عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Mar-2017

قراءة في رواية «آخر القلاع» لرائدة الطويل

الدستور-سليم النجار 
 
قد لا يحتاج المرء إلى الكثير من الفطنة كي يدرك أن هذا الزمن الراهن هو طور غير ثقافي بأي حال من الأحوال، مع أن الناشطين في مضمار الثقافة اليوم، وعلى امتداد المجال الشاسع للغة العربية، هم من الكثرة بحيث لا يتيسر إحصاؤهم. وبما أن الثقافة لم تعد قيمة كبرى كما كان حالها قبل جيل واحد وحسب، فقد استوى الذين يحلمون والذين لا يحلمون، وصار في مقدور أي أمي أن يمارس الكتابة مدعيا أنه خير الكتّاب دون استثناء. وبإزاء هذه الظاهرة ذات المضمون الانحلالي، فإن للمرء أن يتذكر قول أبي الطيب المتنبي:
 
وشر ما قنصته راحتي قنص
 
شهب البزاة سواء فيه الرخم
 
ورغم ذلك، فالرواية تقاوم لهذه الظاهرة غير الثقافية المنفلتة من عِقالها، وهذه في حدها المقبول حبكة متراصة أو مستمرة وشخصيات حية ينبض فيها الدم الطازج الحار، ورسالة موجهة إلى ضمير الإنسان الذي هو البرهة الأقدس في بنيته كلها. ولا يخفى على من قرأ ثلاثية دس بانسن أن الحبكة مفككة أو مهوشة، وأن الشخصيات بلا حياة أو بغير دم يتدفق في الشرايين، فكيف أصبح دس بانسن أعظم روائي في زمنه؟ أليس هذا الزعم من قبيل الجهل بناهية الرواية؟ فلكم أصاب ذاك الذي قال: عندما نحكم يُحكم علينا، وما أصدق هذا المثل «الجاهلي»: دل على عاقل اختياره. 
 
والآن، أو بعد هذه المقدمة، لا بأس في التوكيد على أن هناك تجارب روائية ما زالت تجتهد في البحث عن مكانة متميزة في هذا المشهد الثقافي الإنساني، ورواية «آخر القلاع» للكاتبة رائدة الطويل الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، تأتي في سياق التجارب الروائية التي تستحق القراءة خاصة أن البنية الروائية لرواية «آخر القلاع» تجنبت منزلق التشتت أو التبعثر وتفكك الأوصال، وأن تنجز الالتحام العضوي، بحيث لا تظل التفاصيل مجرد ركام، أو كومة من الجزئيات التي تتراصن أو تتجاوز، ولكن دون أن تندغم في الكلية الشاملة. وهذا هو معيار التماسك والتجانس والتراص على مستوى الحبكة أو المسرود. ولئن لم يلتزم الروائي بهذا المعيار، فإنه لن ينتج سوى رهل وتهويم، وهذا ما لم تفعله الطويل، وانحازت إلى التماسك والتجانس.
 
كما دفعت الروائية الطويل قوة شخصياتها الروائية على الاستباب داخل وجدان القارئ، أو في لباب نفسه، حيث تتمتع بحضور لا يقل كثافة عن حضور الكائنات العينية المحسوسة، وهي لا تؤتي هذه السمة إلا إذا كانت تتحسس البؤس، بل إلا إذا راحت تكابده أو تحانيه. ولعل الشخصيتين المحوريتين في الرواية، أن تكونا من أجود الأمثلة على هذا الصنف من الشخصيات؛ فلقد خلقت رائدة هاتين الشخصيتين، أقصد الفدائي الفلسطيني الشهيد أبو سليم، وشاتيلا ابنة الشهيد.
 
كما أن الأسلوب الروائي التي أبدعته الطويل في الرواية مزود على الدوام بشيء من الغنائية، أو الشاعرية التي تملك أن تحيل اللغة إلى نصوع وإشراق، «ليست الأمكنة وحدها من يمدنا براحة الانتماء، وإنما شدة قرب من أحببنا، لأننا نشعر أننا بغياب لمستهم مبعثرين في الأرجاء، ومغتربين وراء أرواحهم « ص 65
 
 ويمثل هذا الأسلوب الإلهامي تفتح النفس من الداخل كما تتفتح الزهرة في الربيع. ولا مرية في أن هذا التفتح هو واحد من الأهداف النهائية للرواية والفن معا،بيد أن الأسلوب الروائي الأرقى لا يكتفي بالسمة الغنائية التي لا بد نبذها حينما تتسطح، بل هو يوظف لغة باطنية شديدة الثراء وشديدة القدرة على استبار الشعور في آن واحد «وكما رحل اللاجئون وهم يحملون مفاتيح بيوتهم كأرواحهم، حملت المفتاح وأخفيته في جيبي، كقطعة حلوى» ص 35.
 
وما هو جدير بالملاحظة أن الأسلوب الروائي القوي مأهول على الدوام بجملة من الخصائص أو الصفات، وليس بصفة واحدة تحتكر الداخل كله. وفضلا عن ذلك، فإن الأسلوب الجذاب أو الراسخ رسوخ الطرد هو حي ونامي أو متحول، أي تقبل التغيير الذي هو نقلة عميقة تطرأ على الكيف حصرا. وأهم ما في أمره أنه تلقائي وبعيدا الافتحال، أو عن كونه مجرد حامل جامد لفكرة مسبقة الصنع.
 
ومما هو لافت للانتباه أن المرأة في الرواية قد أسهمت في صنعها منذ زمن مبكر جدا وحتى يوم الناس هذا. ونشير هنا إلى الرواية الإنجليزية على سبيل المثال، بل إن مما له دلالة أن الرواية ( لا المسرحية والقصيدة) قد اجتذبت النساء في كل مكان على الأرض. ويمكن ضرب مثالا آخرا (أسهمت ثلاثون امرأة تقريبا في كتابة الرواية الإسبانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحده)، وفي طور الازدهار (1847-1904) استطاعت ماري آن الملقبة بجورج اليوت، أن تنتج عددا من الروايات المتميزة حقا، فما من ريب في أن تلك المرأة هي كاتبة موهوبة، بل نادرة، وأكاد أن أجزم بأنها أعظم من جين أوستن وفرجينيا وولف. أقول هذا مع أنها كانت تتبنى الصهيونية على نحو مفرط في التطرف إذ يتوجب على كل امرئ أن يلتزم بهذا المبدأ الأخلاقي النبيل «ولا تبخسوا الناس أشياءهم».
 
وعلى هذا المنوال حاولت الطويل، بناء شخصيات ثنائية في روايتها، لا من باب الإقحام، بل من زاوية أن المرأة تلعب دورا غير قليل في حياة الرواية، وجاءت في سياقات طبيعية لا منفعلة، فالمرأة هنا إنسان قبل أي تصنيف جنبوي : «صرخت داخلي، وأنا؟  ليست أم سليم وحدها من كان بحاجة السفر والعلاج، أنا كذلك كنت بحاجة لترميم ما تبقى داخلي من أمل وفرح وأحلام، أنا كذلك كنت بحاجة السفر لأجد مساحة أخرى تستوعب الشوق واللهفة وظلال سنوات العمر التي كانت تتهاوى بدونك كزهور ذابلة، أنا أيضا كنت بحاجك لقاءك لأخبرك أن فارق السن ليست عائقا بيننا» ص 70
 
ومما هو جدير بالتدوين في هذا المقام أن الأخلاق في الفن الروائي اتخذت محورا لمحتوياته الكبرى، ولاسيما في انجلترا وروسيا، وذلك منذ نشوئه في أواسط القرن الثامن عشر وحتى نهاية طور ازدهاره مع الحرب العالمية الأولى، قد تخلى عن هذه الموضوعة الجوهرية واتبع الاتجاهات الفكرية المتنوعة في القرن العشرين. ويبدو أن الطويل ما زالت مؤمنة في أن القين الأخلاقية هي جوهر عملها الروائي، وإن جاء معظم هذه القيم على لسان شخصياتها الروائية النسائية «لم تعلم خالتي إحسان وجدتي حينها أن مجيئي للدنيا بعد ساعات من وصول والدتي لمخيم شاتيلا كان شؤما عليهما، أو ربما علمتا وابتلعتا حسرتيهما واكتفتا بالرضا على الرغم من فرحتهما بنجاة والدتي، إلا أن خبر مقتل زوج خالتي في حادث سير لحق فرحتهم بولادتي بساعات» ص 9
 
ولا بد من الإشارة في هذا المضمار إلى أن ثمة فروقا ماردة بين رواية القرن الناضج ورواية القرن التالي، ويتجلى أبرز هذه الفروق ناصعا في أن الأولى كانت شديدة القدرة على بناء حبكة متماسكة ومتجانسة،وكذلك على إنتاج شخصيات منعمة بالدم الأحمر القاني المشبع بالخضاب. أما رواية القرن العشرين والواحد والعشرين أيضا، كثيرا ما تحذف الحبكة، أو تجيء بحبكة نحيلة فقيرة لا تصلح كي تكون هيكلا عظيما للنص. كما أنها كثيرا ما تجعل من الشخصية فكرة مجردة شاحبة، أو حاملا لفكرة مجردة هزيلة. وهذا ما حاولت الطويل جاهدة تجاوزه في هذه المثلية، وقدمت نصا روائيا يعرف كيف تصاغ الحبكة، كما تعرف دور الشخصية الروائية كيف تكون داخل النص الروائي.
 
إذن لا حرج من التوكيد على أن العنصر الأهم في كل رواية جيدة هو مناخها الخاص الذي من شأنه أن يسبغ النكهة على جميع أجزاء النص. فلكل رواية مناخها الفريد الذي لا يخص أية رواية سواها تماما كما أن لكل إقليم مناخه الذي يخصه وحده دون سائر الأقاليم. ولا غرابة في أن هذا المناخ هو سر النص وصانع المزية فيه.
 
يأخذ العنوان اهتماما كبيرا في حقل الدراسات النقدية المعاصرة باعتباره العتبة الأولى للنص، وبؤرة دلالية تشع ضوءها على محاوره، لذا كان من المهم الوقوف عند عنوان رواية «آخر القلاع»، ومحاولة استنطاقه، فتقابلنا في البداية كلمة آخر بانتمائه إلى الواقع مضافة إلى كلمة القلاع التي تشير بدورها إلى محاولة الانفلات من هذا الواقع إلى عالم الواقع بما فيه من محاولة تعويض انتكاسات الواقع أو تقطير هذا الواقع إلى معنى أكثر سعادة : «وحدها أم سليم من زرعت داخلي اطمئنانا بأن المرض ضعيف أمام إرادتنا، وأنه لا يقوى على أن يهزمنا بابتسامتها التي ابتلعت الصدمة»ص 68.
 
كما تأتي كلمة آخر باعتبارها الشيء الذي يحمله جاني القلق في مسارب الحياة كي يضع فيه قلقه متوائمة مع كلمة القلاع التي تشير إلى معايشة أحلام الشتات الفلسطيني في مواسم الهجرة المتكررة، وتأتي كلمة القلاع لتضخ مزيدا من دلالة الفرح بهذا الثراء المجدول بالأحلام، ثم يأتي حرف العين ليرجح أيضا من هذه الدلالة، لكن النهاية تأتي كلمة آخر لتنسف دلالة الفرح في موقع آخر من الرواية التي كانت في طور الاكتمال مع الكلمات السابقة، وتحولها إلى حزن وشقاء فجائي. وهنا يبدو تناص هذا العنوان مع قصة الفلسطيني المشرد، فتطل هذه القصة بملامحها القوية تحت نقاب هذا العنوان الشفيف. كما يتناص مع تلك القصة التي وردت في حياة أي فلسطيني لاجئ. وقد نهض تكرار قصة اللاجئ الفلسطيني في الرواية واضحا في هذا العنوان، وقد بث هذا التكرار ترجيحا موسيقيا كان له إسهامه في الدلالة الصوتية والمعنوية معا: «نسيت السلاح والدم، وخفت على عينيك من أن تصير مرمى لطلقاتهم، فيندلق منهما البحر والسماء» ص 15.
 
وبد، إذا اعتبرنا الحب هو أنجع الأدوية الوقائية ضد الأمراض والأوبئة التي تفتك بالفرد والمجتمع، جسدا وروحا، زمن السلم، وأعتقده كذلك، فمما لا ريب فيه أن يكون _أي الحب_ أنجع الأدوية العلاجية أيضا زمن الحرب، فالمحب، وبصرف النظر عن محتده ومآله ومذهبه وروائييه لا يكره، وإن كره، فإنما يكره الخيانة والسرقة والظلم والفساد وما إلى ذلك. المحب لا يكره، وإن كره لا يحقد، وإن حقد لا يقتل، وإن قتل لا يشوه ولا يمثل.
 
هذا ما سعت إليه رواية «آخر القلاع» للكاتبة رائدة الطويل؛ ترسيخ قيمة الحب كقيمة عليا للإنسان.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات