عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jul-2017

سرايا السلط كنز لمعمار تراثي .. يعلي عراقة مدينة شرقية

 

درويش الكاشف
الراي - السرايا أو السراي هي قصر الحكومة أو دار الحكومة أو مجمع دوائر الحكومة, ومن معانيها أيضاً أنها قطعة من الجيش ومفردها سرّية. وسرايا السلط أشهر أثر إسلامي ومعلم تاريخي من معالم هذه المدينة العريقة وكانت أيضاً تحفة معمارية وتراثية رائعة.
 
بُنيت هذه السرايا من الحجر الأبيض الرمادي المشذّب في العام 1283هـ/1869م, وأمتدت إليها معاول الهدم في العام 1965م. ولقد دفن مع هذا الهدم مراسم وإحتفالات وشعائر قرن كامل من الزمان, حيث كانت السرايا تمثل مرحلة مهمة من مراحل تاريخ مدينة السلط. وكان هدمها – مهما كانت الأسباب – خطأً فادحاً قد لمسنا أثره بعد حين, حيث أن المباني التراثية هي جزء من مكوّنات الأمة وثقافتها وإرث لشعوبها وأجيالها والتراث العالمي. ولم تكن تنسب تابعيتها لدولة محتلة أو منتدبة أو سلطة حاكمة.
 
موقع السرايا: كانت سرايا السلط تقع في أول محلة الأكراد قبالة مسجد السلط الكبير وبالقرب من ساحة العين وعيون الماء التي كانت تستقي منها المدينة.
 
أهمية الموقع: كان هذا الموقع في وسط البلد مركز الأنشطة المختلفة وملتقى أسواقها التجارية, حيث كانت تتمركز في السرايا الدوائر الحكومية وقسم شرطة المدينة والدرك (الفرسان). وقد لعبت السرايا دوراً مهماً في حل الخلافات بين الناس إلى أن إمتدت إليها معاول الهدم. وكانت إحد الكنوز التراثية التي هُدمت معها كمسجد السلط الكبير والوكالة وغيرها, وبقي الآخر من تلك الكنوز شامخاً نتنسم منه عبق التاريخ ونفحات الماضي العريق لهذه المدينة العريقة, وهي إحدى المدن التي تمثل مبانيها التراثية بفنون عمارتها ولون حجرها الأصفر الترابي وأسواقها القديمة فترة إزدهارها الإقتصادي والمعماري.
 
إن مسؤولية الحفاظ على هذه الكنوز التراثية وعدم العبث بها واجب وطني خدمة للأجيال القادمة والتراث العالمي. ويذكر أنه مازال يستخدم مبنى السراي التاريخية في لبنان داراً للحكومة (رئاسة الوزراء) حتى اليوم.
 
وصف مبنى السرايا: يُعد هذا المبنى من المباني العامة, وقد وصفه الكثير من الرحالة الذين مّروا بمدينة السلط وأثنوا على عظمة هذا البناء وعراقة هذه المدينة.
 
كان المبنى يتكوّن من طابقين يتقدمهما ساحة سماوية واسعة يتم الدخول إليها من بوّابة حديدية كبيرة على جانبيها كوخان حجريان يقف فيهما جنديان للحراسة وفي مدخل الساحة كان يمكن مشاهدة بّوابات السجن الثلاث على شكل أقواس وكان يشكل الطابق الأول.(تحّول السجن إلى نظاره بعد نقله إلى مبنى آخر في سفح جبل السلالم أُطلق عليه مركز الفرسان وكان بجواره إصطبل للخيل).
 
كان الناس والمارّة يشاهدون الموقوفين والمساجين وهم خلف القضبان الحديدية وكان يطلب منهم إحضار مستلزمات المبيت في النظارة وكان البعض يستأجرها من فندق العمد في ساحة العين.
 
كان يمكن الصعود إلى الطابق الثاني بواسطة درج خارجي بُنى على شكل دائري يتفرع منه طريقان يؤدي أحدهما إلى متصرفية اللواء والآخر إلى المحاكم النظامية, وفي الوسط كانت الدوائر الأخرى وهي المالية والطابو (تسجيل الأراضي).
 
أما سقف المبنى فكان على شكل هرمي مائل مغطى بالزينكو القصديري ذي اللون الرمادي وتحته الخشب الجميل. وبسبب عدم العناية بهذا السقف كان يستبدل الزينكو بالصفيح في بعض المواقع.
 
الطغراء السلطاني: وفي أعلى منتصف الواجهة الأمامية للمبنى نقشت الطغراء السلطاني وهي عبارة عن شارة تحمل اسم وخاتم السلطان عبد الحميد الثاني وكانت ترسم أيضاً في أعلى البراءات والفرمات السلطانية. وعُرفت لدى الناس بالُطّرة. وكما كانت الراية الأردنية تخفق بالوانها الزاهية في أعالي المبنى.
 
الأمكنة المجاورة للسراي: 1- مسجد السلط الكبير 2- الدوائر الحكومية الأخرى (وكانت تشغل مبنى الوكالة) وهي الصحة, التلغراف (البريد) تعلوه بلدية السلط , الجمرك ومراقب السلوك (ممثل وزارة الشؤون الإجتماعية). وأما المحكمة الشرعية فكانت تشغل إحدى المباني الملحقة بالمسجد 3- الوكالة وأسواقها التجارية وكانت تضم أيضاً صيدلية الشرق العربي لصاحبها عبد الحليم بدران ومكتبة شهيرة هي مكتبة سَرّي العالم البسطامي.
 
4- المجمع الإنجليزي ودير اللاثين 5- الأسواق التجارية القديمة وهي سوق الشّوام (الخياطين), سوق الجامع الكبير, سوق الإسكافية, سوق الدير, وسوق الحمّام 6- المباني والبيوت التراثية وهي مبنى آل الخطيب, مبنى آل البشارات, مبنى آل أبو جابر, مبنى آل السكر, مبنى آل المعّشر, بيوت آل الداود, بيوت آل عطية وبيوت آل الساكت.
 
المدرسة السيفية: ذكر شهود عيان أنه أثناء هدم السرايا وأعمال الحفريات والتنقيب قد شاهدوا في قاع الأساسات لمبنى السرايا قواعد وآثاراً كاملة لإحد المباني الكبيرة دلالة على أنه قد تكون لإحد المباني العلمية التي كانت قائمة في مدينة السلط وهي الجامعة الإسلامية وكانت تُعرف بالمدرسة السيفية, وذلك نسبة إلى مؤسسها سيف الدولة عبد الله بكتمر المتوفى في السلط سنة 784هـ والتي أنشئت – كما ذكر ابن كثير – في سنة 724هـ / 1324م أي في القرن الرابع عشر الميلادي ولقد تخرج منها الكثير من العلماء والفقهاء ممن تسلموا أرقى المناصب القضائية في بلاد الشام. من أمثال قاضي دمشق, قاضي بيت المقدس, قاضي طرابلس, قاضي عكا , وقاضي السلط ذاتها. وكان من أواخرهم الشيخ الصالح نعمة الصلتي أحد كبار المتصوفة في القرن السادس عشر والمتوفى في السلط في سنة 946هـ /1539م ودفن في مقبرة الشيخ نعمة التي ماتزال تسمى بإسمه وهي مقبرة العيزرية وصلي عليه صلاة الغائب في الجامع الأموي بدمشق وقد أطلق اسم المدرسة السيفية على إحدى المدارس الثانوية في السلط.
 
وفي ذات السياق – يذكر علماء الآثار – أن كنيسة البروتستانت (الإنجليزية) القريبة من مبنى السرايا قد بُنيت على أنقاض حمّام روماني قديم, حيث وجد العاملون في بنائها عام 1284هـ/ 1867م حماماً كامل البناء على عمق (10) أقدام أثناء حفر الأساسات.
 
الإحتفال بالأعياد الدينية: كان من التقاليد الجميلة المتبعة الاحتفال بالأعياد الدينية الفطر والأضحى, حيث تقام صلاة العيدين في مسجد السلط الكبير وكان الحاكم الإداري (المتصرف) في مقدمة المصلين. وبعد الانتهاء من الصلاة كانت ثلة من الجند تصطف في مدخل المسجد لأداء التحية للمتصرف بحضور رئيس وأعضاء المجلس البلدي ورؤساء الدوائر والمفتي والقاضي الشرعي وإمام مسجد السلط الكبير وقضاة المحاكم وقائد الشرطة والدرك والوجهاء والمخاتير ومدير مدرسة السلط وجمع من الأهالي. ثم يتوجه الحضور إلى دار الحكومة (السرايا) في تظاهرة رائعة مشياً على الأقدام وهناك كانت تتبادل التهاني بالعيد وتؤخذ الصور التذكارية. وكان من أجمل هذه المناسبة مشاركة رؤساء الطوائف المسيحية في تلك الإحتفالات. (بعد هدم السرايا كان يقام الاحتفال في مبنى البلدية واستمر حتى أواخر القرن الماضي).
 
نوبة المساء: ومن التقاليد العسكرية كانت تقام نوبة المساء في ساحة السرايا مساء كل يوم, حيث كان يصطف ثلة من الجند بأسلحتهم والزي العسكري والوشاح الأحمر الجميل لأداء تحية العلم في حركات رائعة ثم يقفُ الصدّاح الجندي المدعو/ مصطفى المغربي وكان يدعى بــ(البورزان) ليصدح ببوقه النحاسي لحن نوبة المساء ويقف جندي آخر لإنزال العلم من السارية تدريجياً مع صوت البوق, وبعد ذلك يطوى العلم ليرفع على السارية في اليوم التالي. وكان هذا الأداء اليومي منظراً رائعاً مازال في ذاكرة المعمّرين من أهالي المدينة بخاصة المجاورين للسرايا والمارين من أمامها أثناء العرض.
 
بلاطة عطية: كان لبيوت آل عطية الواقعة أول محلة الاكراد والمجاورة لمبنى السرايا بلاطة مشهورة يجلس عليها الرجال في كل يوم, وقد عُرفت في السلط بـ (بلاطة عطية ) وكأنها ملتقى, فيتداولون ويتناقشون ويتحاجّون ويتخاصمون ويصّفون حساباتهم عليها وعندما ينشب الخلاف بينهم كانت البلاطة تشهد عراكاً بالأيدي والعصي (القناوي). ولا تتدخل الشرطة إلا بعد انتهاء الأمر, مع أن مركز الشرطة لا يبعد أكثر من (10) أمتار عن البلاطة.
 
وورد ذاك في كتاب: السلط ملامح من الحياة اليومية للمدينة من خلال سجل البلدية لسنة 1928م للدكتور هاني العمد .
 
حادثة إعتقال عودة أبو تايه: أعتقل الشيخ عودة أبو تايه في سجن سرايا السلط في العام 1922م من قبل الانجليز وعزَّ على أهالي السلط إعتقاله في مدينتهم وعدوه ضيفاً لا سجيناً وكانوا يقدمون له طعام إكرام الضيف طيلة مدة اعتقاله, ثم أعدوا خطة لتحريره من السجن, وقد نجحت هذه الخطة وخرج الشيخ من السجن في إحدى الليالي ليجد في إنتظاره خارج السجن أحد أبناء السلط الذي قدم له فرساً فإمتطى الشيخ صهوتها متجهاً صوب قبيلته في الجنوب.
 
حادث حريق السرايا: تعرّض مبنى السرايا في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي إلى حادث حريق أتى على الواح الزينكو والخشب في أسقف الطابق الثاني ثم انتقل إلى هذا الطابق بأكمله, حيث إلتهمت ألسنة النيران معظم محتوياته, ولم يسلم من هذه المحتويات سوى بعض سجلات الأراضي والمالية التي أُنقذت من قبل عدد من الجنود الذين كانوا داخل المبنى. وأستمرت آثار الحريق أكثر من شهر رغم محاولات الأهالي إطفاءها وذلك بنقل المياه من العين.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات