عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Feb-2017

في إمكانية بناء الاستئناف الحضاري العربي والإسلامي *لطفي العبيدي

القدس العربي-يرقى بنا إسهامنا الخاص في الحضارة الكونية مشترك الإنسانية العام، إلى التساؤل عن إمكانية بناء الاستئناف الحضاري مجدّدا، قد لا يكون ذلك متيسّرا دون أن نتبين جغرافية الثقافة العربية الإسلامية، وأن نفقه محدّدات بنائها الخارجي والدَاخلي، وأن ندرك الحدود الواصلة والفاصلة بين أبنيتها الكبرى والصغرى والفرعية والجزئية، وأن نرصد أنظمتها العليا والدنيا والعامة والخاصة.
وهي العناصر التي أسهمت في إنتاج المعرفة وفي بناء المهاد الثقافي، وفي التئام مكونات البيئة الثقافية العربية الإسلامية برؤاها المعرفية والثقافية المختلفة، من جهة فهم كثيرا ما يُظهر كونية القول الفلسفي وعظمة التفكير العقلي- الذي يقتضي المسؤولية والالتزام- ويلحّ على أن العقل هو أساس كل مبدأ أخلاقي، به يتمّ الانتقال من فوضى الوجود إلى التّدبير والنظام، وبه ينتقل الانسان من فوضى السلوك إلى النظام المتحقّق نظرا وعملا. وقد عبَر التوحيدي عن ذلك أحسن تعبير في مقابساته على لسان أبي سليمان المنطقي العالم الفيلسوف بقوله «بالاعتبار تظهر الأسرار، وبتقديم الاختبار يصحّ الاختيار، ومن ساء نظره لنفسه قلّ نصحه لغيره.. فاسعد أيّها الإنسان بما تسمع وتحسّ وتعقل، فقد أُردت لحال نفيسة ودُعيت إلى غاية شريفة، وهيئت لدرجة رفيعة وحُلّيت بحلية رائعة، وتُوّجت بكلمة جامعة، ونُوديت من ناحية قريبة».
ولعلّ السؤال المطروح يكمن في مدى فعالية المخزون الفلسفي والعلمي الإسلامي، بجميع تعبيراته في المحاورة مع واقع الذّات الفكرية المعاصرة، ومطالب الحاضر المعرفي والثّقافي، إلى جانب منجزات الحضارة المادية الحديثة، التي يُفترض استثمارها تفعيلا وتطويرا، من أجل تجاوز مُسبّبات العطالة الفكرية وتحقيق التقدّم نحو التواضع العلمي والمعرفة الحقيقية. ذاك شيء من فهم يقتضي التأكيد على أنّ البحث في جهود الفلاسفة والعلماء المسلمين الأوائل في تأسيس سنن التقليد العلمي وتثبيت أركانه في البيئة الثقافية العربية الإسلامية ليس رغبة في إحياء شيء من مواد التراث الفكري العربي الإسلامي، أو معالجة مباحث مغبونة أو يتيمة برؤية انتقائية ذاتية الأسباب أو موضوعية الدّوافع، على نُبل تلك المقاصد وأهميتها، وإنّما قصدنا النظر في مكوّن مهم من مكوّنات الثقافة العربية الإسلامية بمحدّداتها الشكلية والمضمونية، وبأطر إنتاجها المعرفي والعلمي، تكوينا وتحصيلا وتحويلا، والانتباه إلى تلك العقلية العلمية والفلسفية التي ميّزت بين مطالب الشريعة ومطالب الحكمة، ووسعها أن ترسم حدود الشراكة وعناصر المجانسة وعناصر المغايرة بينهما، وأن تثبت مراتب الفهم وشروط التعليم والتعلّم العلمية والأخلاقية، بما امتازت به من موضوعات وبحوث ومسائل ومعضلات وضعتها على محكّ البحث والتفكّر الفلسفي، وتقديم الحلول وترتيب مصادر العلم ومراجعه وأنواع القول وأجناسه، التي ساعدت على ترسيم خريطة جديدة لجغرافية الثقافة العربية الإسلامية، عن طريق أسئلة وأجوبة متجدّدة وجديدة في الوقت ذاته في القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ قرنا التّواصل والتفاصل، أو التّرابط وفك الترابـط، والتوجّه في تنظيم المعرفة وإعادة تنظيمها، بوضع الحدود لفضاءات المعرفة وحواجز تمييزية بين مقاصدها. وهي فترة شكّلت منعرجا حقيقيا لوعي معرفي ابستيمولوجي في إنتاج المعرفة وتنظيمها، وتثبيت أركان العقلية العلمية التصنيفية، التي أثمرت في القرنين السابع والثامن الهجريين جريان تلك العقلية بمعاييرها ميزانا ودستورا علميين، بتعبير فرحات الدريسي، وستكون مستأنفة لمرجعية وسلطة علميتين في عصور ثقافية لاحقة منذ القرن الهجري التاسع حتى العصور الحديثة عموما، بحثا عن التطوّر والتجديد بالخروج عن منهاج القدامة إلى منهاج الحداثة.
وإننا حينئذ إزاء فلسفة لم تكن في تصوّرنا علما بذاته أو تخصّصا محدّدا يُمكن أن تأتي عليه السنين وتُغيّره الأزمنة في زمن ما بعد المجتمع الصناعي، ولحظة ما بعد المنعرج اللغوي، بفعل تطوّر العقل البشري لأمة الإسلام وللإنسانية جمعاء، بل هو المجال التأصيلي الرحب لتجربة الفكري والديني ضمن لحظة حضارية متجدّدة، فهي محاولة تأصيلية جادّة نهض من خلالها العقل العربي الإسلامي نحو التعرّف على الكون مستثمرا ما تختزنه آيات القرآن وما نشأ حوله من علوم أصول أوغايات وعلوم فروع، أو أدوات من داخل مركزية ثقافية محلّية. ومستفيدا من مركزية ثقافية موروثة عن ثقافات أجناس مختلفة وحضارات سابقة ومتفاوتة الأدوار والتأثير في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، خاصة منها علوم اليونان الحكمية الفلسفية. وهي بما فيها من أحكام وأنساق ومناهج وأفكار، ومفاهيم جديدة بالقياس إلى ما سبقها من تجارب الأمم المتقدّمة من جهة الفكر والعلوم، قامت بالبحث عن الحقيقة وطلب الحكمة، وحاولت أن توفّق بين العقل والنقل، الحكمة والشريعة، الدين والفلسفة، نفيا للتناقض بين الوحي والعقل ودرءا للتّعارض بينهما، وتأكيدا على أن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكّنت من النفس وثبتت أمام الخصوم، وأنّ الدين إذا تآخى مع الفلسفة أصبح فلسفيّا كما تصبح الفلسفة دينية. وإنّه ضرب من وعي المفكّر المسلم أنّ العلم حقّ، ولكن الإصابة بعيدة، وما كلّ صواب معروف، ولا كلّ مُحال موصوف، وإنّما كان العلم حقا، والاجتهاد في طلبه مبلغا، والقياس فيه صوابا، والسعي دونه محمودا. وأنّه من حق العلم وحرمة الأدب وذمام الحكمة أن يتحمّل كل مشق دونها، ويصبر على كل شديد في اقتنائها وتحصيلها.
لقد أعطى الفكر الفلسفي العربي الإسلامي أروع الأمثلة في صهر الثقافات بغية استصفاء نسغها الإنساني الخالص، ونادى بكونية المعرفة وعالمية القول الفلسفي، رغم خصوصية الثقافة، وذلك منذ بداية تأسيس سنن العلم وتثبيت أركانه، وهي فلسفة أثبتت جدّيتها، وأنها على مستوى من الطرافة والابتكار والراهنية والجدّة لا يقلّ عن مستوى الفلسفة اليونانية في عصور ازدهارها مادّة وأسلوبا، ولا عن الفلسفة الغربية الحديثة في زمن تشكّلها وإعادة تقييم المعرفة الإنسانية في علاقتها بعالم الميتافيزيقا والإدراك العقلي والحدسي والتجريبي، وتفاقم سؤال المنهج في بنية المعرفة الإنسانية لإنسان «ما بعد الحداثة «. ولعلّ تنوّع الميراث الثقافي والفكري والروحي للأمة العربية الإسلامية وتعدّده واختلافه، يكون سبيل اِلهام واقتداء ودافع فُضول عقلي يطفوعلى السطح يكون مطلبه بناء الاستئناف الحضاري للأمة التي تكالبت عليها الأمم.
كاتب تونسي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات