤيةٍ خاصة بذات الشاعر للعالم، مَشُوبةٍ بمزيج من الحلم الرومانسي والدور النبوئي. قد تكون لتلك الرؤية صلة بواقع الاحتلال وسيرة النبذ الجماعي التي عاشها مُبكِّرًا، حيث عطش الأنا إلى المفتقد والمرغوب فيه من القيم والمعاني، إلا أننا نتلمس من البدء وعيًا لدى الشاعر بقول قصيدته الخاصة الممهورة بخاتمه الشخصي، وسط جماع القصائد السائدة آنذاك، وهو يستهلُّ ديوانه الأول بنص «إلى القارئ»، الذي أشبه ببيان شعري غاضب وقويّ اللهجة، ولكن لا يخفي تفاؤله.
فالشاعر يقصد من هذا النص التدشيني لتجربته الناشئة إلى أن يُهيّئ، نفسيًّا وفكريًّا، قارئه الخاص لاستقبال قصيدته بأفق قرائي مختلف. ولن يكون هذا القارئ، بالشروط المتعاقد عليها، مُحايدًا، بل مُتورّطًا في مشروعٍ أو وعدٍ بالكتابة أخذ، من الآن فصاعِدًا، يتبلور في تاريخ الشعر العربي.
وإذن، فمن هذا البيان إلى بقية القصائد التي تتوالى في الديوانين بصيغ من البناء تتوزع بين العمودي والتفعيلي، ثمّة ما يشير، بجلاء، إلى نزوع الأنا المتلفع بردائه الرومانسي والرسالي، وإلى حضوره الكلي في سعيه إلى أن يبدع عالمًا بديلًا يسوده الحب والجمال عن طريق الكلمة الخلق، الكلمة المُتعدِّية التي ترتقي بسؤال الموت والمجهول، ثُمّ إلى حماية هُويّته من المسخ تحت مسميات وطوارئ (لاجئ، ضحية..) حاجبة للفعل الذاتي العفوي. ولكن لن يتحقّق هذا العالم إلا بعد أن يرى فلسطين حُـرّةً بعد أسر، ومُشْرقةً بعد ليل، وقد ارتفع بها إلى مستوى المرأة الرمز:
 
«عيونكِ شَوْكةٌ في القلبِ
تُوجِعني… وأعبدُها
وأحميها من الرِّيحِ
وأُغْمدها وراء الليل والأوجاع… أُغْمدها»
 
إلا أن هذه القيم الشعرية المُؤسّسة احتجبت خلف الشكل الشعري البارز، وظهرت بدلًا منها إلى السطح قيم حماسية مباشرة، وفي مقدمتها قيمة المقاومة والنضال، التي أصبحت القصيدة مُعادِلا شعريًّا لها، ثُمّ تطوّرت إلى حد أن صارت فصلًا من فصول ملحمة التاريخ الجمعي الذي يُكتب شعريًّا. فابتداءً من نكسة عام 1967، وانطلاق شرارة الكفاح المسلح، أخذت علاقة الشاعر المباشرة بالقضية الفلسطينية تتبلور إلى حدّ أن أصبح أبرز شعرائها، وهو ما دفع قصيدته إلى أن تضطلع بوظيفة تحريضية، وتتعاقد مع «الجمهور» على ذلك. وقد عملت القصيدة، انطلاقًا من هذا المنظور، على توسيع مجال المدلول الشعري في أبعاده السياسية المباشرة، التي تتحرك داخل شرط تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وكيّفت تسمية الأنا مع هذا المجال بشكلٍ أحلَّ شرط الجماعة محلَّ شرطها الفردانيّ في بداياته الأولى؛ إذ ساهمت بعض الكتابات النقدية الموازية في هذا الاتجاه، مثل الذي كتبه رجاء النقاش عن محمود درويش واصفًا إياه بـ«شاعر الأرض المحتلة»، أو غسان كنفاني عن «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة». وكان الشاعر لا يخفي ضيقه باللقب واحتجاجه عليه منذ أن كتب مقاله المشهور: «محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح: أنقذونا من هذا الحب القاسي» (الصادر في مجلة «الجديد»، عدد 6، 1969)، ثم ما عبر عنه في آخر حواراته، بقوله: «طبعًا أنا فلسطيني، وشاعر فلسطيني، ولكن لا أستطيع أن أقبل بأن أُعرّف بأنني شاعر القضية الفلسطينية فقط، وبأن يدرج شعري في سياق الكلام عن القضية فقط وكأنني مؤرّخ بالشعر لهذه القضية» (عبده وازن، محمود درويش: الغريب يقع على نفسه، ص69).
لم يعد زمن القصيدة لانهائيًّا، يسائل المطلق ويَعِد بانبعاث الحياة وممكناتها، كما في لحظتها الرومانسية، بل ضاق بتركيز بوصلته الدلالية والنفسية على يوميات الصراع في الزمن الميت؛ إذ فُجِع الأنا بواقع الدم الذي غمر موجودات الحياة، ودفع بشهادته فداءً للأرض المحتلة، وبالتالي غدا يكتب بـ«الفحم المحترق»:
 
«لقد كذب اللونُ،
لا شأن لي يا أسيرهْ
بشمسٍ تُلمِّعُ أوسمة الفاتحين
وأحذية الراقصين.
ولا شأن لي يا شوارع إلّا
بأرقام موتاكِ
فاحترقي كالظهيرهْ..
(…)
رأيتُ الشوارع تقتل أسماءها
وترتيبها.
وأنتِ تظلّين في الشرفة النازلهْ
إلى القاع،
عينين من دون وجه
ولكنَّ صوتك يخترق اللوحة الذابلهْ»
 
إن مثل هذا الملفوظ يكشف عن ارتجاج علاقة الأنا بآخره الحميم والمرغوب فيه، وذلك منذ اللحظة التي شعر فيها هذا الأنا بغياب المعنى الذي يمنحه اللون للأشياء الطبيعية التي حواليه، أو الاسم لشوارع المدينة المحاصرة؛ أي منذ أن علا الدّمُ وغشى صورة الحلم في مخيِّلة الشاعر، وبدا له الآخر بلا وجه، صادِرًا عن صرخة مدوّية.
يمكن القول إن النص ككلّ يجسد أبرز منحنيات تحوُّل الأنا الشعري، ورغبته في صياغة جديدة لهويّته عن طريق البحث عن «شكل جديد لوجه الحبيب». ويأتي النص الذي بعده، والمعنون بـ«ضباب على المرآة»، ليوجه مفردات هذه الصياغة ويكشف طبيعة مسارها في نسيج التجربة، فيعترف الأنا في جدليّته مع الآخر بنوع من «أزمة المعنى» وانتقال البحث من وضع غنائي إلى آخر يتزحزح إلى شكل الملحمة، بما تعنيه من غنى وتشابك مصائر مرئية وغير مرئية، ومن صراع نقائض.
من لحظة شعور الأنا الحادّ بالبحث، وعبر الأدوات التي تقتضيها الكلمة الشعرية، يمكن القول إن الشاعر يضع كتابته في مواجهة التاريخ والخروج على روايته المتحيّزة، بقدر ما يكشف فيها ما يتكتّم عليه هذا التاريخ وينساه. وقد وجد في آليّة الرمز مدخلًا لتفكيك وجوه التاريخ السائد، ولن يمرَّ ذلك إلا عبر تحرير الذات وحفزها باستمرار على مجاوزة ذاكرتها المليئة بالشروخ والتصدعات، وهو ما نستشفّه- سيميولوجيًّا- من تكراره لمثل هذا الفعل الكلامي، الذي يصل الامتلاء بالفراغ والتيه: «وآه…».
في سياق نزوع الأنا إلى ترميز أوضاعه في تجربة الحاضر، سيختلق الشاعر شبكة من رموز الأسطورة والتاريخ والتراث الديني، التي تُوسع مساحة حركة بحثه وتجلِّياته المشبعة بالقداسة والتبجيل حينًا، والعشق والشبق حينًا آخر، فيصير هذا الأنا كَوْنًا هائلًا بممكنات عمله، وامتدادًا وجدانيًّا وأنطولوجيًّا لمفردات الأرض والصمود والمقاومة والطبيعة التي عمل على تسميتها من جديد، وحيث أبجدية اللغة تبدأ طفولتها في كُلّ مرة:
 
«والأرض تبدأ من يديه، ومن زغاريد القرى البيضاءِ
تبدأ من دفاتر صِبْيةٍ يتعلمون
الأبجديّة فوق ألغام الحروب وخلف أبواب النهار..»
 
وفي هذا المنحى، ستغتني غنائيّته التي أخذت في الطول بإشارات وأبعاد ملحمية داخلية، وفي التحرُّر من سياقات العبارة الأيديولوجية المباشرة على نحو ما فرض عليه «أن يُدخل كلماته الجديدة في «نَحْو» شعريّ كامل، أي تركيب فنّي ووجودي، وأن يزجّ بها في نسق علائقي وصراعي ويشحنها بِسُلّم قيم جديدة» مثلما يذهب إلى ذلك كاظم جهاد. من «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا»، مرورًا بـ«تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» و«أحمد الزعتر» و«قصيدة الأرض» و«قصيدة بيروت»، وانتهاء بـ«مأساة النرجس وملهاة الفضة» و«الهدهد»، تطورت غنائيّة الأنا في شعر محمود درويش وتغذّت بالرمز إلى أن تشابكت مع مآلها الملحمي الذي اخترم اللغة الشعرية، وأضاف إلى نزعتها التأملية ملامح نوعية جديدة قد تتجلى في السرد والأمثولة والمفارقة والسخرية وسوى ذلك. فلم تعد تكتفي هذه الغنائية بذاتها، ولا أن تحمل أناها على التماهي مع الآخر والأشياء والقيم، في حركة خطية وثابتة، بل ارتفعت إلى مستوى تجديل هذه الحركة وتنويعها ثيماتيًّا وأسلوبيًّا، وبقي المعادل الرئيس الذي تحتكم إليه عناصر هذه الحركة هو عدم التفريط في التوازن الحيوي بين التحريضي والجمالي، وإن بدا أن الكفّة أخذت ترجح شيئًا فشيئًا إلى الجمالي.
 
الغنائية الجديدة
 
منذ أن بدا الشاعر يتحرر من الزمن التاريخي الثقيل، الذي أخذ الاحتلال يفرضه على الأرض بآلته وقاموسه وروايته، وذلك بمواجهته عموديًّا عبر بلبلة نسقه الكرونولوجي وتقويض إحداثياته عبر خلق أزمنة مضادة، تعبث بالمسار الذي كانت تعكسه العلاقات اللغوية والرؤية التي عبرت عنها. وفي هذا المعنى، يقول فيصل دراج عن خروج الشاعر عن الزمنين التاريخي والرسولي، بقوله: «ولهذا كان على محمود أن يخرج من الزمنين معًا، كي يرى العالم كما هو ويصوغه شعرًا، مؤالفًا بين التراجيديا الفلسطينية والحقيقة الشعرية، التي تضع في الزمن المعيش جملة من الأزمنة، وتشتق من الوضع الفلسطيني أوضاعًا إنسانية متعددة». ثمة حكايات وسرود تكشف عنها هذه الأوضاع، وهي لأبطال هذه التراجيديا المعروفين والمغمورين، والحقيقيين، الذين ارتقوا إلى مصاف الرمز والأسطورة (أحمد الزعتر، عزالدين قلق، ماجد أبو شرار…). لا يقصد بها أنا الشاعر الرثاء العادي، بل يرتفع به إلى مديح الكينونة المهدورة ظُلْمًا، التي مضت بدون أن تكمل حلمها، وفي رحمه يتخذ من معاني الخسارة والفقدان حوافز داخلية لاستبطان مشاعر الذات الدفينة واستعادة ذكريات طفولتها:
 
«أصدقائي، لا تموتوا مثلما كنتم تموتونَ
رجاءً، لا تموتوا، انتظروني سنةً أُخرى
سنهْ
سنةً أُخرى فقط.
رُبَّما نُنْهي حديثًا قد بَدَأْ
ورحيلًا قد بدأْ
رُبَّما نستبدل الأفكارَ بالمشي على الشارعِ
أحرارًا من الساعة والرايات،
هل خُنَّا أحدْ
لنسمِّي كُلَّ عصفورٍ بَلَدْ
ونسمِّي كُلّ أرضٍ، خارج الجرح، زَبَدْ؟»
 
ففي هذه القصيدة نفسها، «سنة أخرى… فقط»، نتتبع خيطًا رفيعًا يعبث بالحدث التاريخي ويستعيض عنه بتاريخ الأنا، كما يكتبه باستيهاماته ومجازاته، مستضيئًا بـ«غيريّة» الأصدقاء. فالشاعر يجري حوارًا مع غيره ومع كل شيء، ومع نفسه. وقد عبر عن كُلّ ذلك بـ«لغز اختلاط الأزمنة».
وابتداءً من ديوانه «هي أغنية، هي أغنية» (1986)، أخذت قصيدة محمود درويش تنحو نحو القصر، ومعها تخفُّ اللهجة الملحمية التي ميّزت القصائد الطويلة. وقد كانت هذه الأخيرة تحاول أن تكون مُعادلًا للتاريخ وتجاري أصواته وجراحاته ومآسيه، وأن تنقل الواقع إلى مستوى الأسطورة بقدر ما هي تنقل المأساة الجماعية إلى مأساة الفرد، والمأساة التاريخية إلى مأساة ذاتية، ومن ثمّة كانت الشخصيات التي تحتشد بها القصائد إما أبطالًا أو ضحايا تسعى إلى الحرية. ففي آخر حواراته، أشار الشاعر بوضوح إلى هذه المسألة، بقوله: «كان مشروعي يتجه نحو ما يشبه الملحمة، والملحمة لا وجود لها. وكان عليّ ألا أواصل محاولة كهذه، فالملاحم تروي قصة تاريخ وشعب في زمن مضى (…) وكان لا بد لأي شاعر في ظروفنا الوطنية أن يعمل بلا معاونين، كان عليه أن يعمل وحيدًا، كان عليه أن يكون مؤرخًا وجغرافيًا وعالم أساطير ومفاوضًا ومحاربًا»، إلى أن يقول: «هذا مشروع بطولي لا بد أن تعادله بطولة في اللغة، وفي البناء الشعري» (محمود درويش:… لا أحد يصل، حوار أجراه غسان زقطان وآخرون، ضمن: محمود درويش المختلف الحقيقي «دراسات وشهادات»). 
أما القصائد الجديدة فلم تعد تبني رؤيتها إجمالا على وعي التاريخ، أو تقيس قامتها بقامته؛ فزمنها محدود وبالغ الكثافة حينًا، ويوميٌّ عادي حينًا آخر. وداخلها نكتشف أناها العادي والبسيط والشخصي، الذي يتلمس أشياءه وتفاصيله الصغيرة، بعد أن ملَّ لعب دور الضحية والبطل أو المراوغة بينهما، وأدرك أنّه ليس في وسعه أن يظلَّ تحت صفات النبيّ والمُخلِّص والأسطورة إلى ما لا نهاية. فالتاريخ نفسه صار يعمل بطريقة مختلفة، والشاعر الآن هو الفرد الذي يتمتع بعاديّته وعزلته بشكل يتيح له النظر من جديد في فرديّته وفي ذاته وفي العالم الذي حوله، وبالتالي التعبير عن كُلّ ذلك بجماليّات جديدة. ولكن بدون أن يحدث هذا التحوُّل قطيعةً كُلّيةً بين الفردي والجمعي، وإنّما ثمّة ـ الأحرى- القطع مع تمثيل الجماعة شعريًّا بالطريقة المعهودة أو التي عرفه الناس عليها.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن محمود درويش- كما يقول كمال أبو ديب – كان «ينقل التجربة الفلسطينية إلى صعيد أدنى فيبرزها كتجربة شخصية خالصة، ويحيلها إلى نقطة انطلاق لاكتناه الأعماق الخفية والتناقضات والتمزقات والتوترات والهموم الشخصية التي تواجه الإنسان في موقع كهذا..». فالشاعر كان يستبق بحدسه مأزق التنميط الذي يمكن أن يسقط فيه شعره إذا استمرّ على ترديد لهجته الشعرية الاعتيادية، بل كان لا يتورّع عن رفضه أداء دور ليس من عمله بوصفه شاعرًا قبل كل شيء.
ومن الموحي، هنا، أن يصدر الشاعر «هي أغنية، هي أغنية» بشطر المتنبي الشهير: «على قلقٍ كأنَّ الريح تحتي»؛ فقد يكون ثمة ما يشي بـ«أزمة ذات» عنده، ومعها نشأ قلقٌ وعيٌ مضادٌّ للتاريخ الذي فتح عينيه عليه ولاحقته هزائمه المتتالية. فأخذ ينقل مشروع قصيدته الجديدة من دور المقاومة والنضال إلى سياق بحث الفلسطيني عن إنسانيّته عامة، ثُمّ البحث تاليًا في سيرته الشخصية على نحو خاص. 
وانطلاقًا منه، ستتشكل الغنائية الجديدة التي تخفّفت من «الأنا الجمعي» بوعيه التاريخي ودوره الرسالي الجارف، من مجموع نصوص وشذرات شخصية وسيرذاتية، متقشفة وجانحة إلى القصر والتسريد وأقلّ حماسةً وصراخًا، وكأنّ «أنا» هذه الغنائية لا يبوح وحسب، بل يبحث عن ذاته ويمزج هذا البحث بأساليب من التأمل، والتذرُّع بالحلم، وسؤال الكينونة، وحكمة الخسارة، والتشظّي، والسخرية بقدر العبث مع معطيات الواقع الذي ران عليها أو نُفي إليه. مثلما يفسح المجال للتعبير عن حرّيته بجلاء، بقدر المجال شيئًا فشيئًا لآخر يناديه ويحاوره عبر رهان الغيرية بشكل يعكس مأزق الكينونة عنده وخوفه من المجهول. 
تتردّدُ متواليات هذا البحث في قصائد كثيرة، مثل: «عزف منفرد»، و«هذا خريفي كلُّه»، و«أربعة عناوين شخصية»، و«آن للشاعر أن يقتل نفسه»، و«أنا من هناك»، و«لديني… لديني لأعرف»، و«أنا يوسف يا أبي»، و«رباعيات»، و«شتاء ريتا».
داخل هذه الغنائية، لم يعد ممكنًا النظر إلى الذات بمصطلحات نابعة من داخل الشاعر وهويته الجماعية وعلاقته بالقضية الفلسطينية، وذلك لأنّها لم تعد تتأسس إلا في علاقتها بالخارج الذي يُغيِّرها (من الغيرية)، أي في عطش كينونتها للغيرية. وبالتالي، لن يكون المهمّ هو الطريقة التي يعبِّر بها هذا الأنا أكثر من الكيفية التي تبتعد بها عن قيد جمعانيّتها وتزيحها عن المركز على حد تعبير مولبوا. فالذات لا تعتبر كحجّةٍ تعبر عن نفسها بنفسها بكثير من الامتلاك، وإنَّما هي بالأحرى نتيجة الحوار الذي تحافظ عليه مع غيريّتها الخاصة. يتعلق الأمر بنمط تلفُّظي خاص بهذه الغنائية، حيث تتمُّ موضعة «الشخصية» الغنائية من جديد، وحيث هذا الانتقال إلى طور آخر جماليات الكتابة التي تبدّلت داخلها وضعية الدالّ الشعري وممكنات عمله، وتخصُّ اللغة والبناء والإيقاع والمتخيل بوصفها عناصر متحوّلةً في القصيدة لها أثرها وقيمتها في تجربة الغنائية الجديدة: 
ـ الاشتغال على البناء بشكل أكثر وعيًا وملموسيّةً، وقد انتقل إلى هاجسٍ معرفيٍّ من عمارة القصيدة إلى عمارة الديوان/ الكتاب.
ـ ولوج المعنى الشعري في عمليّة خلْقٍ جديدة ومدهشة من الاحتمالات تجعل المعنى لانهائيًّا.
ـ صعود الأنا وقيمه التبادلية من أنا الجماعة إلى أنا الفرد الذي يعيد التأْريخ لأشجار نسبه الرمزي، الشخصي والجمعي عبر سيرته الذاتية. وبالنتيجة، يعيد النظر إلى الآخر في صوره وهجراته داخل الواقعي والأسطوري.
ـ تقديم مقترح جماليّ ثالث في سياق الشعر العربي المعاصر يُصالح بين خيار الوزن وخيار النّثر، بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النّثر التي أنتجا سائدَيْهما – تدشين وعيٍ انتقاليٍّ ومتطوّر في اللغة يتمرّد على القيمة الاستعماليّة لها، من خلال الانتقال من مفردات المنافي والاغتراب والحنين إلى أخرى ناتجة عن حكمة الخسارة تُطلق أجنحتها في أفق ملحميّ يتنفّس في الأسطوري والتاريخي والديني والرمزي، حيث الذات تصوغ هوياتها داخل هواء اليوتوبيا.
ـ تطوُّر قيم الغنائيّة من الموضوع المركّب إلى الموضوع البسيط، الذي يُركِّز على ما هو إنسانيّ وعاديّ وهامشيّ في تَجْربة قلقة تُريد امتلاك التسمية من جديد، خارج الموتيفات المكرورة.
وما زلت أرى أن البحث في شعر محمود درويش ينبغي أن يركز على أقانيم هذه التجربة، وبالقدر ذاته ينبغي أن يهتم بالعمل النثري لهذا الشاعر الذي كان يتقاطع مع هذه التجربة، بل ـ أحيانًا- يتجاوزها.
 
٭ شاعر مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات