عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jun-2017

الفارق بين الشعبوية الأميركية والشعبوية البريطانية

الغد-أناتولي كاليتسكي
 
لندن- بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة. ما هو العنصر الغريب في هذا الثلاثي؟ تبدو الإجابة واضحة. ففي العام الماضي، تم إجراء الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وهما الرمزان التوأمان للثورة الشعبوية ضد النُخَب العالمية. وعلى النقيض من ذلك، انتخبت فرنسا، في شخص إيمانويل ماكرون، رئيساً هو "رجل دافوس" الأصيل -التكنوقراطي الفخور المناصر للعولمة، والذي يرتبط اسمه بالمؤسسات المالية والإدارية والتعليمية الأكثر نخبوية في بلاده.
ولكن، دعونا نبتعد للحظة عن هذه الكليشيهات السياسية، كما فعلت أنا في وقت سابق من هذا الشهر عندما هربت من الحملة الانتخابية البريطانية لحضور مؤتمر معهد ميلكن العالمي في لوس أنجيلوس. ويعد مؤتمر ميلكن المعادل الأميركي لمؤتمر دافوس، وإنما مع التركيز بشكل أكثر جدية على الأعمال التجارية والتمثيل القوي للحكومة الأميركية الذي لم يحققه لها مؤتمر دافوس قَط.
بعد استماعي هناك إلى كلمات مسؤولين اقتصاديين أساسيين في إدارة ترامب -وزير الخزانة ستيفن منوشين ووزير التجارة ويلبر روس- بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المسؤولين في الكونغرس وكبار رجال الأعمال، تبين لي بوضوح أن انتخاب ترامب لم يكن سوى مجرد انحراف مؤقت. فقد سلكت الولايات المتحدة منعطفاً إلى مدينة ملاهي الحنين إلى الماضي القومي، ولكنها تظل تركز على المستقبل وفوائد العولمة، وليس على تكاليفها.
كان من الواضح من مؤتمر ميلكن أن ترامب لن ينفذ القسم الأعظم من أجندته المحلية. ولن تتمتع منطقة حزام الصدأ بطفرة في الإنفاق على حساب البنية الأساسية. ولن تتغير العلاقات الأميركية مع المكسيك أو الصين كثيراً. ولن تمر مقترحات ترامب الأساسية بشأن النظام الضريبي عبر الكونغرس الأميركي. أما وعد ترامب بإلغاء وإحلال قانون الرعاية الميسرة (أوباما كير) فور تسلمه مهام منصبه، فيكاد يكون من المؤكد أنه سيفسح المجال، تحت الضغوط الشعبية، لاتجاه الإصلاح والترميم.
بعد انغماسي على هذا النحو في البراغماتية الأميركية، كانت عودتي إلى السياسة البريطانية محبطة للغاية. ذلك أن المسارات السياسية التي بدت متوازية قبل بضعة أشهر هناك أصبحت الآن متباعدة. وفي حين احتاجت الولايات المتحدة إلى 100 يوم فقط لكي ترى عبر "الواقع البديل" الذي عرضه عليها ترامب (وإن لم تتمكن من الرؤية عبر ترامب ذاته)، فإنه لا أحد تقريباً في بريطانيا يشكك حتى في الواقع البديل المتمثل في الخروج البريطاني، على الرغم من الفرصة غير المتوقعة التي أتاحتها انتخابات الثامن من حزيران (يونيو) لتجنب الانفصال المدمر للذات عن أوروبا.
ولكن، كيف لنا أن نفسر الاختلافات الصارخة في استجابات المجتمع المدني بين أميركا وبريطانيا للمغازلة الخطيرة للنزعة الشعبوية القومية؟ في أميركا كانت الاستجابة الفورية للسياسات المتنافرة منطقياً، والمضللة اقتصادياً، والتي يستحيل تنفيذها دبلوماسياً، تتلخص في ارتفاع حِدة المعارضة والمناقشة. وقد أظهر الديمقراطيون قدراً غير مسبوق من الوحدة في الكونغرس، وقَدَّم الكوميديون في برامج التلفزيون معارضة أكثر فعالية، ونزل الملايين من الناخبين التقدميين إلى الشوارع، وأطلقت المنافذ الإعلامية حملات تحقيق واستقصاء شرسة، وتلقى الاتحاد الأميركي للحريات المدنية 24 مليون دولار أميركي في غضون 24 ساعة من محاولة الإدارة منع المسلمين من دخول البلاد.
كان الأمر الأكثر أهمية هو أن الشركات والأعمال التجارية الأميركية بدأت تمارس الضغوط على الفور لمنع أي سياسات من اقتراح ترامب، والتي يرون فيها تهديداً لمصالحهم الاقتصادية. وكما قال أحد كبار موظفي مجلس الشيوخ في مؤتمر ميلكن، فإن "وول مارت" وغيرها من شركات بيع التجزئة "كانت شديدة الفعالية في تثقيف أعضائنا" حول التكاليف السياسية التي قد تترتب على أي ضرائب جديدة يتم فرضها على الواردات الأميركية. وكان هذا كفيلاً بإزالة تهديد تدابير الحماية الرئيس الذي فرضه ترامب، كما قَتَل آماله في تمويل تخفيضات ضريبية كبيرة باستخدام إيرادات ضريبة "تعديل الحدود".
ولنقارن الآن بين كل هذه المعارضة الأميركية، وبين السلبية السائدة في بريطانيا بعد استفتاء العام الماضي. يبشر ترك الاتحاد الأوروبي باضطرابات سياسية واقتصادية أعظم كثيراً من أي شيء اقترحته إدارة ترامب، ومع ذلك أصبح خروج بريطانيا عقيدة راسخة، محصنة ضد الطعن أو الاستجواب بأي من الأشكال. وعلى النقيض من الضغوط العنيفة التي شكلها عالم الأعمال ضد وعود ترامب الانتخابية، لم تحاول أي شركة بريطانية كبرى حماية مصالحها من خلال حملة تسعى إلى إسقاط قرار الخروج البريطاني. ولم تُشِر أي منها علناً حتى إلى حقيقة أن الاستفتاء لم يمنح رئيسة الوزراء تيريزا ماي أي تفويض لاستبعاد العضوية في السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولعل الأسوأ من ذلك هو أن الحظر ضد أي تشكيك في الخروج البريطاني لا تبرره أي أسباب منطقية أو مصالح اقتصادية أو وطنية. وبدلاً من ذلك، جرى استحضار "إرادة الشعب". وأصبحت هذه العبارة المخيفة، جنباً إلى جنب مع نظيرتها الأكثر شراً، "أعداء الشعب"، من العناصر الخطابية الثابتة في الولايات المتحدة، وأيضاً في بريطانيا. ولكن الأمر ينطوي على فارق حاسم: ففي الولايات المتحدة، تُسمَع مثل هذه اللغة شبه الفاشية على الهوامش المتطرفة؛ أما في بريطانيا فتشير حتى وسائل الإعلام الرئيسية والمناقشات البرلمانية بشكل روتيني إلى معارضي الخروج البريطاني بوصفهم متآمرين ومخربين خائنين يعادون الديمقراطية.
ربما تفسر العوامل الثقافية جزئياً هذا التباين بين الفاعلية الأميركية في الرد على ترامب والسلبية البريطانية في مواجهة الخروج البريطاني. فالأميركيون الذين يواجهون تحدياً نتوقع منهم أن يفعلوا أي شيء، حتى وإن كانت كل الاحتمالات ضدهم، في حين يُعجَب البريطانيون ببطل يواجه المحن بعدم القيام بأي شيء، بينما يتخذ مظهراً متغطرساً.
ولعل الأمر الأكثر أهمية أن أحداً لم يشكك على الإطلاق في الشرعية الديمقراطية للمعارضة في الولايات المتحدة، حيث صوتت أغلبية واضحة من الأميركيين ضد ترامب. وفي حقيقة الأمر، خسر ترامب التصويت الشعبي بنحو 2 % -الهامش نفسه الذي فاز به جيمي كارتر في العام 1976، وجورج دبليو بوش في العام 2004.
وفي المقابل، فاز أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة بأغلبية ضئيلة ولكنها كانت حاسمة (52 % في مقابل 48 %). وفي حين تشترط العديد من الديمقراطيات الناضجة أغلبية كبيرة لتأكيد تغيير دستوري ضخم بحجم الخروج البريطاني، فإن المملكة المتحدة لم تدرك قَط الحاجة إلى مثل هذه الضوابط والتوازنات. ففي دستور بريطانيا غير المكتوب، هناك قيد واحد فقط يحد من سلطة رئيس الوزراء الحائز على أغلبية برلمانية -حق الناخبين في تغيير رأيهم. ولكن ماذا يحدث عندما يُحرَم كل من يحاول إقناع الناخبين بتغيير رأيهم من الشرعية باعتباره منكراً للديمقراطية و"عدواً للشعب"؟
إذا ظل تشجيع الناخبين على إعادة النظر في القرار السياسي الأكبر على الإطلاق في حياتهم يُعامَل دوماً على أنه إهانة للديمقراطية، فسوف تخسر المملكة المتحدة ضمانتها الوحيدة ضد إلحاق الأذى الدائم بالذات. وسوف تسلك بريطانيا منعطفاً خاطئاً على طريق وعر إلى الحنين إلى القومية، في حين تعود الولايات المتحدة إلى الانضمام إلى أوروبا على الطريق السريع الحديث الذي يقود إلى العولمة متعددة الثقافات.
 
*كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك لمؤسسة غافيكال دراغونوميكس. وهو كاتب عمود سابق في صحيفة التايمز في لندن، وصحيفة نيويورك تايمز الدولية، وفاينانشال تايمز، وهو مؤلف كتاب "الرأسمالية 4.0، ولادة اقتصاد جديد" الذي توقع الكثير من تحولات ما بعد الأزمة في الاقتصاد العالمي. كما أصبح كتابه المعنون "تكاليف التقصير" الذي صدر في العام 1985 مؤشراً مؤثراً لحكومات أميركا اللاتينية وآسيا التي تتفاوض بشأن حالات العجز عن سداد الديون وإعادة الهيكلة مع المصارف وصندوق النقد الدولي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات