عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Nov-2017

إسبانيا فيدرالية في أوروبا فيدرالية

 الغد-غاي فيرهوفشتات

 
بروكسل- كنت دائماً من كبار المعجبين بالديمقراطية الإسبانية. لكن إعجابي بتلك الديمقراطية ازداد منذ الثالث والعشرين من شباط (فبراير) 1981، حين قام العقيد أنطونيو تيجيرو بمحاولة إنقلاب في ذلك اليوم الدراماتيكي ضد النظام الديمقراطي الشاب.
وصف خافير سيركاس في كتابه الشهير "تشريح لحظة" كيف أن القادة السياسيين الإسبان الثلاثة -زعيم الحزب الشيوعي سانتياجو كاريليو، وأول رئيس وزراء في إسبانيا الديمقراطية لمرحلة ما بعد فرانكو أدولفو سواريز، ونائب سواريز الجنرال جوتيريز ميلادو- جلسوا باعتزاز في مقاعدهم تحت تهديد مسدس تيجيرو ورفضوا الاختباء تحتها ولم يتراجع أي منهم. كان ذلك من أعمال الشجاعة والتصميم، والذي جعل الديمقراطية راسخة في روح إسبانيا إلى الأبد. وتحت تهديد مسدس تيجيرو، ولدت الديمقراطية الإسبانية.
اليوم، بعد 36 سنة من ذلك التاريخ، يجب أن تعزز الديمقراطية الإسبانية نفسها إذا أرادت التغلب على الانقسامات العميقة التي خلقتها المحاولات غير الدستورية للحكومة الإقليمية الكتالونية للانفصال عن الجمهورية الإسبانية، حيث يجب أن يظهر ديمقراطيو اليوم التصميم المنضبط نفسه الذي أظهره كاريليو وسواريز وميلادو من أجل حل أخطر أزمة سياسية تصيب إسبانيا منذ محاولة إنقلاب تيجيرو.
يجب أن لا يؤمن ديمقراطيو إسبانيا بأن بإمكان القانون والقضاء وحدهما حل جميع المشاكل مع كتالونيا. ومن المؤكد أن السلطات الإسبانية لا تستطيع التغلب على الأزمة من خلال عنف الشرطة، على الرغم من أن محاولات الحكومة المركزية لوقف استفتاء الاستقلال الكتالوني كانت قائمة على أساس حكم محكمة.
إن ما نحتاجه الآن هو رؤية سياسية متجددة وحوار شامل. وعلى المستوى الواقعي، يجب أن تتعلق هذه الرؤية بدولة فيدرالية متعددة الثقافات واللغات ضمن أوروبا فيدرالية متعددة الثقافات ومتعددة اللغات.
لقد أخطأ الانفصاليون في كتالونيا عندما دعوا الى استفتاء غير قانوني. فلا أحد يستطيع أن يحكم بشكل ديمقراطي من دون حكم القانون. لكن من الصحيح كذلك أن الإطار القانوني الحالي غير قادر على معالجة مثل ذلك الانقسام السياسي العميق. وسيكون الحوار المستدام -القوة الحقيقية للسياسيين ورجال الدولة الفعالين– بين قادة إسبانيا والانفصاليين في كتالونيا هو الطريقة الوحيدة لإيجاد الحلول.
لا أعتقد أن من مصلحة شعب كتالونيا أن يسعى للانفصال بأي ثمن. وحقيقة أن الاستفتاء ينتهك بشكل واضح الدستور الإسباني ليست السبب الرئيسي لعدم تمكني من دعم ذلك الاستفتاء. إن النقطة الجوهرية بالنسبة لي هي أن الاستفتاء يفتقد إلى أي شرعية ديمقراطية. وكان واضحاً مقدماً أن غالبية الكتالونيين الذين يقرون بالطبيعة غير القانونية للاستفتاء لن يشاركوا فيه. وفي واقع الأمر، ومن خلال الأدلة التي ظهرت، يبدو أن من المرجح أن غالبية الكتالونيين -بما في ذلك أولئك الذين ظلوا في منازلهم- كانوا ضد الانفصال.
كشف رفض قادة الاستقلال في الحكومة الإقليمية لكتالونيا تحديد الحد الأدنى للإقبال على التصويت على الانفصال حتى يصبح شرعياً، عن الطريقة التي سوف يصورون بها النتيجة، حتى قبل أن يقوم أي شخص بالتصويت. وعكست تكتيكاتهم المضللة رغبة مقلقة في التلاعب بمواطنيهم، علما بأن إعلان الاستقلال على أساس استفتاء معيب كان عملاً غير مسؤول من الناحية السياسية، ويعكس احتقارهم للتقاليد والأعراف الديمقراطية.
إن عدم التحلي بروح المسؤولية -كما هو الحال هنا- ليس تهديداً لإسبانيا أو أوروبا فحسب، وإنما هو تهديد لكتالونيا نفسها أيضاً. وكما هو الحال في العديد من الاستفتاءات، فتح هذا التصويت المزيف على الاستفتاء انقسامات عميقة ضمن المجتمع الكتالوني، حيث انقسمت العائلات والجيران وبشكل مرير في بعض الحالات. والأشخاص الوحيدون الذين قد يستفيدون من هذه التمثيلية القانونية، كما نعرف، هم أولئك الذين يريدون تدمير الاتحاد الأوروبي، والذين بدأوا بالفعل في استغلال قضية استقلال كتالونيا لخدمة مآربهم الشخصية.
لذلك، من المهم أن يعمل كل الإسبان على وقف المزيد من التصعيد، والبدء عوضاً عن ذلك بالتفاوض. إن مستقبل كتالونيا ومستقبل أي مجتمع فلامنجي في بلجيكا، والتي يتوق البعض فيها إلى الاستقلال، لا يكمن في الانفصال الوحشي، وإنما في التعاون ضمن الهياكل الفيدرالية في أوروبا الفيدرالية.
تشكل تجربة مقاطعة الباسك مثالاً واضحاً في هذا الخصوص. فتحت مظلة الديمقراطية الإسبانية تمكن الباسكيون من تطوير منطقتهم لما فيه فائدة سكانها -ليس فقط من خلال هزيمة الإرهاب، وإنما أيضاً من خلال إعادة تقديم أنفسهم كشعب فخور ضمن حكم ذاتي.
ليس ثمة حرج في السياسة في التوصل إلى تسويات، بل على العكس من ذلك، عندما يكون هناك خيار بين عقد صفقة بناءه وبين النقاء الإيدولوجي، فإن من الأفضل دائماً اختيار طريق الوحدة مهما كانت الخطوات صغيرة.
حذرت المؤرخة الأميركية باربرا توشمان في كتابها الشهير، "مسيرة الحماقة"، من الرغبة "في طرح الأشياء الأعظم جانباً من أجل ما هو أقل، والسعي إلى ما هو مستحيل مقابل التضحية بما هو ممكن". وسيكون من الحكمة أن يستمع قادة طرفي أزمة الانفصال في إسبانيا إلى هذه الكلمات.
 
*رئيس الوزراء البلجيكي السابق، وهو رئيس تحالف الليبراليين والديمقراطيين لمجموعة أوروبا (ألد) في البرلمان الأوروبي، ومؤلف "فرصة أوروبا الأخيرة: لماذا يجب على الدول الأوروبية تشكيل اتحاد أكثر كمالاً".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات