عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2018

أسلحة الدمار الذكورية

 الغد-بياتريس فين

 
جنيف - بصفتي واحدة من أنصار القضاء على الأسلحة النووية، فإنني لا أملك ترف تنميق الكلمات. هناك ما يقرب من 15 ألف رأس حربي نووي موزعة على مختلف أنحاء العالم، والتي يستلزم القضاء عليها ذِكر الحقائق -والحقائق القاسية في أغلب الأحيان -في الحوار مع السلطة. ومن هذا المنطلق، اسمحوا لي أن أتحرى الوضوح التام في الحديث، فأقول إن الواقع هو أن قادة اليوم يفتقرون إلى القدر الكافي من الاستقرار العاطفي لائتمانهم على المخزون الموجود من الأسلحة النووية في العالم.
كما قلت أمام لجنة نوبل العام الماضي عندما قبلت جائزة نوبل للسلام بالنيابة عن منظمتي، "الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية"، فإن "الأسلحة النووية هي بمثابة سلاح يحمله مجنون ويهدد به عالمنا بشكل دائم". والواقع أن هناك رجالا مجانين يضعون أصابعهم على الزناد الآن.
لأسباب أعجز عن فهمهما، اختيرت الأسلحة النووية كرمز لعرض القوة الذكورية. ففي الأشهر الأخيرة، تفاخر علانية كل من دكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون والرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"حجم" أزراره وقوة ترسانته. وحتى لا يسمح لأحد بالتفوق عليه، استخدم رئيس روسيا فلاديمير بوتن خطابه السنوي أمام البرلمان الروسي للتأكيد على امتلاك روسيا فعليا لأقوى الأسلحة النووية على الإطلاق. وقد دعم عرضه المتباهي برسوم متحركة مبهرة تصور إلى أي مدى قد تكون صواريخه "عصية على القهر".
ربما كان هذا ليكون أقل إزعاجا وإثارة للقلق لو اقتصرت الحرب الخطابية على وسائط التواصل الاجتماعي. لكن كلا من القادة الثلاثة يميل إلى اتخاذ قرارات متسرعة تؤثر على أناس حقيقيين. وعلى سبيل المثال، أوردت التقارير أن ترامب شن حربا تجارية لأنه كان "منزعجا" ومقتنعا خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في صناعة الصلب بأن زيادة التعريفات الجمركية هي فكرة جيدة. فماذا لو حضر ترامب للتو اجتماعا مع صقور متحمسين لشن هجوم نووي استباقي على كوريا الشمالية، أو دفع إيران إلى خوض الصراع؟ والآن بعد أن أصبح جون بولتون مستشارا للأمن القومي في إدارة ترامب، لم يعد أي من هذين السيناريوهين خياليا كما كان قبل بضعة أسابيع فقط.
من المؤكد أنني لا أحاول إشعال حرب بين الجنسين؛ فالأسلحة النووية خطيرة أيا كان من يسيطر عليها. ولا أقترح أن كل الرجال من ذوي السلطة يتسمون بعدم الاستقرار العاطفي. فالتاريخ يضم بعض رؤساء الدول الذكور الذين اتسموا بالحكمة وبُعد النظر. لكن الحقيقة تظل أن ثماني من أصل تسع دول نووية في العالم يقودها الآن رجال (بريطانيا هي الاستثناء الوحيد). وإذا حكمنا من خلال سلوك ثلاثة من هؤلاء القادة، فبوسعنا أن نجزم بأن الأسلحة النووية على كوكب الأرض أصبحت بين أياد متهورة إلى حد مرعب.
وأنا أميل إلى تبرئة هؤلاء القادة من خطابهم الطائش بإلقاء اللوم على علم الأحياء. فربما يكون في جيناتهم ببساطة ما يدفعهم إلى التصرف كحيوانات عجماء هائجة تهاجم كل من حولها عندما تُجرَح أو تجد نفسها مهددة. وربما يكون من الصعب أن يخالف المرء طبيعته. لكن الصفح عن كيم، وترامب، وبوتن على هذا الأساس يعَد تمييزا جنسيا، وهذه ليست قضية متعلقة بالنوع. بل تتلخص القضية في وجود الأسلحة ذاتها. على مر التاريخ، تسبب زعماء أعمق فكرا وأكثر رصانة في دفع العالم إلى حافة الحرب النووية، وكان كثيرون محظوظين بالقدر الكافي لإبعاد العالَم عن هذه الهاوية. وأنا لست على يقين من إمكانية ممارسة مثل هذا القدر من الحذر اليوم.
من الواضح أن الأسلحة النووية من غير الممكن أن تُترَك لأهواء ونزوات حكام مطلقين، ومستبدين، ورؤساء منتخبين ديمقراطيا ــ بصرف النظر عن جنسهم. فالصراع بين دول نووية كفيل بإطلاق العنان لقدر من الدمار لا يمكن سبر أغواره، وفقا للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وسوف تكون الاستجابة الإنسانية في حكم المستحيل.
كيف نتقدم إذن في ضوء هذه المخاطر؟ هناك إجابة وحيدة على هذا التساؤل: التخلص من هذه الأسلحة تماما.
على مدار أكثر من سبعة عقود من الزمن، اعتمد قادة الدول المسلحة نوويا على تركيبة غير مستقرة من الخوف وحسن الحظ للحفاظ على سلامة سكان دولهم في مواجهة الدمار التام. لكن الحظ الحسن بدأ ينفد؛ وعند نقطة ما، سوف يؤدي الإطلاق العَرَضي أو المتعمد لسلاح نووي إلى إحداث عدوى عالمية. وفي ظل ذوات أنانية هشة تقود حاليا أكبر الدول المسلحة نوويا (الولايات المتحدة وروسيا) وأكثرها استعصاء على التنبؤ بتصرفاتها (كوريا الشمالية) يُصبِح سيناريو الهلاك معقولا بكل بساطة.
إن العالم كما نعرفه الآن ربما يتلاشى بفعل تغريدة واحدة عبر المحيط الهادئ من "شخص خرف" إلى "الرجل الصاروخ". ولا ينبغي لأحد أن يملك مثل هذا النوع من القوة في يده (أو يدها). لقد آن الأوان لانتزاع هذه الأسلحة من أيدي الجميع -قبل أن يتسبب أكثر القادة تهورا في مقتلنا جميعا.
*المديرة التنفيذية للحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية ، والفائزة بجائزة نوبل للسلام للعام 2017.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات