عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Dec-2017

شاهد على جذور حضاريةعميقة «أم الطواقي» بين حيرة مدافن الموتى وتربية الحمام

الراي -  أبواب - أ.د أحمد الملاعبة الطبيعة العملاقة في الاردن تقدم كل يوم نموذجا للتراث الطبيعي والثقافي، وتعتبر ظاهرة مغارات أم الطواقي من الامثلة المميزة على هذه الظواهر.

 
قام الباحث بتسجيل واكتشاف مناطق مختلفة في الاردن تقدر بحوالي مئة من مغارات أم الطواقي, المنتشرة من «الطرة» الواقعة على الحدود مع سورية، وحتى منطقة وادي السير وعراق الأمير الواقعتين غرب عمان–وجنوبا في داخل مدينة البتراء، مغارات كثيرة مهملة، ضاعت معالمها مع الوقت وعبث الناس بها ،خاصة الباحثين عن كنوز مدفونة ،فاضافة إلى مغارات أم الطواقي في خرجا وجد الباحث كهوفا مشابهة في «المغير» و»الطرة» و»وادي الشلالة» و»خرجا» و»سمر» و «كفرسوم» وكفر أسد» و»عراق الأمير» (معلقة الدير) و «البتراء» وغيرها الكثير.
 
أصل التسمية
مغارات أم الطواقي: أو كولومباريوم (وتجمع: كولوم – باريا أو كولومبيا) لم تحير فقط السكان المحليين، بل حيّرت العلماء سنوات طوال، فقد ظل الموروث الشعبي السائد تعد هذه المغارات وأخرى كثيرة مشابهة، منتشرة في غير مكان في الأردن وفي دول اخرى، مكانا لتربية الحمام الابيض او لحفظ وبيع الأدوية العشبية، أو أن هذه الكهوف كانت دكاكين لبيع المواد الغذائية، خاصة أن الطاقات الموجودة تشبه الرفوف والخزائن الموجودة في بقالات وصيدليات هذه الأيام، لا سيما أن محتويات هذه الطاقات اختفت، ولم تكن هناك امكانية للجزم في أمرها. ومصدر المصطلح من اللاتينية «كولوم « (حمامة) وباريوم (مكان) بمعنى المكان المخصص لتربية الحمام.
 
رماد رفات الموتى
في السنوات الماضية قام الباحث بدراسات مستفيضة على مغارة أم الطواقي في خرجا وسمر ، شمال الاردن- وعلى غيرها من المغارات المشابهة لها، فتبين لنا أنها ظلت تستخدم كمدافن للموتى، فقد ساد لدى الرومان في بداية التقويم الميلادي، فكرة حرق الموتى،والاحتفاظ برماد الجثث في جرار فخارية، توضع داخل الطاقات المنحوتة في المغارات و الكهوف، وذلك بعد أن يكتب على كل جرة اسم الميت ومعلومات أخرى عنه، يشار أن مغارة أم الطواقي تعود إلى القرن الأول أو الثاني الميلادي.
 
في مغارة أم الطواقي في خرجا والواقعة بالقرب من عين عبده ، تم تسجيل مداخل ثلاثة إلى مغارة فسيحة، مساحتها تصل إلى 40 مترا مربعا، وارتفاعها يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار،ذي أرضية طباشيرية ترابية مستوية، شكّلت مع الوقت طبقة كثيفة من الرمال الناعمة، تعيش في المكان أفاعي من نوع فريد نادر، فهي ما أن تستشعر أي خطر تخفي نفسها داخل الرمال، لكن هذا الأمر لا يحول دون اكتشاف وجودها،فعلامات زحفها على الرمال تبقى واضحة على سطح أرضية الكهف الرملية،وهي علامات تظهر أحجام الأفاعي، ومنها يمكن معرفة إن كانت أفاع معمرة، أم أنها صغيرة السن بعد.
 
الكوى أو الرواشم
على جدران المغارة تجد الابداع و فن النقش وهندسة النحت، على شكل ما يعرف بـ الكوى او أو «الرواشم»، فعلى جدران الكهف الثلاثة -الجدار الرابع هو المداخل - شكّلت يد الإنسان مئات المنحوتات على شكل طاقات - جمع طاقة بمعنى كوة، مستطيلة الشكل، لكن ضلعها الأعلى على شكل قوس، (ويلاحظ عدة اشكال هندسية تميز هذه الطاقات في العديد من المغارات في الاردن منها المثلث والمربع والمستطيل والمقوس اعلاه).
 
عمقها داخل الجدار يتراوح بين 15 إلى 20 سم، نحتت بتناسق في صفوف، عددها في كل جار يتراوح بين مئة ومئتين،ولأنها نحتت في شمال الاردن في الصخور الطباشيرية البيضاء، وبسبب أنها موجودة في منطقة شبه جافة، وبعيدة عن أعين العابثين، فإنها احتفظت بمنظرها الجميل البديع.
 
معلقة الدير
مغارة «معلقة أم الطواقي» في وادي السير (وادي عراق الأمير) وبالتحديد في بالقرب من منطقة الدير التابعة لمنطقة البصة، وعلى يسار النازل إلى البصة، يتكون هذا البناء المنحوتة في الصخر الجيري ،ويتكون من ثلاثة طوابق فيه كوى مشكلة من مثلثات متساوية الأضلاع بعمق حوالي 10 سم وبينت الدراسات ان عدد الكوى يقارب 2300.
 
وتقع بالقرب من قصر العبد في وادي السير وتعتبر انموذجا رائعا وفريدا من مغارات أم الطواقي في الاردن حيث تبلغ مساحتها حوالي 50 مترا مربعا وحفرت في الجبل على ارتفاع 100 متر من ارض الوادي وفيها كوى معظمها مثلثة الشكل. وهي من أروع الامثلة على مغارات أم الطواقي في الاردن.
 
كولومباريوم في العصر القديم كولوم - باريا غالبا ما تكون متشابهة بشكل وثيق في شكل المعابد البوذية التقليدية، والتي من العصور القديمة قد يضم الرماد المحترقة، في البوذية، رماد المتوفى يمكن أن توضع في كولومباريوم (باللغة الصينية، ناغوتا « معبد استقبال العظام «)؛ في اليابانية، نوكوتسودو («قاعة استقبال العظام «)، والتي يمكن أن تكون مرتبطة، أو وهي جزء من معبد أو مقبرة بوذية، وتتيح هذه الممارسة لعائلة المتوفى زيارة المعبد من أجل تسيير النصب التذكارية التقليدية وطقوس السلف. تم العثور على عدة سلسلة من الكهوف الكبيرة حفرت في الصخور. كان هناك العديد من النظريات حول استخدامها الأصلي، لطقوس الدفن، لتربية الحمام لاستخدامها في كمصدر للحوم او للطقوس التضحية، او للإستفادة من إنتاج الأسمدة من مخلفاتها. فيما يرى الاخرون انها مغارات لتخزين الرماد (أي الجرار التي يحتفظ بقايا المتوفى الميت).
 
في العصر الحديث يمكن أن تكون أم الطواقي او كولومبيا اليوم وحدات مستقلة، أو جزء من ضريح أو مبنى آخر. بعض الشركات المصنعة تنتج كولومبيا التي بنيت تماما خارج الموقع وجلبت إلى المقبرة من قبل شاحنة كبيرة. العديد من المحارق الحديثة لديها كولومبيا. ومن الأمثلة على ذلك الكولومبيا في مقبرة بير لاشيس في باريس وجولدرز جرين كريماتوريوم في لندن.
 
وفي حالات أخرى، يتم بناء كولومبيا في هياكل الكنيسة. ومن الأمثلة على ذلك كاتدرائية سيدة الملائكة (لوس انجليس، كاليفورنيا)، التي تضم عددا من المنافذ الكولومبية في الضريح الذي بني في المستويات السفلى من الكاتدرائية، بناء الكولومبيا داخل الكنائس على نطاق واسع على نطاق واسع ويمكن رؤية مثال على كنيسة سانت نيكولاس في ساحة البلدة القديمة (براغ).
 
اللغز المحير
قد تم فك هذا اللغز- كهف أم الطواقي ColumnBarium - انها مدافن لرماد جثث الموتي الموضوعة في جرار صغيرة - وحرق الموتى كان من تقاليد وطقوس الرومان ولقد تم تسجيل العشرات منها من اليرموك شمالا وحتى البترا جنوبا - ولقد قدر (للباحث) مشاهدة احد الجرار المكسورة وبداخلها رماد في احد كهوف ام الطواقي شمال الاردن. وتبقى فكرة اللغز بين المغارات تحت الارض كمدافن – وبعض المغارات فوق الارض لتربية الحمام أمر وارد وأكد عليه بعض العلماء في دول كثيرة.
 
الحماية و السياحة مغارات أم الطواقي شاهد على حضارة عظيمة كانت في الأردن،هي تمثل متحفا حضاريا ما زالت معالمه متماسكة بهيئة ممتازة، ما يستدعي العمل فورا على ادراجها في خارطة الأردن السياحية، وأن تتكاتف الجهات الرسمية والأهلية كافة لتأهيل المناطق، لتكون قادرة على استقبال الأفواج السياحية، وتأهيل الطريق المؤدية إليها، خاصة داخل الغابات، وذلك بتجهيز طريق سياحية بجوانب خشبية.
 
*خبير التراث الطبيعي وهندسة البيئة- الجامعة الهاشمية
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات