عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Mar-2017

وسط البلد*بيار لوي ريمون

القدس العربي-إنه تعبير متداول، كما هو معروف، في أنحاء مصر العمرانية بأنواعها، وفي القاهرة بصورة منتشرة جدا. فالعاصمة المصرية يتعدى وسطها مجرد كونه تقاطع شوارع رئيسية يؤدي بالمارة وكذلك بصفوف «عربياتها» غير المنتهية إلى ميداني التحرير وطلعة حرب.
وسط البلد في مصر فلسفة قبل أن يكون تعبيرا متعلقا بحركة المرور، إنه نقطة تلاقي ابناء الطبقة الميسورة المدعوة أيضا، دون أن يكون التقاطع بين الصفتين حتميا، بالطبقة الفكرية. فضلا عن تسمية جوقة عازفين أنفسهم بالمسمى ذاته.
لقد دخلت فرنسا فلسفة «وسط البلد» أيضا، ولكنها لم تدخلها في تقديري على الطريقة المصرية. دخلتها تدريجيا وفي حقب مختلفة من تاريخها المعاصر. عرفت «أوساط البلاد» الفرنسية ساعتها الذهبية الأولى عند تطور ظاهرة الـgentrification التي تعرف اصطلاحا بانتقال الطبقة البورجوازية إلى أحياء في المدن بالإقامة (وأحيانا الإقامة والعمل معا) في مناطق ينتمي سكانها اصلا إلى الوسط «الشعبي» أكثر. الدائرة الحادية عشرة في باريس مثلا شاهدة على هذا الانتقال والتحول، لتنطبق على الموقع تسمية جديدة، مستوحاة من مصطلح «bobo»الدارج على الألسن في فرنسا والذي يعني «البورجوازي». من هذا المنطلق، انتشر تعبير «boboisation»للدلالة على ظاهرة تحول الأحياء تلك إلى مناطق يؤمها «البورجوازيون» في الأغلب. 
إلى أن غالبت الحياة السياسية الفرنسية «فلسفة وسط البلد» أيضا. فليس الوسط الذي نشهد تطوره في الوقت الراهن في السياسية الفرنسية وسطا سياسيا عاديا. تروج فكرة ان هذا «الوسط الجديد»، «لا يميل إلى الوسط ولا يميل إلى اليمين» ربما.. لكن الأهم لا يكمن هنا، الأهم يكمن في الفلسفة التي تجعل من الشأن السياسي الفرنسي شأنا يقاس بمعايير جديدة، تتصور قوى التقدم والعدالة الاجتماعية داخل منظومة تتعامل مع المبادرة الليبرالية بدل ان تهمشها. فيصبح الوسط الفرنسي مركز تجمع طيف ينطلق من أبناء الطبقة الوسطى الفرنسية المرفهين جدا إلى أبناء الطبقة الوسطى المرفهين نسبياً، لتتحقق على أرض الواقع مقولة فرانسوا ميتران المعروفة: «الوسط ليس من اليسار». مقولة بعيدة الدلالة وضاربة جذورها في المفارقة يقصد بها أن السواد الأعظم من المعنيين ينتمون لليسار عقيدة ويغيبونه سلوكا.
قيد التحقيق في فرنسا الآن هو المشهد الذي استبقه رئيس الجمهورية اليساري الاسبق (وإن كان في ما يخصه أكثر من علامة استفهام بشأن انتمائه إلى «اليسار» بالمفهوم الفرنسي للكلمة). فالسواد الأعظم من الناخبين في فرنسا أصبح يبحث عن البديل. بديل مارين لوبان طبعا لا يمكن أن يستبعد ( وان كنت استبعد شخصيا وصول الأخيرة إلى سدة الحكم)، لكن بديلا آخر أكثر تجذرا في الوعي السياسي الجمعي المتواصل اصلا مع الأحزاب المعتدلة يتنامى أيضا، ويكمن في رفض فكرة التحزب والتصويت لأحزاب.
من هذه الزاوية تمكن إيمانويل ماكرون من إحداث شرخ في المنظومة السياسية الفرنسية التقليدية بدفع «إلى الأمام» حركة أسسها وسماها بالاسم ذاته.
 حركة وليس حزبا. ومن هذا المنطلق ارتفعت أصوات لتعلق على هذا الجديد السياسي المتجذر في المجتمع المدني – على مستوى النوايا على الأقل – فأطلقت عليه توصيفا من قبيل «جعجعة ولا أرى طحنا». «الجعجعة» طبعا هنا بمعنى الحركة التي تتوخى نسف ركائز الطبقة السياسية الفرنسية التقليدية من أساسها، و»الطحن» الغائب بمعنى انعدام قدرة الرجل على تأمين أغلبية حاكمة في حال وصوله إلى سدة الحكم. 
وهنا يكمن التحدي. تحد يتفرع إلى فرعين أساسيين: 1.قابلية ماكرون على إسقاط تغيير جذري على كيفية تصور تركيبة الطبقة السياسية الحاكمة في فرنسا بنقلها من منطق التحزب أسير فكي أيديولوجية الثنائية «يمين/ يسار» إلى منطق الحركة القائمة على تخليص أفكار صالحة للتطبيق الميداني من عصف ذهني غني بالمبادرات والمصادر والمراجع.
2 ـ قابلية ماكرون لإحداث تغيير في «المفاعل النووي» للعقيدة الفكرية التي تقف له بالمرصاد، وهي عقيدة اليسار التقليدي التي ينتمي إليها عدد من المسؤولين السياسيين البارزين الذين أعلنوا – صراحة أو ضمنا – عن رغبتهم في الانضمام إلى حركة «إلى الأمام». فلا يغترن مغتر. وعلى الرغم مما يدعيه ماكرون نفسه، فهو لن يتمكن من إقامة صرحه السياسي مستعينا حصرا بشريحة شبابية لم تمارس السياسية أو بالكاد. هو نفسه الذي يتباهى بانعدام انتمائه الى «الطبقة السياسية» أصلا يغيب من حجاجه هذا – المفترض له أن يكون قويا، وأن لديه – وإن لفترة قصيرة – خبرة توليه وزارة الاقتصاد، أي «عصب حرب» الدولة، لا أكثر ولا أقل. عمق المسألة سيكمن هنا: في مدى تمكن «فيلة» الاتحاد الاشتراكي (وهي التسمية التي تطلق على منتسبي الحزب من الحرس القديم) المنضمين إلى ماكرون، من مجابهة بعقلية متجددة مواضيع مثل محاربة البطالة وإصلاح قطاع التعليم، وتنافسية فرنسا الاقتصادية وضمان مكانتها كقوة اوروبية قيادية وموقع بلدنا في العالم.
مثل السلاح، التحدي ذو حدين: يتوقف من جهة على تقبل المواطن الفرنسي لرياح التغيير وركوبه موجة جديدة يراد بها اكتساح ساحة من الصور النمطية والقوالب السياسية الجاهزة، ويتعلق التحدي من جهة أخرى بمدى اعتناق السياسي المحنك عقيدة التجديد وركوبه الموجة ذاتها.
وأخيرا وليس آخرا، وعلى سبيل خلاصة القول، يتجذر التحدي في مدى مغادرة عقلية «وسط البلد» البرجوازية دغماءيتها المريحة وطنافسها الأيديولوجية الوثيرة للتحرك في خدمة الوطن وإشعاعه. 
تحد ذو حدين وايضا ثلاثي الأبعاد. 
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات