عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

الميتانقد والنقد: أي علاقة وأي منظور؟

القدس العربي حسن سرحان
 
التفكيرُ في النقد (أعني النقد الأدبي بشكل خاص) وتأمل الخطاب الذي ينتجه، لا يقل أهمية ًعن كتابة النقد نفسه، بل قد يكون هذان الأوّلان أوجب من الثاني، وألزم، لاسيما في وقتنا الراهن، حيث الانتشار الكبير لفوضى المصطلح والعبث باستخدامه، وتجــــرؤ الناس على النقد واستسهالهم الخوض فيه بارتجال وقلة معرفة لا تخفيها لعبة الاحتماء بالإبهام والغموض، ومحاولة إرهاب القارئ عن طريق استدعاء أسماء منظّرين معينين والاستشهاد بهم وبمؤلفاتهم بمناسبة وبدونها.
يستوجب التفكيرَ في النقد أيضاً سوءُ الفهم هذا الذي تتعرض له النظريات، وعدم الاحترام لها ولمبادئها، والتطاول على منزلتها، والاستخفاف بدورها من قبل كثيرين من كتّاب المقال النقدي اليوم. المشكلة أن بعض هؤلاء السادة أكاديميون مختصون لهم، في كتبهم المنشورة، فتاوى نقدية ونظريات سردية، أسبغ عليها المحبون لهم والتابعون قدسيةً كبيرة، حوّلتهم برضا منهم أو بدونه، إلى سلطة معرفية يُخشى مخالفتها وقد لا تحمد عواقب إزعاجها والتحرش بها.
لا شك أن نقاداً في هذا المستوى يدركون الفرق بين السؤال عن النص ومساءلته، والكلام فيه والكلام عنه والحفر حوله والحفر داخله. كما أنهم يعون أهمية التفكير العلمي في الممارسة النقدية، على صعيد المقال أو الكتاب، ويعرفون أن الاحتكام إلى الحماسة والذوق والانطباع، والانسياق وراء المشاعر يعيد النقد إلى مرحلة قديمة كان المزاج فيها هو المعيار بالحكم على النصوص. مع ذلك لا يتردد قسم من هؤلاء الأساتذة المحترمين عن كتابة مقالات نقدية عجولة فيها تبسيط مضر لمفهوم النقد عموماً، واستسهال لكتابة المادة النقدية، وتسودها جملٌ مكررة وعبارات مبتورة وأفكار مبتسرة لم تتم مراجعتها بشكل كاف، ورؤى مضطربة مشوشة وتائهة لا يُعرف بالتحديد مقصدها ولا معناها، ناهيك عن الكرم الزائد في وهب المديح لأعمال فنية بلا قيمة أدبية عالية. كل هذا وغيره يحدث بشكل روتيني ولا يحرك أحدٌ ساكناً، لكأنَّ من الطبيعي أن يتحول كاتب النقد المتخصص إلى عارض حال (كما نقول في العراق) يكتب مقالات ركيكة، يعفي نفسه فيها من اتباع منهج علمي مبرر، ويستسلم للاسترسال بالكلام عن النص الأدبي بحسٍّ وصفي يليق بصحافي مبتدئ، أو معلق أدبي قليل الخبرة.
لا بد من الإشارة إلى أن النقد المطلوب منه التروي وتأمل خطابه والتفكر فيه هو النقد العلمي الخاضع للنظرية الأدبية، والمتقيد بقوانينها والذي يكتبه المتخصصون سواء كانوا من الجامعة أم من خارجها. أما التعليقات والمتابعات التي ينشرها الصحافيون الأدبيون، أو كتابات الروائيين عن بعضهم، فإنها غير مشمولة بكلامي، إذ لا يفترض في نوع كهذا من منشورات، الالتزام بنظرية أو الخضوع لقانون، لذا فهي، من هذا الباب، خارج اهتمام النقد العلمي. لا أعني بهذا الأخير النقد الذي نشأ على يد هيربرت سبنسر في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي الحركة التي أرادت من النقد الاّ يكون جنساً أدبياً، بل أن يصبح علماً وضعياً يبحث عن حقائق، ويتجرد من الروح، كي يجاري العلوم الطبيعة التجريبية، يتمثل مناهجها وينهل من مبادئ نظرية التطور وعلم النفس الفيسيولوجي والتجريبي. النقد العلمي المقصود بكلامي هنا هو المنبثق عن نظرية الأدب التي تبنت دراسة هذا الأخير، على أساس كونه ظاهرة ثقافية لغوية استطيقية يمكن تحليلها بالاستناد إلى تفكير نظري.
تقع منطقة مراجعة المكتوب النقدي ضمن ما يعرف بالميتانقد، أو بنقد النقد، لا بحسب معناه الكانتي طبعاً، بل وفق بعده المعرفي العام الذي يشير إلى توجه الفكر النقدي نحو تأمل خطابه، والتفكير بنفسه وأدوات اشتغاله المعرفية وفرضياته الأساسية. في هذه الحالة، توضع الممارسة النقدية بحد ذاتها ومباني النقد نفسها، لا مباني النصوص الإبداعية موضع تساؤل وفحص ومراجعة ونقاش. بعبارة أخرى أكثر وضوحاً ودقة: الميتانقد ميدان علمي بحثي، لا أهمية كبيرة للقول بتبعيته لنظرية الأدب أو استقلاله عنها، لأنه بها أو بدونها يتحمل مسؤولية تنظيم المفاهيم وتحديد الأطر الخاصة بالكتابة النقدية، وفحص سلامة مبادئها النظرية، ومراجعة أدواتها التحليلية وتقييم إجراءاتها التفسيرية والتأويلية. على أساس هذا الوصف المختصر، من الممكن أن يتحدد واحد من معاني الميتا، التي تسبق كلمة نقد في مقالي الحاضر، وهو معنى اعتمد به على رومان ياكوبسون ورولان بارت، كما سأبين.
في مخططه التواصلي، يستخدم العالم الروسي السابقة «ميتا» التي يضعها أمام كلمة «لغوي» فتصبح «ميتالغوي»، للإشارة إلى خطاب ثان يعلِّق على خطاب سبقه، وذلك لشرحه وتوضيحه باستخدام المرموزات اللغوية ذاتها التي ينشأ منها الخطاب الأول. يعني هذا أن الرسالة اللغوية التي يصعب على المستقبِل لها فهمُها، جزءاً أو كُلاً، يعاد شرحها بعناصر ليست غريبة عن طبيعة مكونات الإرسال الأصلي. سيتحدث رولان بارت عن فكرة مماثلة لهذه الأخيرة، في إحدى مقالات كتابه «دراسات نقدية»، لكن كلامه سيكون لتعريف النقد وليس الميتانقد. مع ذلك فإن هذا التعريف مفيد لنا في محاولتنا التقرب أكثر من مفهوم نقد النقد. يقول رولان بارت بأن النقد «خطاب على خطاب» ثم يعود ليصفه مرة أخرى بكونه «ميتالغة»، أي أنه تعليق على اللغة الأدبية للنص الإبداعي بلغة غير مفارقة، تستخدم العناصر ذاتها التي تنتج عنها شيفراتُ النص الأدبي.
يهمني من هذا الوصف والذي سبقه أمر واحد، هو أن «ميتا»، في عرف ياكوبسون كما رولان بارت، تتضمن معنى المراجعة وإعادة النظر، والتعليق عن طريق توظيف أدوات وآليات إجرائية من جنس الخطاب الأول نفسه. أضيف إلى المعاني السابقة مفهومَ المراقبة لغرض التصويب والتعديل، وهو معنى لا يمكن نكران وجوده في البادئة «ميتا»، حسب ما يسنده إليها من إحالات، في الأقل. بحسب ما تقدم، يكون الميتانقد قولاً على قول، ورأياً على رأي، الغاية منه المراجعة والتدقيق والتمحيص واختبار تطابق النظرية مع الإجراء العملي. تلتئم تحت هذا المفهوم العام والعريض للميتانقد كلُّ المراجعات التي عرفتها العلوم الإنسانية والمحضة. أذكر منها، على سبيل المثال ليس إلاّ، مراجعات أرسطو لأفلاطون وسارتر لهيغل وأدورنو وليوتار ودريدا، كل من جهته، لظاهرية هوسرل. في مجال النقد الأدبي، تندرج أسفل عنوان الميتانقد، من بين أمثلة أخرى كثيرة، اعتراضاتُ ومؤاخذات مارسيل بروست الكبيرة والجوهرية على منهجية سانت- بوف النقدية، وقراءات ميك بال لنظريات جيرار جونيت السردية، كما تنضوي تحت مسماه الدراسات الاستقبالية للمؤلفات النقدية على اختلاف مدارسها ومناهجها.
لا أجدني ميالاً كثيراً لتبني فكرة أن الميتانقد يتبع النقد ويحاكيه، كما قد يوحي بهذا المعنى الوصفُ الذي يمنحه ياكوبسون للبادئة «ميتا». ينبغي التأكيد، هنا، على أن هذه الأخيرة تحمل، عند بارت أيضاً، معنى التبعية. إن الإقرار بهذه الفكرة (أي تبعية الميتانقد للنقد) سيؤدي إلى عدِّ النقد نصاً أعلى، والميتانقد نصاً أسفل، وبالتالي تتحول العلاقة بين الاثنين إلى مجرد مواجهة معرفية يختزلها صراع بين قراءة سابقة وأخرى لاحقة. في هذه الحالة، سيتم إقصاء الخاصية الحوارية للخطاب الميتانقدي، وهي واحدة من أهم خواصه، التي لم ينتبه إليها دارسوه. ليس الميتانقد، بحسب فهمي البسيط، قراءة على قراءة، ولا تعليقاً على تعليق ولا معركة فكرية بين ناقد ومنظِّر يختلفان على معنى مصطلح ما، أو حدود نظرية معينة، أو طريقة تفسير ظاهرة سردية تجلت في مكتوب أدبي. الميتانقد، وهذا رأي خاص بي، رؤية علمية واعية أوسع بكثير من أن تكون مجرد ردِّ فعل على فعل، ولا أن تتلخص في عملية ملاحقة الناقد وتتبعٍ هفواته وإثارة الإشكالات بخصوص منهجيته ولغته ومراجعة آليات اشتغاله. إنه إضافة إلى شيء مما سبق، بنية مفتوحة غايتها الحوار وتنمية الحدود المعرفية بينها وبين الخطاب النقدي. هذه العلاقة الحوارية لا تلغي حقيقة أن الميتانقد يتفوق على النقد في نقطة مهمة وجوهرية، هي أن الأول تجسيد لمنهج والثاني تمثيل لنظرية والمنهج أوسع من النظرية وأشمل. إذا كان النقد عملاً إجرائياً تطبيقياً، فالميتانقد علم خالص محض والعمل، كما تقول قاعدة حوزوية أصولية، تابعٌ للعلم ومبنيٌ عليه يصح بصحته ويبطل ببطلانه.
بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول مفهومه يبقى ثابتاً، في الحالين، أن هذا النوع من النشاط الذهني المتعِب والصعب لا يحظى بمكانة مناسبة في حياتنا الثقافية العربية الراهنة، بل لعله بلا حضور فعّال يذكّر به ويشير إليه. قد يعود السبب في هذا الإهمال إلى طبيعة مزاج المثقف العربي الذي يميل إلى المجاملة أحياناً وإيثار السلامة وراحة البال أحياناً أخرى، ناهيك عن استهانته بالمراجعة بشكل عام، إما من باب التعالي عليها، أو لأنه لا يرى فيها، أصلاً، ضرورة ولا فعلاً معرفياً جاداً ومكوِّناً محورياً من مكونات الابتكار والتجديد، ومنطلقاً جوهرياً لإثارة الإشكاليات وتفكيك الخطابات النقدية ودراستها وتجديد مصادرها.
خلاصة ما أريد قوله هنا إن لتفعيل دور الميتانقد في حياتنا الثقافية وتواصل الكتابة فيه فوائد أهمها، تسليط الضوء على المشهد النقدي وضبط إيقاعه ودراسة اتجاهاته وكشف ميوله والتنظير له، وأقلها تمييز حسنه من رديئه، استناداً إلى مدى الاحترام لمبادئ النقد الجاد، المتقيد بمعايير الكتابة النقدية العلمية التي تهتدي بهدي النظرية الأدبية وتسير على مسارها. أليس في هذه الفوائد المتنوعة وغيرها، مما غفلت عنه، ما يوجب علينا الاهتمام بشكل أكبر بالميتانقد والتشجيع على ممارسته وتدريسه ودرسه والتعظيم من شأنه كما يفعل أصدقاؤنا الغربيون؟
كاتب عراقي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات