عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

عقد الكتابة… عقد حياة

 القدس العربي-إسماعيل الهدار

■ «قطار الحياة لا يتوقف»، «الحياة تستمر»، «لحن الحياة عزف لامتناه». عبارات من هذا القبيل دائما ما تترد. إنها مجرد عبارات تنهل من شرنقة الأمل والتفاؤل، لا تعدو أن تكون إلا مجرد شعارات، عناوين لمقالات، لكتب أو لخطابات تهدف إلى إضفاء جمالية على واقع مشوه، قبيح وغادر. لعلها تكون نوعا من الأكاذيب المحبذة لتلك الذوات التي ترى في الأمل متنفسا. تلك الذوات التي تبحث عن بديل وعزاء نفسي لجراحها وخيبات آمالها. لتكون مقولة «السعادة تكمن في حب الأمل والرغبة في الحياة» ترياقا وأكسير حياة للذين خذلهم واقعهم المقيت، الأمر الذي دفع بهم للبحث عن ملاذ ملائم يجنبهم الانهيار الكلي. 
البحث عن «قارب النجاة» والرغبة في الصمود أمام وابل من الهجمات الهمجية، الشديدة والمحبطة للعزائم الجامحة لتقدم، لا تعدو أن تكون إلا مجرد محاولات معتادة وقتية حيث أن نتيجتها نسبية، الأمر الذي يجعل من تكرارها من قبيل الروتين والاعتياد واليومي المجحف. فلكأن هذه المحاولات أضحت عادة يومية مقيت هدفها تحقيق بعض من النشوة والارتياح النفسي الحيني الذي ينقضي بمجرد انتهاء ذلك اليوم. 
وعليه فقد أضحت الذات البشرية مجرد آلة للأمل الاعتيادي. تلك الذات التي تسعى فقط للاستمرار ومواصلة حياتها البائسة من خلال خوض ملحمة أبدية تدور أحداثها في حلقة مفرغة. فقد أضحت الحياة بمثابة تجسيد لمراحل تكوين قصة. تدور أحداثها حول كائن متفائل، أسطوري، بطل همام ومغوار يخوض الصراع يلو الآخر بدون كلل ولا ملل. يتعرض هذا «الكائن الخرافي» بصفة يومية لشتى أنواع الألم، العذاب والصدمات، برغم من ذلك فإن بطلنا الذي «لا يشق له غبار» دائما ما يكون المنتصر، الأمر الذي يدفعه لتدوين ذلك النصر في كتاب «تاريخ الإنسان الأسطوري». إن هذا لصنيع عظيم. ليتجلى لنا ذلك الكائن الذي لا يقهر، المثل وصرح الأمل البارز. 
صراع وصدام، أمل وعزيمة، معجم مفاهيمي يسيطر على تلك الحياة. إذ أضحى هذا المعجم عبارة عن ترانيم مقدسة تختزل معنى السعادة «الأبدية». 
لكن الحقيقة التي ينفيها الجميع تكمن في أن الحياة لا يمكن أن تستمر فعليا. إن مختلف محاولات الخروج من لحظات الضعف والانهيار يعزب أن يكون من خلال مجرد الاستماع إلى خطابات التفاؤل، الأمل ورغبة في المقاومة والمواجهة. فالأمر لا يتعلق بقرار تتخذه يقضي بنهوضك أو بسقوطك، بل يتعلق بمدى قدرتك على التعايش مع شتى الوضعيات. لا يقصد هنا بالتعايش بمعنى الصمود وإنما خوض تلك التجربة دون اللجوء لأسلوب قائم على القمع المجحف. فعلى سبيل المثال فإن لحظات الضعف، الازمات والانكسار وما يتولد عنها من مشاعر البؤس، الإحباط، القلق والتشاؤم، غالبا ما تكون هي المستهدفة. إذ أن البعض يعتبرونها الخطر الذي يتربص بالبشرية، متناسيا أن تلك المشاعر والأحاسيس تجسد الإنساني بعينه. فلولا ذلك الحزن والألم لما رأينا امتدادا للأمل والسعادة. ولولا غياب الرغبة وتزامنها مع أزمة الثقة والخوف لما حفلنا بفن الإبداع من كتب، شعر، رسم، موسيقى ساهمت في تشيد صرح المجتمع. 
«لهذا جزيل الشكر أيتها الأوقات العصيبة، عصفتي بالفؤاد لتنتجي ما يبهر العباد». 
أنهى هذا المقال بعدما اتخذ من عبارة «شكرا للحظات السقوط والانهيار» عنوان لمقاله الجديد الذي يفترض أن يكون محل نشر في إحدى الصحف او الجرائد التي اعتاد التعامل معها. ولكن الشك والخوف من أن تكون محاولته مساهمة عبثية لا يفارقانه لحظة الانتهاء من الكتابة، الأمر الذي يدفعه إلى اعتماد أسلوب النقد الذاتي من خلال تعدد قراءته لنصه حتى تتسنى له الفرصة لتقيم جودة المقالة. 
ومع كل قراءة فإن قلبه يخفق من شدة الخوف من أن يكون ما كتبه قد لا يرتقي لما يطلبه كبرياؤه. إنه يخشى أن يقوم بتمزيق تلك المحاولة، بأمر من ذلك السلطان الجائر «الفكر». ولكنه مع انتهاء مرحلة التقييم والنقد الذاتي التي لطالما اعتبرها عملية مجحفة، صعبة ومقيدة نظرا لنتائج فعلها السلطوي، أحس بنوع من الراحة النفسية الشيء الذي مكنه من استرداد معطى الثقة. هذا المعطى الذي شكل بالنسبة إليه عنصر إرهاق وقلق حيث أن افتقاده غالبا ما يكون مرجحا بل مؤكدا مع كل محاولة تقضي بهجره لطقوس أطلق عليها طقوس «عبادة القلم». هذه الطقوس التي تحتم عليه احترام ميعاد الكتابة الفعل الذي دفعه إلى تجسيدها من خلال هاته الكلمات: 
«خلف تلك الأفكار، فكر يقبع
إنه خاضع لعملية صعبة
قدسية اللحظة، سخرت الوقت
لفكر اعتاد عبادة القلم
إنه عقد القلم، يا سادة
عقد استثنائي 
استثناء اتصل بجوهره
نوع من الخضوع الاختياري
ميزه عن بقية العقود الوجدانية
إن هجره بمثابة هجر الحبيب
لعله أعمق من ذلك
ارتباطه بالماهية،
جعل الهروب منه أمرا محالا
فانتفاء فعله، 
انتفاء الذات
إنه فناؤها،
موتها واغترابها
عقد وقلم،
ميثاق الوجدان
ينتصر للذات، ببنود
السعادة هدفها،
الديمومة شرطها
الوعد تناغمها،
الوفاء مبدأها
عقد نحتته الذات،
على ورق الحياة،
دونته
بحبر الوجدان،
وثقته
فختمته … «
لقد كان أمرا جيدا بالنسبة إليه إتمام مقالة وكذلك محاولة شعرية في ليلة واحدة الحدث الذي من شأنه أن يعزز شعوره بالثقة فيما يدونه على «أوراق الحياة بحبر الوجدان». لينتهي في الأخير بعبارة «عقد الكتابة… عقد حياة» التي شكلت عنوان تلك المحاولة الشعرية. وسرعان ما أخفى كتاباته في دفتر إبداعاته ليختم بذلك هاته الليلة.
 
٭ كاتب وشاعر تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات