عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-May-2017

أزمة في جمهورية الشيشان

الغد-كمران بخاري – (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 18/5/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
قطعت روسيا أشواطاً بعيدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي من أجل الاحتفاظ بسيطرتها على دولة الشيشان المشاكسة ذات الأغلبية المسلمة، والمتمتعة بحكم شبه ذاتي في شمالي القوقاز. وحول بداية القرن الجديد، تمكنت موسكو من الارتباط بأفراد عائلة هناك، قديروف، القادرين على استعادة ما يشبه نظام. لكن قبضة الكرملين على السلطة في الوطن ترتخي، ويصبح تخصيص الوقت والموارد اللازمين لضمان استقرار الشيشان أكثر تعذراً باطراد. وترتب على نظام قديروف أن يجد حله الخاص: السماح للإسلام بأن يتدخل في سياسة الشيشان. لكنه حل سوف يصب في مصلحة الجهاديين.
بعد تفجر الاتحاد السوفياتي من الداخل في العام 1991، أعلنت الشيشان، التي كانت جزءاً من الجمهورية الشيشانية- الأنغوشية الاشتراكية السوفياتية المتمتعة بالحكم الذاتي، استقلالها عن روسيا، وانشقاقها عما سيصبح أنغوشيتيا. وكانت روسيا قد شنت الحرب الشيشانية الأولى في العام 1994 والتي استمرت حتى العام 1996، في جهد استهدف استعادة السيادة على المنطقة. لكن الكرملين لم يتمكن من إعادة فرض سيطرته عليها إلا بعد شن الحرب الشيشانية الثانية، التي بدأت في العام 1999 واستمرت خلال الجزء الأكبر من العقد الأول من الألفية الجديدة. وكان عندئذٍ حين كسبت موسكو ولاء أحمد قديروف، المفتي السابق للشيشان المستقلة قصيرة العمر. وأصبح رئيساً للجمهورية الشيشانية التي تسيطر عليها روسيا في العام 2003.
مع ذلك، ظهرت خلال الثورة ثلاثة فصائل: القوميون؛ والإسلاميون؛ والجهاديون. ومع مرور الأعوام، فقد القوميون النفوذ وأخذ الجهاديون العابرون للحدود المرتبطون بتنظيم القاعدة منها وسط المشهد في القتال ضد روسيا. وقد اغتال الجهاديون أحمد قديروف بعد سبعة أشهر وحسب من توليه الرئاسة. ووفق الدستور الشيشاني، تعذر تولي نجله وخلفه المنطقي للرئاسة حسب الدستور الشيشاني، رمضان قديروف، لأنه كان صغيراً جداً لتوليها، ولذلك خدم سياسي آخر موالٍ لروسيا، علي الخانوف، رئيساً لمدة ثلاثة أعوام. وفي العام 2007، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتعيين رمضان قديروف، الذي كان عندها بعمر 30 عاماً، رئيساً للشيشان.
بحلول هذا الوقت، قلل الروس كثيراً من حجم التهديد الجهادي في المنطقة، وإنما ليس من دون الحظ. فقد غادرت أعداد كبيرة من الجهاديين الشيشان المنطقة طوعاً للقتال في الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا. وفي الأعوام الأخيرة، ظهر الشيشانيون كعنصر رئيسي في النظام الجهادي لتنظيم "داعش"، حتى أنهمخ دموا داخل صفوف قيادته. وفي الأثناء، ظلت الهجمات الإرهابية الشيشانية تُشن في الوطن، وحتى في الممتلكات الروسية من وقت لآخر. لكن علاقات بوتين وقديروف المباشرة والوثيقة ضمنت الاستقرار بشكل عام، حتى أن قديروف أرسل بعض القوات الأمنية من حكومته لمساعدة روسيا في تدخلها في سورية.
لكن روسيا، كما بيَّن "جيوبوليتيكال فيوتشرز" تمر حالياً بحالة تراجع. ويتمثل أحد التداعيات المباشرة لهذا الاتجاه في انخفاض قدرة الكرملين على إدارة أراضيه الخاصة، ونفوذه على البلدان المحيطة. ويبدو أن الشيشان، التي تشكل أصلاً تحدياً رئيسياً للروس، هي المنطقة الأكثر عرضة للانحدار إلى الفوضى. ومن العاصمة غروزني، كانت عائلة قديروف هي الآلة التي تستطيع روسيا من خلالها ضم الشيشان -والقوقاز الأوسع إلى الشمال- سوية. وهذه المنطقة جاذبة للجهاديين بشكل كبير، والذين سيكونون أول من سيحاول الاستفادة من أي ثغرة في النظام.
سوف ينتهي السلام الحساس في الشيشان إذا ظهرت تحديات خطيرة لسلطة قديروف. ولا شك أن المتحَدّين الذين يستطيعون تشكيل تلك التحديات، من العائلات المتنافسة إلى الجهاديين، موجودون أصلاً. وسوف تتسارع هذه العملية إذا لم يعد قديروف يستطيع التعويل على دعم موسكو، سواء كان ذلك بسبب خلاف أو لعدم قدرة الكرملين على مساعدة قديروف. ومما لا شك فيه أن الحكومات الإقليمية الروسية الأخرى تراقب بتوجس: فقوة موسكو المتلاشية تخلق لها الفرص للحصول على استقلال أكبر، لكنها تخلق فرصاً أيضاً لأعدائها الداخليين والخارجيين على حد سواء.
في الأثناء، يخضع بوتين نفسه للكثير من الضغوط التي تمارسها عليه النخبة السياسية والعسكرية الروسية، نظراً لتراجع قوة موسكو. وقد أفضى هذا الحال إلى وضع أصبح معه الكرملين غير قادر على التعامل بشكل متساوق مع أمور مثل إدارة الشيشان. وعلى سبيل المثال، هناك خلافات بين إيغور سيشن، رئيس شركة النفط الروسية العملاقة -روزنفت- وبين قديروف حول السيطرة على أصول الشركة في الشيشان. ومع أنه ليس من مصلحة بوتين رؤية هذا الموضوع وهو يتفاقم، فإنه عاجز عن حمل سيشن على التعاون. فإدارة الشيشان تظل صعبة بما يكفي على روسيا من دون أن تعمد نخب روسيا إلى تقويض بوتين.
على نحو منفصل، ثمة الجدل الدائر حول ملاحقة المثليين قضائياً في الشييشان. وهنا مرة أخرى، يجد بوتين نفسه مجبراً على الانخراط شخصياً. وفي العادة، ليس هذا شيئاً يهتم به بوتين، وهو ليس رائداً في حقوق المثليين. لكن الانتباه السلبي الذي لقيه الموضوع في الإعلام الدولي كان كافياً ليدفع بوتين إلى حث قديروف على التراجع. ومن جهته، ينفي قديروف تورطه في الحملة التي أفضت إلى موت عشرات الأشخاص وسجن مائة آخرين على الأقل. وفي الحقيقة، يزعم قديروف أنه ليس هناك مثليون في الشيشان بالنظر إلى تقاليدها الإسلامية.
لكن هذه ليست سوى قمة جبل الجليد عندما يتعلق الأمر بالتمسك بالتقاليد الإسلامية. وكان قديروف قد وضع نفسه كمدافع عن الدين الإسلامي في الشيشان، ففرض شروطاً للباس النساء وشجع على إنزال عقوبات قاسية في حال الاختلاط بين الجنسين، ودعم لتعدد الزوجات. وفي الظروف الاعتيادية، يثير الترويج للدين سادة قديروف في الكرملين. ومع ذلك، تلتزم موسكو بالصمت لأن كلتا الحكومتين تدركان أن هذا ليس الوقت المناسب لتقديم ذخيرة للجهاديين -وليس عندما تكون الموارد الروسية تضمحل وعندما تتوسع المجموعات الجهادية في العالم.
لكن المشكلة في استرضاء الاتجاه الديني (ويمتد هذا إلى العديد، لم يكن معظم المناطق ذات الأغلبية الإسلامية) هي أن الإسلاميين المتطرفين هم الذين يستفيدون من ذلك أكثر ما يكون. وفي نوع من المفارقة، تخلق الحكومات المسلمة التي تستخدم الدين للحفاظ على الاستقرار النتيجة التي تكون قد سعت إلى تجنبها، عن طريق شرعنة الجهاديين وإعطائهم صوتاً. وفي حالة الشيشان، من غير المرجح أن يعوض الدين عن المشكلة البنيوية في نظام قديروف، وهي أنه من صناعة روسية.
صحيح أن روسيا تحتاج إلى قديروف في السلطة لمراقبة الشيشان. لكن العكس صحيح بالمقدار نفسه إن لم يكن أكثر. فمن دون دعم الكرملين، لم يكن قديروف ليستطيع إبقاء المعارضة بعيدة وإدامة إقطاعيته. ولكن، بينما تضعف قدرة روسيا على المساعدة في إدارة المنطقة، فسوف تحاول القوى الجهادية والمنافسون الآخرون لقديروف استغلال ذلك. وتماماً مثلما لم يستطع الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات التلويح بالقوة واستخدامها في المناطق الحدودية، فإن روسيا ضعيفة لن تكون قادرة على الاحتفاظ بقبضتها على الشيشان وشمال القوقاز الأوسع. وإذا ما تركت لأدواتها وآلياتها الخاصة، فإن الأوضاع في الشيشان مرشحة للتحول إلى حرب فصائلية. وهنا، من المرجح أن يستفيد الجهاديون القادرون على حشد الناس حول الدين، أكثر ما يكون.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Downfall of Chechnya

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات