عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Dec-2017

أزمة أوروبا تبدأ في الوطن

 الغد-مارك ليونارد

لندن - تهدد الانقسامات العميقة داخل أوروبا بشكل متزايد نفس القيم التي قام على أساسها المشروع الأوروبي، "اتحاد أقرب من أي وقت مضى". وفي العام 2015، رأى العديد من المعلقين -خلال أزمة اللاجئين- أن هناك انقساماً بين الثقافة الترحيبية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورؤية رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان القائمة على أساس النقاء العرقي: جسور غرب أوروبا ضد جدران شرق أوروبا. 
لكن التهديد الآخر للوحدة الأوروبية يأتي من الدول الأوروبية نفسها. ففي ألمانيا، انهارت المحادثات لتشكيل تحالف بين يسار الوسط ويمين الوسط. وفي هولندا، احتاج رئيس الوزراء مارك روتي، إلى 208 أيام لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات في آذار (مارس). وفي المملكه المتحده، تعيش السلطة السياسية هناك في حالة فوضى بسبب "البريكست". وفي بولندا، خرج القوميون البيض والنازيون الجدد في مسيرة ضخمة في شوارع وارسو.
ولكن، هل الاختلافات أكبر بين الدول الأعضاء أو في داخل هذه الدول الأعضاء نفسها؟ الجواب عن هذا السؤال مهم للغاية: فإذا كانت أكبر مشاكل أوروبا هي كونها مقسمة على أساس الحدود الوطنية، فإن من الممكن أن تحاول الدول الليبرالية مثل فرنسا وألمانيا تغيير توازن القوى ضمن البلدان غير الليبراليه على نحو متزايد.
لقد وافقت كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على مجموعة من المعايير الديمقراطية الليبرالية (جزء مما يطلق عليه اسم "معايير كوبنهاجن") عندما انضمت إلى النادي. ولكن مع مرور الزمن، لم تعد حكومتا هنغاريا وبولندا تريدان الالتزام بالأحكام، حيث يمكن أن يكون أحد الحلول هو إنشاء نادٍ أصغر بفوائد أفضل. ويجب على البلدان التي تريد الانضمام إلى هذه الدائرة الضيقة المتميزة أن توافق على مجموعة الأحكام الجديدة أو الأصلية. وستكون البلدان التي تنتهك تلك الأحكام خارج تلك الدائرة، حيث سيكون هناك في نهاية المطاف ثمن لانتهاك معايير الاتحاد الأوروبي.
لكن هذا الحل يمكن أن ينجح فقط في حال كانت المشكلة الأكبر هي الانقسامات بين الدول الأعضاء. ولو نظرنا إلى ألمانيا كمثال على الانقسامات ضمن الدول الأعضاء، لوجدنا أن ميركل شرعت في تجربة رائعة حاولت فيها توحيد حزبها الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط مع أكثر الأحزاب القومية قرباً من حزبها، الاتحاد الاجتماعي المسيحي وحزب الديمقراطيين الأحرار المؤيد لقطاع الأعمال، بالاضافة إلى الخضر من اليسار.
إن ميركل هي مفاوضة موهوبة. وهي أكثر ملاءمة بكثير للكتابة عن "فن الصفقات" مقارنة بالكثيرين الذين لن نذكرهم في هذا المقام. لكن من السابق لأوانه توقع ما إذا كانت ستتمكن من حل الانقسامات في بلادها.
بينما يرغب الخضر بالإبقاء على الثقافة الترحيبية، فإن موقف حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي هو أقرب إلى موقف مجموعة فيزجراد (جمهورية التشيك وهنغاريا وبولندا وسلوفاكيا). وفي واقع الأمر، استضاف حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أوربان في أحد مؤتمرات الحزب في ذروة ازمة اللاجئين سنة 2015.
بينما ينتمي الخضر إلى الفيدرالين الأوروبيين الذين يدعمون المزيد من التضامن الاقتصادي مع اليونان وإيطاليا، يؤيد حزب الديمقراطيين الأحرار الانضباط المالي للفنلنديين والهولنديين والشوابيين الألمان، ويعترض بشده على التكامل الاقتصادي الأوروبي الأعمق.
كان الكثيرون يأملون أن تتمكن ميركل من تشكيل ائتلاف "جامايكا" (نسبة إلى ألوان علم ذلك البلد). لكن التجربة فشلت في نهاية المطاف، وانسحب حزب الديمقراطيين الأحرار من المحادثات بسبب الإحباط. وكما قال زعيم الحزب كريسيتان ليندنير، فإنه "ليس لدى شركاء المحادثات الأربعة رؤية مشتركة لتحديث البلاد أو أسس مشتركه للثقه".
حتى من دون ائتلاف "جامايكا" تبقى لدى ألمانيا أغلبية ليبرالية مستقرة في البوندستاج. لكن الكلام نفسه لا ينطبق على بقية أعضاء الاتحاد الأوربي، حيث يوجد في كل الدول الأخرى الأعضاء تقريباً انقسام داخل المجتمع بنسبة 50:50 -أي أن النصف عالميين والنصف الآخر يركزون على مجتمعاتهم المحلية. وفي تلك البلدان، تمثل الحكومة في أي وقت أي طرف فاز بآخر جولة من الحرب الثقافية المستمرة.
في بريطانيا، على سبيل المثال، اختار 52 % من الناخبين الخروج من الاتحاد الأوروبي. والآن، يتجه البلد إلى أن يصبح دولة منعزلة تتسم بالمناطقية وكراهية الأجانب. لكن قادتها يواصلون إخبار الناس بأن بريطانيا ستكون في وضع أفضل وحدها. وبالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بذلك، لا تبدو حقيقة أن بريطانيا ستخسر حقها في المشاركة في عملية اتخاذ القرارات ضمن الاتحاد الأوروبي، والتي تؤثر على بيئتها الاقتصادية، شأناً مهماً.
على الجانب الآخر، لدى فرنسا رئيس جديد ونشيط مؤيد للاتحاد الأوروبي، هو إيمانويل ماكرون. وهو ملتزم بإعداد بلاده للسنوات القادمة، لكن فرنسا ليست أكثر عالمية من بريطانيا. 
وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية هذا الربيع، حظيت الحملات ذات التوجه القومي لمارين لوبين وجان لوك ميلانشون ونيكولاس ديوبونت–اجينان، وبشكل جماعي بما نسبته 46 % من الأصوات -أي مثل نسبة الأصوات التي حصلت عليها حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا تقريباً.
من الواضح أن الاتحاد الأوروبي مجتمع من الدول ومن المواطنين. وهذا يعني أن للانقسامات داخل الدول نفس أهمية الخلافات الدبلوماسية بين البلدان.
في وقت سابق من هذا العام، حاول تقرير لمعهد بروكنغز أن يحدد ما إذا كانت أوروبا هي "المنطقة السياسية الأمثل"، وهو مفهوم مأخوذ من نظرية روبرت مونديل المتعلقة بمناطق العملات الأمثل. وقد خلص التقرير إلى نتيجة مفادها أن الخلافات الثقافية والمؤسساتية بين دول الاتحاد الأوروبي لم تتغير كثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية من التكامل الأوروبي. لكن التقرير وجد أيضاً أن الانقسامات بين البلدان هي أقل بكثير من الخلافات ضمن البلدان -أو بعبارة أخرى، حين يتعلق بموضوع حرية الحركة والتنقل، فإن هناك استقطاباً بين لندن ومنطقة الميدلاندز البريطانية أكثر من الاستقطاب بين بريطانيا وبولندا.
يمكن أن يشكل إنشاء أوروبا مرِنة او متعددة المستويات بعض المشاكل قصيرة المدى، عن طريق الجمع بين ائتلافات الراغبين من أجل التعامل مع قضايا محددة. لكن ذلك يمكن أن يؤدي إلى ظهور مخاطر جديدة. فما تزال معظم الدول الأوروبية، بغض النظر عن المستوى الذي تريده لنفسها، مجتمعات 50:50، والتي يمكن أن تختار أو لا تختار المزيد من التكامل من خلال انتخابات واحدة او استفتاء واحد. ولا يستطيع أحد أن يستبعد إمكانية انتخاب لوبين رئيسة لفرنسا في المستقبل، أو ان تصل حركة الخمسة نجوم المعادية للاتحاد الأوروبي إلى الحكم في إيطاليا. وبنفس الطريقة، قد يعود المنبر المدني الأكثر اعتدالاً إلى الحكم في بولندا.
لن تكون مواجهة المعارضة للمشروع الأوروبي داخل المجتمعات عملية سهلة. فهي مشكلة عميقة تتعلق بالأجيال، وتتعلق بشكل وثيق بالهوية الوطنية والتاريخ والجغرافيا، ولا يوجد حل مؤسساتي سريع لمثل هذه المشكلة.
 
*مدير المجلس الأوروبي لشؤون العلاقات الخارجية.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات