عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

حين يخضع الناقد لسطوة النص وصاحبه

الدستور-د. محمد عبدالله القواسمة 
 
يتعامل الناقد مع النص -كما أرى- وفق رؤية نقدية تجمع بين الذوق والعلم، رؤية فنية معقلنة تنطلق من النص دون التأثر بأي شيء خارجه، مثل كتابات الآخرين من نقاد وأدباء سواء أكانت كتاباتهم تُعلي من شأن النص أو تُقلل من شأنه. وكذلك دون التأثر أو الانسياق وراء أقوال صاحب النص نفسه وآرائه.
 
ما نلاحظه في كثير من المقالات والدراسات النقدية أن أصحابها لا يخضعون فقط لآراء غيرهم من النقاد بل، أيضًا، لآراء المبدعين أصحاب تلك النصوص التي يتناولونها بالدراسة والنقد؛ فنراهم ينطلقون منها كأنها مسلمات نقدية.
 
في الحقيقة، إنّ صاحب العمل الإبداعي، حتى ولو كان ممارسًا للنقد، فإنه ناقد فاشل إذا ما اقترب من عمله. فهو يعتقد دائمًا أن عمله متميز، وقد وفق في التعبير عما هدف إليه، لكنه على وجه اليقين بعيد عن ذلك كل البعد؛ لذا فهو يحتاج إلى من يبين له مواطن القوة ومواطن الضعف فيما يكتب. 
 
لعل من أسوأ النقد أن ينطلق الناقد في شرح النص وتحليله اعتمادًا على ما قاله صاحبه. ومن الحالات التي تمت معاينتها عند بعض النقاد أن أحدهم يمضي في التعامل النقدي مع النص كما صنفه صاحبه؛ بأنه رواية، أو سيرة، أو قصة قصيرة، أو بحث. ولو أنه أمعن النظر قليلًا لتكشف له أنه ليس كذلك، فيكون ما كتبه غير دقيق ولا فائدة منه؛ لانطلاقه من مقدمات غير صحيحة. 
 
وقد يحدث في بعض الحالات أن يكتب المبدع مقدمة لعمله، يثني فيها على نفسه كثيرًا، ويمتدح طريقته في البناء، ويبرز الأفكار التي عبر عنها. وقد يشرح ما يجب على القارئ والناقد أن يقوما به حتى يفهما ما قدّمه. وفي هذا استهانة بعقلية الاثنين كليهما، ومحاولة لتضليل رؤيتهما للنص. 
 
ربما يصل الأمر بالناقد إلى الانجرار وراء ما في النص من أفكار، فيتبناها ويدافع عنها، أو يأخذ بها على علاتها دونما تمحيص وتدقيق. ولخطورة هذه الظاهرة أشير إلى بعض النقد الذي تعامل مع رواية «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة» لربعي المدهون التي نالت جائزة البوكر للرواية العربية عام 2016. إذ ساير هذا النقد المدهون في وصف بطل الرواية وليد دهمان الفلسطيني الذي يحمل الجنسية البريطانية عندما جاء إلى وطنه المحتل بأنه «زائر» في حين يصف ذلك اليهودي الصهيوني الذي هرب من الاضطهاد النازي في أوروبا وجاء إلى فلسطين ليحتلها، بأنه «عائد إلى وطنه». فهذا خطأ جسيم من الناحية العلمية والواقعية والأخلاقية، ويمكن أن يُعرّض الناقد للشك في وطنيته وإنسانيته مع أنه، في الحقيقة، كان ضحية الانجرار، ربما دون انتباه، وراء ما قاله صاحب النص، وما رغب في الوصول إليه.
 
من هنا نخلص إلى القول: إن على الناقد أن يتعامل مع النص دون الخضوع لسطوة أحد، أو التسليم بما تقوله أي إشارات نقدية ترد في عتبات النص أم في متونه، وسواء أكانت للمبدع، أم للناشر، أم لغيرهما. كما عليه ألّا يتبنى ما يجئ في النص من رؤى وأفكار دون أن يقف منها موقف الناقد الحصيف ذي الشخصية المستقلة والمتفتحة على كل ما هو إنساني وجميل، موقف الناقد الذي ينظر إلى النص وفق رؤيته النقدية الخاصة، ولا يسمح لأي أحكام نقدية أن تضلله. بغير هذا لا يمكن أن يبعث في بلادنا نقد عميق مؤثر. إن حياتنا الثقافية تحتاج إلى من يحمل شعلة النقد الفكري المستقل؛ لينير الطريق أمام المتلقي لفهم النص وتذوقه، وأمام المبدع كي يُجوّد نصه ويحسنه.
 
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات