عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Jan-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري «1889- 1986 م »
 
دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر
الحلقة العاشرة
الدكتور أحمد قدري معتقلا في عاليه :
الراي - بعد يومين فقط من احتجازه في سرايا دمشق يوم الاثنين 3 / 1 / 1916 م ، وبعد محاولة والده وهو أحد أمراء الجيش العثماني السابقين رؤيته قبل نقله إلى عاليه ، وسقوطه عن درج السراي وكسر عظام الحوض ، نقل الدكتور أحمد إلى عاليه ( مصون الكرامة ) كما يقول ، لأنه كان برتبة يوزباشي في الجيش ، وسنعود إلى مذكرات تحسين قدري وأيضا إلى مذكرات أحمد قدري لأنهما تكملان الأحداث التي تشارك فيها الأخوان لنرصد أحداث السجن في عاليه ، والتي انتهت بشنق مجموعة من خيرة المفكرين وأهل القلم العرب ، المعتقلين في عاليه ، ونبدأ بمتابعة ما حدث للدكتور احمد ، الذي أودع في سجن عاليه في الغرفة المجاورة لغرفة شفيق بك المؤيد ، وغرفة سليم بك الجزائري ، وقد لاحظ الدكتور أحمد أن شفيق المؤيد أطلق لحيته وتحولّ لتلاوة القرآن الكريم ، في حين كان سليم الجزائري يرتعد من شدة برد عاليه وهم في عزّ كانون كما يقال ، وكان ينشغل بإيقاد الفحم في مدفأة من الطين في الغرفة للتغلب على برودة المكان في هذا المصيف اللبناني المعروف ، وعند وصول الدكتور أحمد لغرفته أبلغ بأنه محظور عليه أن يتحدث إلى غيره من السجناء ، وأنه إن خرق هذه الأوامر فسيتم إطلاق الرصاص عليه ..! .
 
الطبيب المعتقل :
يقول الدكتور أحمد بأنه وهو معتقل في عاليه حدث أن أصيب شقيق جمال باشا السفاح بمرض ضمن اختصاصه أي مرض جلدي أو زهري ، ويعقب على ذلك بقوله بأن أطباء الاختصاص آنذاك كانوا حالة ندرة ، أو كما يقول في حكم المفقودين ، وانه دعي إلى معالجته ، ولذلك تمّ تحويله من غرفته إلى مقرّ قيادة سرية المحافظة على المسجونين ، وأشار إلى أن قواد هذه السرية من خيرة الرجال الذين يعتمد عليهم جمال باشا السفاح ، وهم من متطوعي أتراك بلغاريا ، وقائدهم نوري بك الذي يثق فيه جمال باشا كثيرا ، وكان من أعضاء ديوان الحرب العرفي ، ومساعده حسني بك وهو من الروملي الشرقية ، وقد تصادف أن احتاج حسين بك وهو رئيس « الهيئة الإتهامية « ، إلى علاج ، ووثق بالطبيب أحمد قدري بعد أن نجح علاجه مع شقيق جمال باشا ، فتم تخصيص سرير للدكتور أحمد في غرفة منام نظيف بك ، وهو مترجم ديوان الحرب العرفي ، وتم تمتين الصلة بين هذا الشاب الذي يعمل مترجما في الديوان العرفي ويطلع على الأمور ، وبين الدكتور أحمد ، وكان من جملة ما عرفه الدكتور احمد من رفيقه بالغرفة المترجم نظيف بك ، أن عبد الغني العريسي كتب تحت التعذيب إفادة وافية ، مما جعل الدكتور أحمد يتخوف ، ويخطط للقاء العريسي ، وهو أمر محظور ، وقد استطاع تدبر أمره وقابله ، وعرف منه أنه كتب في إفادته ما يخص مؤتمر باريس والجمعية الإصلاحية ببيروت ، وأنه لم يكتب شيئا عن جمعية العربية الفتاة ، وكانت إفادة العريسي قد أبعدت الظنون عن العربية الفتاة حسبما ذكر الدكتور أحمد ، وقد أورد أحمد قدري تفاصيل كثيرة لكيفية اتصاله بالمعتقلين في سجن عاليه بأساليب مبتكرة تعتمد على موقعه كطبيب . ما هو دور تحسين قدري في إنقاذ شقيقه ..؟
 
يضيف الدكتور احمد بأنه ( في هذه الأثناء أي في شباط من عام 1916 م ، وصل أنور باشا إلى دمشق ، ليعد العدة لحملة يمدّ فيها القوى العثمانية التي تقاتل الإنجليز في العراق ، ولتفتيش القطعات المحاربة في سورية والحجاز ، ولما كان أخي تحسين ملحقا بأركان حرب فخري باشا وكيل قائد الجيش الرابع ، فقد مرّ بعاليه مع هيئة أركان الحرب ، وزارني خلسة ، وهذه الزيارة هي الوحيدة من نوعها ، إذ لم يسأل عني أحد منذ اعتقلت ، لأن أخي زكي الذي كان قائم مقاما في السويداء قد أقصي إلى الأناضول مع جميع العائلة ، ولأن والدي انتقل إلى دار البقاء ، ولقد علمت من أخي تحسين أن « شوبان أوغلو زكي « أحد الضباط من أصحاب النفوذ في هيئة أركان حرب جمال باشا ، ومن الذين كانوا يترددون عليّ فيما مضى بصورة مستمرة ، سيوصي بي خيرا أعضاء ديوان حرب عاليه ، وهكذا تمتّ جميع إجراءات ديوان الحرب من غير أن أدعى للتحقيق ، وحدث أنني اجتمعت بكمال بك مستنطق ديوان الحرب ، وذلك قبل الإفراج عني بيومين ، فكان مما قال لي : ( إننا نحكم بالشنق على كلّ من يؤتى به إلى هنا ، كي لا يبقى في بلاد العرب من يفكر بالانتفاض على الدولة العثمانية ، أما أنت فقد غدوت صديقنا ، وأعتقد أنك من الذين سيفرج عنهم إذ لا خطر منك ، فإذا ما دعيت للسؤال ، فعليك أن تتظاهر بالبساطة واستنكار كلّ ما يعزى إليك .) وعلى هذا الأساس جرى استنطاقي صوريا بتاريخ 14 / 3 / 1916 م ، وبعد يومين لا أكثر ، بلغت قرار منع المحاكمة ، فغادرت عاليه إلى دمشق عقب الإفراج عمن لم يحكموا بالإعدام ، ورحت أسعى جهدي لإنقاذ من أستطيع ممن سيحكم عليهم بالإعدام ، وأول من قصدت كان واصل المؤيد ، حيث طلبت إليه العمل على إنقاذ شفيق المؤيد الذي أبعدت أسرته إلى الأناضول ، كما أبعد من سورية عدد كبير من الأسر النافذة الكلمة ، لإضعاف الحركة الوطنية ) .
 
ويبينّ الدكتور أحمد قدري أنه حاول مع رئيس ديوان حرب عاليه شكري بك ، والذي حضر إلى دمشق ، فدعاه إلى حفلة ساهرة ، ورجاه أن يساعد في إخلاء سبيل المعتقلين في عاليه ، فاعتذر عن عدم قدرته على تلبية هذا الأمر ، بسبب سياسة جمال باشا السفاح الذي يصرّ على شنق أكبر عدد من المعتقلين .. وهذا ما تمّ في 6 مايو / أيار من عام 1916 م .
 
ويبدو بوضوح مما ذكره الدكتور أحمد أن هناك الكثير من الأسر الدمشقية التي تمّ نفيها إلى الأناضول ، وهذا يعني أن تخرج العائلة بكبارها وصغارها ، وتترك كلّ ما لها من ممتلكات ، وتسير منفية إلى الأناضول ، بلا دخل ، ولا عناية طبية ، ولا تعليم لصغارها ، ولا رعاية لكبارها .. وقد ذكرت جريدة القبلة التي أخذت تصدر في مكة المكرمة مع ثورة الشريف الحسين بن علي وبشكل دائم ، أسماء الأسر الدمشقية وغير الدمشقية ممن نفاهم السفاحّ جمال باشا بلا رحمة إلى الأناضول ، في الوقت الذي كان يتم فيه طرد وإبادة الشعب الأرمنى ، وإقصائه إلى البلاد العربية وتحديدا إلى بلاد الشام ، وكأن البشر ملك يمينه ، وكأنه الحاكم بأمره بلا مراعاة للدستور أو القوانين أو الشرائع الدينية ، فهل يلام العرب إن ثاروا لكرامتهم المنتهكة ، وحريتهم المسلوبة . .؟
 
تقدم مذكرات تحسين قدري التفاصيل الغائبة عن رواية الدكتور أحمد قدري المعتقل في عاليه ، والذي يقدم ما كان يجري معه من أحداث محدودة بما يجري في سجن عاليه ، في حين تقدم رواية تحسين قدري الأحداث التي حركت الأحداث اللاحقة في عاليه ، صحيح أنها جرت لإعدام المعتقلين ، لكن تحسين قدري تمكن بذكائه ومجازفته من إنقاذ شقيقه ، وهي مجازفة كبيرة إذا ما تذكرنا أن شقيقه الأكبر زكي قد جردّ من وظيفته ، ونفي هو وعائلته إلى الأناضول ، وان الوالد توفي مكسور القلب بعد اعتقال ابنه الدكتور أحمد في عاليه ، لأنه كان يعرف أن من يعتقل في عاليه ، فإن مصيره الشنق لا محالة ..!
 
يقول تحسين قدري : ( تردد اسم أخي على ألسنة المعتقلين ، ولكن لم يذكر أحدا تفاصيل تأسيسه وانتمائه لجمعية العربية الفتاة ، ولم يكن فيه بد من استجوابه ، فأرسل في طلبه « رئيس اللجنة التحقيقية « في عاليه ، واعتقل يوم 3 يناير من عام 1916 م في دمشق .
 
رواية تحسين قدري للأحداث : يقول في مذكراته مؤرخا لما جرى : ( ومن غريب الصدف أن يقع ملف المعتقلين في يدي ، لأن فخري باشا الذي كنت منتسبا لقيادته ، كان يعتقد بأني محطّ اعتماد جمال باشا ، وكان واضحا أن جميع أولئك المعتقلين ومنهم أخي في خطر من صدور أحكام الإعدام ، وعلي أن أوصل محتويات هذه الملفات إلى المعتقلين ، لكي يكونوا على علم بالتهم ، ودراية بالأجوبة المناسبة التي قد تنقذهم من حبل المشنقة ، ووجب عليّ أن أكرسّ اهتمامي وحياتي لهذه الغاية ، ولكني احترت في إيجاد الخطة المناسبة لمقابلة أخي ، ومن حسن الصدف أن يطلب جمال باشا الذي كان في بيروت في فبراير من عام 1916 م ، أن ينتقل مقرّ الجيش الرابع مؤقتا من دمشق إلى بيروت ، وذلك للتشاور مع فخري باشا وقيادته بخصوص الحركة العربية ، والتهيؤ سرا للذهاب إلى المدينة المنورة لاحتمال قيام الشريف حسين بن علي بالثورة ضد الأتراك ) .
 
يتوسعّ تحسين قدري في تتبع الخطوات التي قام فيها ليقابل شقيقه في عاليه ، يقول : ( قمت سراّ بجمع المستندات الخاصة بالمعتقلين ، ووضعتها في بطن سلةّ لحمل الفواكه ، ثم توجهت مع بقية قيادة الجيش الرابع إلى بيروت في قطار خاص ، أبطأ القطار في انعطاف في الطريق قبل الدخول إلى محطة عاليه ، وانتهزت الفرصة ورميت نفسي من القطار وهو سائر ، وتوجهت إلى السجن ، ووجدته بسهولة حيث أن الملفات كانت تحتوي على جميع التفاصيل حتى الجغرافية منها ، ولم يعترضني الحارس ولا ضابط المقرّ لأني كنت في اللباس العسكري ، وقلت للضابط المحافظ إنني جئت للتفتيش على الموقوفين ، فأدى لي التحية ودخلت السجن ، وقابلت أخي الدكتور أحمد ، وأفهمته ما يلزم في الردود على المستجوبين وقت التحقيق ، بعدها رجعت مسرعا للحاق بالقطار ، واستطعت الركوب في آخر لحظة من قيامه من محطة عاليه ... ) ويعقب تحسين قدري على ما أورده بقوله : ( كانت هذه الواقعة السبب المباشر في إنقاذ حياة أخي من موت محقق ، وتمّ الإفراج عنه بعد الاستجواب في 14 مارس من عام 1916 م ) .
 
الإعدام البشع مرةّ أخرى : صدرت أوامر السفاحّ بتنفيذ حكم الإعدام بلا رحمة ، ويختصر تحسين قدري الخبر بذكر أسماء الذين أعدموا ، في حين توسعّ الدكتور أحمد قدري في مذكراته بتفاصيل الإعدام ، يقول تحسين قدري : ( ولم تكد تمضي بضعة أيام حتى تقررّ إعدام الآخرين ، وهكذا تم سوق القافلة الثانية من شهداء العروبة إلى بيروت في 6 مايو من عام 1916 م وهم ينشدون الأناشيد القومية ، ومن الشهداء كان سعيد عقل وبيترو باولي وجرجي حداد ، ومن أعضاء العربية الفتاة عارف الشهابي وعبد الغني العريسي وعمر حامد ، واعدم أيضا الشيخ أحمد طبارة ومحمد الشنقيطي وتوفيق البساطّ وسليم الجزائري وأحمد لطفي ، ومن الشهداء من أعدم في دمشق في نفس اليوم وهم : شفيق المؤيد وعبد الوهاب الإنجليزي وشكري العسلي وعبد الحميد الزهراوي والأمير عمر الجزائري ورفيق رزق سلومّ ) .
 
أما الدكتور أحمد قدري فقد توسعّ في خبر إعدام شهداء 6 أيار من عام 1916 م ، يقول : ( قضي على هاتيك النفوس البريئة أن تمضي إلى بارئها ضحية طغيان جمال باشا ، فلم تشرق شمس 6 مايو من عام 1916 م ، حتى كان حكم الإعدام قد نفذ بالقافلة الثانية ، فسيق من كتب عليهم أن يعدموا في بيروت من عاليه توا إلى دائرة شرطة المدينة المذكورة ، وكانوا ينشدون الأناشيد الوطنية ، وأول من حملته أعواد المشنقة كان سعيد عقل وبترو باولي وجرجي حداد ، ثم أعقبهم من إخواننا الأكرمين عارف الشهابي وعبد الغني العريسي
وعمر حمد ، وكانوا يرددون أنشودة :
نـحــــــــــن أبــنـــــــاء الألـــــــــــى : شــــــــــادوا مـــجــــــــدا وعــلــــــــى
نـــــســـــــل قـــحــــطـــان الأبـــــــي : جـــــــــــــــد كــــــــــــــل العــــــــــرب
وعندما صعد عمر حمد منصة المشنقة ، صاح في وجه السلطة الحكومية : « إن هذا الذي ترتكبه الحكومة الآن سيقوض أسس الدولة ، ويكون سببا في خرابها « ثم خاطب الحاضرين قائلا : « إنني أموت فداء الأمة العربية غير خائف ولا وجل ، فليسقط الخونة وليحيا العرب « .
 
وصاح عبد الغني العريسي والحبل يوضع في عنقه قائلا : « إن الدول تبنى على الجماجم ، وإن جماجمنا هي أساس استقلال بلادنا « . ثم أعدم الشيخ أحمد طبارة ومحمد الشنقيطي ، وعندما جاء دور توفيق البساطّ، التفت نحو المشنوقين وكان عددهم أحد عشر شابا ، ثم صاح بصوت جهوري ، وعلى محياهّ ابتسامة مرةّ : « ألا مرحبا بأرجوحة الأبطال ، مرحبا بأرجوحة الشرف ، مرحبا بالأعمدة التي يستند إليها استقلال الأمم ، مرحبا بالموت في سبيل الوطن « ثم رفس كرسي المشنقة برجله ، وفاضت روحه الطاهرة إلى باريها ، وكانت خاتمة المأساة شنق سليم الجزائري وأمين لطفي .
شهداء دمشق في ساحة الشهداء : ويتابع الدكتور أحمد قدري المشاهد المأساوية والبطولية في آن ، ويرصد وصف شنق المجموعة الثانية من معتقلي عاليه الذين أخذوا من عاليه إلى دمشق ، وهم : شفيق المؤيد وعبد الوهاب الإنجليزي وشكري العسلي وعبد الحميد الزهراوي والأمير عمر الجزائري ورفيق رزق سلومّ ، وقد أعدموا جميعا في ساحة الشهداء صباح 6 مايو 1916 م ، أي في اليوم الذي أعدم فيه إخوانهم في بيروت . ملحمة وأي ملحمة ..!
 
هذه هي الصفحات المضيئة في تاريخنا والتي لا يجوز لنا أن ننساها ولا نزرعها في وعي الأجيال ، لقد فقدنا الصلة مع هذا الزمن العربي المشعّ بالحلم بالحرية ، ورضينا تعطيل العقل ، وقبلنا بتجهيل الجيل وإبعاد هذه النماذج المضيئة عن وعيهم ، وسمحنا بتمرير نصوص التجهيل وتغييب العقل ، وها نحن في القرن الحادي والعشرين وجيل عربي كبير أميّ لا يقرأ ولا يكتب ، مهجرّ في مخيمات الرعب ، يشاهد مسلسلات جزّ الرقاب والدم المراق ، والجثث العربية المدفونة في المقابر الجماعية .. يا االله كم أخطأنا بحق هذا الجيل ، وكيف يمكن أن نمحو من ذاكرتهم مشاهد جزّ الرؤوس البريئة والمقابر الجماعية ..؟ كيف يمكن أن نعيد إلى الوعي العربي زمن الكرامة ..؟ كيف .. ؟
 
أسئلة مؤرقة ، ولكننا نعلم أننا ننهض كالفينيق .. تماما مثل الفينيق .. فإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ونحن نتابع التحاق تحسين قدري بالأمير فيصل في العقبة مع شقيقه الدكتور أحمد ومجموعة من المتنورين الذين آمنوا بالحرية وكسروا القيود .. فلتحيا الحرية ، وإلى اللقاء .
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات