عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-May-2018

يــوم التـقـيـنــا في «الطريق إلى بلحارث»

 الدستور-جلال برجس

ما أصعب أن تتحدث عن عزيز ترجل عن حصان الدنيا قبل ساعات، إن ذلك يشبه أن تدلَّ أحدًا على طريق وأنت صريع أكثر أشكال الدُوار وجعًا وتيهًا. ما أوجع أن تحكي وأنت مصاب بكل شوك الخَرَس. ليس لي وأنا الساهم بالفقد إلا أن أفتح دفتيّ دفتر الذاكرة وأحكي، وفي القلب غصة الواقف على رأس الدرب ينظر إلى الراحل كيف يتوارى شيئًا فشيئًا في الأفق.
عرفت (جمال ناجي) قبل أن ألتقي به، كنا قد تعارفنا في (الطريق إلى بلحارث) حيث مستني روحه الرشيقة التي أخذتني إلى صداقة به بقيت مؤجلة إلى سنين كان خلالها يعيد إنتاج الحياة عبر عين الروائي العارف بما يجب أن تكون عليه الدنيا، وبما يجب لفضح خناجرها، وبما يجب لرثاء جراحها (غريب النهر، ليلة الريش، الحياة على ذمة الموت، مخلفات الزوابع الأخيرة، وقت ،عندما تشيخ الذئاب، موسم الحوريات.). إلى أن التقينا صدفة وجهًا لوجه في أحد عصاري صيف عام 1995، أنا الولد البدوي المأخوذ بعَمان ذات المزاج الشعري العالي للتو، وبرائحة الكتب التي تخرج طازجة من المطابع كأنها عطر على ثوب امرأة غائبة في التيه، وبصورة الكاتب خارج نصه، وخارج احتمالات القداسة. وهو، هو الغارس في التجربة كسروة عالية على جبل عالٍ في العراء. كان ذلك في بيت الشعر الأردني المطل كفاصلة على أول النص، على وسط البلد بكل زحامه المثير لجنيات السرد. كنا في انتظار أمسية لقاسم حداد؛ إذ أتينا قبل الوقت بساعة من قبيل الصدفة، أنا وهو وعدد لم أعرف منهم إلاه. بعينين دامعتين كان جمال ناجي يحدق بطائرة ورقية تتصدر صفحة السماء، بقي لدقائق يراقبها وحنين بادٍ لزمن الطفولة يفضح وجعًا متواريًا في روحه. التفت إلى جاره في المقعد الذي يقع في حديقة بيت الشعر، وقال كأنه يعاتب زمنًا مرّ كالمرّ على رأس اللسان ( يا أخي كيف غادرنا طفولتنا دون أن نعي ما من حياة حقيقية غيرها) ثم اتسعت دائرة الحديث إلى أن جاء (غاستون باشلار) على ألسنتهم يحكي رأيه بالطفولة وأسرارها. كنت حينها خارج للتو من توريط الراحل (غالب هلسا) لي بعوالم باشلار، وكنت في ذلك الحين أدرك أن ما من متحدث لبق إن لم يكن مستمعًا جيدًا فأنصتُ طويلًا وأنا أدري أن ما من أحد يعرفني، كنت محض ولد يدمن القراءة، ويحلم بالكتابة سماء شاسعة. قلت ( إن باشلار أعظم من قادنا إلى تلك الدهاليز في نفوسنا، وفي أماكنها) التفت جمال نحوي ثم عاد يحدث رفيقه دون أن يعيرني أي انتباه، فعدت أنصت إليه هو يتحدث كيف رأى باشلار النار عند القرويين حينما يلتفون حولها في القُرى. قلت مقاطعًا (القرى التي تحدث عنها باشلار غير القرى التي في الشرق، والنار حتى النار غير النار التي تحدث عنها) لكن ما من أحدث أعار الإنتباه لولد مثلي نحيل القامة، خجول النظرات، خفيض الصوت فانسحبتُ إلى الداخل انتظر أن تبدأ الأمسية وبي شعور غريب يشبه الكره لحمال، شعور جعلني أسهو بصور الشعراء الذين علقت على جدران بيت الشعر كأنني أسائلهم عما يمكن أن يحدث لو تطفل مستجد مثلي على حديث لهم مثل الذي وقع في ذلك اليوم.
مرت الأيام كعادتها الأزلية ولم أتوقف عن قراءة كل ما يكتب جمال ناجي، التقينا في رابطة الكتاب الأردنيين، في أمسيات، وفي لقاءات انتخابية، وفي ندوات، تحدثنا بعجالة كنت بعدها أغادر سريعًا ومنظر الطائرة الورقية سادر وهي تحلق في البال، إلى أن أتاني منه اتصال هاتفي قبل ثلاث سنوات يمتدح فيه روايتي (أفاعي النار) وكيف أخذ بها. منذ ذلك اليوم صار جمال ناجي صديقي ليس لأنه قال ما قال بحق الرواية بل لأني عرفت من هو جمال ناجي لذي لم يصنع عداوة مع أحد، ولم يخبئ في قلبه ضغينة لأحد، ولم يصنف الناس وفق آرائهم وميولاتهم، وانتماءاتهم. كان إنسانًا محبًا للجميع كونه قادما من وعي وثقافة أصيلين. 
قبل أيام هاتفته أطمئن على صحته، كان رائعًا وطيبًا وبشوشًا رغم فقده لأخيه جمعة، ولشقيقته. كان متفائلًا متسع القلب يشير إصبع روحه إلى الحياة وهو يختم المكالمة ضاحكًا (لا تكون بعدك زعلان من اللي صار في بيت الشعر يا ولد، رغم أني ما بتذكره)
أنا زعلان يا جمال، زعلان لأنك غادرتنا بكل هذا السرعة. أنا حزين بما لا يطاق يا (غريب النهر)
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات