عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Mar-2017

رواية « جاك القدري» للفرنسي دونيس ديدرو: أصفاد القنانة ورهانات التحرر

القدس العربي-ناصر الحرشي
 
تطرح رواية «جاك القدري» للكاتب الفرنسي دونيس ديدرو بتضاريسها الخطابية مجموعة من الإشكاليات في مجالات متعددة بأسئلتها الفلسفية عبر بنية حوارية يتداخل فيها الوعي البسيط بالوعي المركب. وتتقاطع فيها الثقافة العمومية المؤمنة بتصاريف القدر، وتدخل قوى ما وراء الطبيعة في صنع الظواهر والأحداث من زاوية النظر الميتافيزيقية مع الثقافة العالمة التي لا تؤمن بالمسلمات، متخذة من الفلسفة المادية الميكانيكية للقرن السابع عشر والمذهب الطبيعاني «هولباش» سلاحها الفكري، في فهم سببية الأشياء وعللها ثم الظواهر المستشكلة كمفهوم السلطة المطلقة في الممارسة السياسية، ثم نسبية الأفكار، العقل، الإرادة الحرة، الضرورة، الجبر، الاختيار، العبودية، الحرية، المادة الروح، القدر، الفعل الإنساني، النظم الأخلاقية السائدة، مفجرة كل الميثولوجيات الاجتماعية التي تشكل العمود الفقري للنظام الإقطاعي الفرنسي القديم بنموذجه السياسي الملكي الأتوقراطي والثيوقراطي الممثل لنظام القنانة.
وعلى ضوء هذه الملاحظات كان لصدور رواية «جاك القدري» أثر قوي في المشهد الثقافي والفكري الفرنسي، حيث ركزت على مفهوم السيادة، الحق، العدل، الدولة، المواطن وكذا مفهوم السلطة الجبرية وتدخل القدر كمحدد أنطولوجي يتحكم في كينونة الأشياء. إن هذا المدخل لا محيد عنه لمعرفة المبادئ والطبائع التي بمقتضاها أسست لنظام فكري وعقائدي حكم مجتمع الرواية من بدايتها إلى ختامها حيث تتلاطم وتتصادم داخل هذه البؤرة السردية مجموعة من التصورات والأنساق الفكرية.
أولها نظرية القانون العرفي التقليدي وأولوية القوة على الحق الذي يستند إليه حكم الأسياد، وهو الطرح الأيديولوجي السائد الذي يجسد السيد النبيل المرافق للبطل الرئيسي جاك، الممثل الأسمى له ولسانه الصادح، مقابل القن المدعو جاك القدري وهو ليس قدريا بالمفهوم المتعارف عليه. وعلى الرغم من سذاجته وقلة تعلمه فهو يقيس الأمور بميزان الحق والقانون ثم الملاحظة، انطلاقا من محصلة تجاربه واحتكاكه بالحياة دون أن ينفي وجود عناية ربانية. وهنا يكمن منعطف ذو شأن في فلسفة جاك ونظرته إلى العالم والأشياء، منها حرية الفرد وقانون حفظ الذات، وأن عالم الإنسان من صنع الإنسان، وهي رؤية محايثة وليست مفارقة كما ينطق بذلك الظاهر النصي.
من خلال هذه الإرسالية السردية يظهر أن جاك القدري لا يؤمن بالقدر، بل يسخر منه في عدة مواقف، رغم ادعائه بأن كل حادث هو مقدر ومكتوب وأن السماء هي التي تقرر وتتحكم في سير قوانين الكون ومصائر الكائنات. جاك هذا القن الذكي، الخفيف الظل، الشجاع، الجواد، زير نساء، صاحب نكتة ومواقف ساخرة جمعته الأقدار أو قانون الضرورة بسيد اقطاعي كان ضابطا سابقا في سلاح الفرسان، مثلما كان جاك جنديا في سلاح المشاة، جرح جرحا بليغا في إحدى المعارك على مستوى ركبته. وهما فارسان هائمان جوالان يجوبان البلدان.. أحدهما يشبه كثيرا الدون كيشوت دي لامانشا والآخر سانشو.
عرفا عبر رحلة سفرهما الطويلة والمحفوفة بالأخطار الكثير من المغامرات والمواقف الصعبة. كان جاك المقدام والبهلوان المضحك بطلها الأول والأخير بلا منازع بشجاعته التي فاقت كل وصف، وكذا بإخلاصه لسيده رغم سوء معاملة هذا الأخير له في بعض الأحيان، وتذكيره باستحالة المساواة بينهما وأن اللامساواة هي قدر إلهي وقانون أزلي لا يتغير. وهي الفكرة التي دحضها جاك عبر محاوراته لسيده وكذا نقده اللاذع لكل أشكال التبعية والتسلط، ثم المواضعات الاجتماعية التي وصفها بالباطلة. فنهجه نهج البرهان العقلي والحجاج المنطقي لم يكن يتأتى له لولا تأثره بقائده العسكري السابق كما جاء على لسانه. هذا النقيب الذي كان صديقا له ورئيسا له صاحب رؤية فلسفية مادية يرى الأمور بعين العقل لا النقل.
جاك شخص ثرثار يخشى الصمت لأن الصمت يقتله، فهو يشغل مساحة حوارية كبيرة، لا يشبه باقي الأقنان عركته التجارب وضرسته أنياب الدهر يتمتع بالاستقلالية وحرية المبادرة.. رغم المفارقات التي تعج بها بنيته الفكرية فهو يرفض التبعية والوصاية والعبودية، رغم كونه ولد عبدا يرسف في الأغلال لأنه كان ضحية شرط مجتمعي وتاريخي قائم على القوة وليس على الحق حيث يغيب فيها صوت المحكوم وتضمحل إرادته مادامت اللامساواة هي القاعدة لنسق اجتماعي بأكمله.
فالسلطة السيادية وأشكال تعبيرها المختلفة لم تكن ممنوحة لجاك ولا لطبقته الاجتماعية آنذاك بل لسيده وفئة الماركيز. وما كان على جاك وأمثاله إلا الإذعان لقوانينها وسننها. كما أن التفاوت في الثروة جعل منه تابعا لسيده مؤنسا له في رحلة السفر هذه.. يحكي له غرامياته ومغامراته النسائية حتى لا يتسلل الضجر إلى قلب هذا المستبد والجبان في عدة مواقف. فقد تعرض لمجموعة مخاطر لولا حكمة جاك وبسالته ولجوؤه إلى المقالب. سيد فاقد للمبادرة والحركية ميال إلى الكسل، اتكالي ويتصرف بآلية كبيرة، اجتراري وتكراري وبارد العواطف، يتفقد ساعته باستمرار ويدمن استنشاق «السعوط» « وهو نوع من التبغ، لا يمكن أن يستغني ولو للحظة واحدة عن خدمات جاك، ذو نزعة قدرية وسكونية. وهو قاتل أفلت من العقاب بحكم وجاهته الاجتماعية وقوة مركزه. هنا يظهر بشكل جلي جهاز الدولة الاقطاعي في المجتمع الفرنسي كيف كان يحمي طبقة الأسياد وأداة سيطرتهم الطبقية. وعلى هذا المنوال يطرح المفكر ديدرو ككاتب إشكالية الإرادة الحرة والحتمية وصراعهما التاريخي، حيث يؤكد انطلاقا من الداخل النصي بأن عدول المرء عن حريته يعني عدوله عن صفته كإنسان، وأن تعطيل الحرية هو تعطيل للإرادة والطبيعة الإنسانية. تحضر ثيمة الجنس داخل البناء الحكائي والنظرة الحسية والشهوانية لجسد المرأة، كما تزيح النقاب عن الفساد الذي كان ينخر مجتمع النبلاء وتفسخ رجالها ونسائها، فضلا عن الفساد المستشري داخل المؤسسات الدينية «التهتك الأخلاقي للأب هودسون» وكل دواليب الدولة، بالإضافة إلى البنية الهرمية التسلسلية المؤسسة على علاقات التبعية والاستعباد. علاقات تطبعها الشدة، الشراسة، الحب، الوداعة، الكراهية، الخيانة والانتقام «انتقام السيدة الماركيز دو لابو مي راي من الماركيز دي زارسي إثر خيانته لها». فغياب العدل والمساواة داخل مجتمع جاك القدري أفرز ظاهرة اللصوصية والتسول وانفلات الأمن، وكذا تحول بعض الكتائب العسكرية إلى قطاع طرق يمارسون النهب والسلب، مما يدل على فساد المؤسسة العسكرية.
رواية «جاك القدري» هي رواية تنتصر لمذهب الحرية وتنتقد النظام الفكري الجبري وترفضه كسلوك ثقافي قمعي تفرضه المؤسسات تحت عنوان عريض هو حماية المقدس.. وهو في الحقيقة وعي زائف يقلب الحقائق ويهدف إلى تحصين الميثولوجيا من كل أشكال الفكر العلمي. إنها لعبة الضوء والظل، المقدس والمدنس، الواقعي والأسطوري المتحكمة في الدفة السردية. يتقطع تسلسل الأحداث بداخل هذه الروزنامة النصية واسترسالها بين الفينة والأخرى وذلك بتدخل مباشر للكاتب كراو كلي عليم في صلب الأحداث لتأخذ نفسا مغايرا. تطل شخصيات كثيرة بدلالاتها القدحية ملامسة ظواهر عدة لفضح المحظور والمسكوت عنه باحثة عن مخارج تلبي انتظاراتها بعيدا عن رقابة الأيديولوجية السائدة وسلط وصور القمع. فجاك هذا الأنواري المقنع، الساخر والمستهزئ من لاأدرية وذرائعية مجتمع فيودالي متعفن يعيش لحظات احتضاره وبداية نهايته، حيث يكشف عبر علاقة هذا التقابل الإخفاء/ الإعلان والإضمار/ الإظهار عن إفلاس النظام الفكري الميتافيزيقي، السكولائي المدرساني وبداية الإرهاصات الأولى للفتوحات الفكرية للحداثة التي وضعت حدا لكل التركيبات العقائدية اللاهوتية المبلورة من قبل التراث الموروث عن العصور الوسطى القديمة ثم انبثاق نظرية الحق التي دشنت منظورا جديدا للإنسان.
رواية «جاك القدري» عكست جدلية الاعتقاد واللاعتقاد كما سلطت الأضواء على الصراع التاريخي الذي نشب بين العقل والدين في أوروبا وفرنسا تحديدا.. هي مسألة حياة أو موت بين عقل فلسفي أنواري مثلته البورجوازية الصاعدة وآخر محافظ ورجعي مثلته طبقة الإقطاع متمثلة في روحانية، صوفية، مثالية للسيد مقابل عقلانية، تحررية، نقدية لجاك القدري.. اللاقدري، المتمرد عن شرطه الاجتماعي وعلى الفكر قبل علمي العاجز عن الإجابة عن أسئلة الوجود.. أي النزعة القدرية التي مثلث مغامرة العقل الأول ورؤيته الساذجة للأشياء.. وهي التي فندها المفكر دونيس ديدرو منتقلا من المتون الفلسفية إلى المثن الروائي بأسئلة ساخرة ومتهكمة داخل هذه السيرورة السردية.
هو ذا الرحالة والمحارب جاك، رجل الأزمنة المقبلة، بطل قد من صخر لا يعرف الانثلام.. روح الدعابة والابتسامة لا تفارقه يمارس نقده ولو بوعي اجتماعي بسيط للأشكال الأيديولوجية من الوعي الاجتماعي بروح فكهة مستترة خلف قناع فكري قدري.. وفي جو من المغامرات لا تكاد تخلو من طرائف. يبدو أنه توقف أخيرا عن الترحال مع سيده وتعب من وعثاء السفر حيث آثر حياة الراحة في قصر السيد ديس غلوون حارسا به بعد أن تزوج حبيبته دونيس.
 
٭ كاتب مغربي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات