عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2018

نهاية حقوق الإنسان؟ التعلم من فشل مبدأ مسؤولية الحماية والمحكمة الجنائية الدولية

 الغد-ديفيد ريف* - (فورين بوليسي) 9/4/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
ما من شك في أن حركة حقوق الإنسان تواجه الآن أكبر اختبار لها على الإطلاق منذ ظهورها في السبعينيات كمشارك رئيسي في النظام الدولي.
كان من أبرز التعبيرات عن هذه الأزمة ما جاء في المقالات التي كتبها كينيث روث؛ المدير التنفيذي لمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، في تقديمه للتقارير السنوية التي تصدرها المنظمة. وعلى المرء أن يعود إلى العام 2014 ليرى كيف كان روث يكتب بطريقة متفائلة نسبياً عن مستقبل حقوق الإنسان في أنحاء المعمورة. وجاءت مضامين تقرير ذلك العام متوافقة مع المفاهيم الإيجابية التي ينطوي عليها عنوانه: "وقف الفظائع الجماعية؛ وانتهاء معظم أعمال البلطجة والإساءات تحت ستار مكافحة الإرهاب". وبحلول العام 2016، كان روث يتأمل "كيف أن سياسات التخويف وسحق المجتمع المدني تُعرِّض حقوق الإنسان في العالم للخطر". ثم، في العام التالي، حذر روث أنصار منظمة "هيومان رايتس ووتش" من أن صعود الشعبوية "يهدد بتقويض إنجازات حركة حقوق الإنسان الحديثة".
ومع أن روث يزعم في تقرير العام 2018 أن الأمور ربما لا تكون سيئة كما كان حالها في السنوات الثلاث السابقة، فإنه لا يترك أي مجال للشك في أن الأحوال تبقى سيئة للغاية في الحقيقة. ويخلص روث إلى أن "تقييماً نزيهاً للآفاق العالمية لحقوق الإنسان يجب أن يحفز الاهتمام أكثر من الاستسلام -وأن يكون دعوة للعمل وليس صرخة يأس".
ضع لغة الناشط جانباً وسوف يكون ما يظهر لديك هو حركة حقوق إنسان مجبرة على إعادة خوض المعارك والقضايا التي ظنت ذات مرة أنها كسبتها بشكل نهائي. وليست منظمة "هيومن رايتس ووتش" وحيدة في الدعوة إلى ردة فعل جماعية يشارك فيها كل مؤيديها. وتقول منظمة العفو الدولية في تقريرها الخاص للعام 2017-2018: "على مدار العام الماضي، شجع القادة الكراهية، وحاربوا الحقوق، وتجاهلوا الجرائم ضد الإنسانية، وأطلقوا اللامساواة والمعاناة من عقالهما وجعلوهما خارج نطاق السيطرة". لكن مؤلفي تقرير منظمة العفو الدولية يخلصون، مثل روث، إلى أنه "في حين أن التحديات التي تواجهنا لا يمكن أن تكون أكبر مما هي الآن، فإن إرادة التصدي لها تظل قوية بالمقدار نفسه".
يبقى السؤال قائماً حول السبب في أن أبرز منظمات حقوق الإنسان لا تلاحظ فيما يبدو العاصفة المتجمعِّة ضدها -مع صعود الشعبوية في أوروبا- إلى أن تداهمها مباشرة.
بطبيعة الحال، كان منتقدو ودارسو حركة حقوق الإنسان الخارجيون -مثل ستيفن هوبغود؛ وصامويل موين؛ وإيريك بوسنر- قد توقعوا مسبقاً أن التزام حركات حقوق الإنسان بحرفية القانون لن يكون كافياً واحده لنجاحها. وثمة فكرة متضمنة في السرد الليبرالي لحقوق الإنسان، والتي تقول بأنه بمجرد وضع القواعد القانونية الملزمة، فإن الوقائع على الأرض سوف تتوافق معها في نهاية المطاف. وهذه مقاربة قانونية ليس لها مكان ببساطة في أطروحة المفكر الألماني كارل شميت التي تقول بأن القانون غير قابل للفصل عن السياسة، وليس فوقها. وبالقدر الذي كان يعني حركة حقوق الإنسان، فإنه بمجرد أن تصبح ما دعاه الكاتب مايكل إغاتييف "ثورة القلق الأخلاقي" لما بعد الحرب العالمية الثانية قيد العمل، فسوف تكون مسألة متى -وليس إذا- ما كان نظام دولي قائم على حقوق الإنسان سيسود في كل أنحاء العالم.
ولكن، في الوقت الحالي، على الأقل، عمل كل من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ورئاسة دونالد ترامب، والصعود الثابت للصين، على تمزيق سرد حركة حقوق الإنسان حول حتمية تقدمها.
ليس ثمة ما هو حتمي في التاريخ -سوى حتمية فناء كل حضارة ونظام عاجلاً أو آجلاً، بطبيعة الحال- وكل من منظمة "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العدل الدولية محقتان تماماً في رفض الاعتراف بالهزيمة. ومن الممكن -ولو أنه غير مرجح- أن تكون حركة حقوق الإنسان أكثر فعالية بينما يكون ظهرها الجمعي إلى الحائط: كعقيدة معارضة سرية كما كانت خلال بداياتها بدلاً من كونها العقيدة العلمانية للعولمة الليبرالية التي كانت عليها في أوجها. لكن ما هو واضح، مع ذلك، هو أن ميزان القوى العالمي قد انحرف مبتعداً عن الحكومات الملتزمة بقواعد حقوق الإنسان وفي اتجاه الحكومات غير المبالية، أو المعادية لها بقوة. وفي هذا المعسكر، تظهر أوضح ما يكون، دول مثل الصين وروسيا وتركيا والفلبين وفنزويلا. ويعترف روث تماماً بهذا القدر عندما يتحدث، في تقرير العام 2018، عن القوى التي "انسحبت" من النضال من أجل حقوق الإنسان، حتى ولو أنه احتفظ ببعض الأمل في أن تقوم الدول صغيرة ومتوسطة الحجم بملء الفجوة.
ما لم تكن حركات حقوق الإنسان راغبة في فعله هو القبول ببعض اللوم عن الموقف الضعيف الذي تجد نفسها فيه. وهذا أمر متوقع. فإذا كانت توقعاتك مليونية -إذا كنت تعتقد بأن هناك جانب صائب من التاريخ، جانبك، وجانب خاطئ من التاريخ، والذي هو منذور للهزيمة الحتمية- فإن التشكيك في مشروع حقوق الإنسان، ناهيك عن أصوات المعارضة، لن يؤثر في موقفك على الأرجح. وعلى أساس هذا المنظور، لماذا تتأمل إمكانية إجراء أي تغيير في نهجك، والذي يمكن أن يذهب أبعد من مجرد تعديلات تكتيكية؟
هذا ما حذر منه إغناتييف، مع أنه واحد من أكثر المدافعين عن مجتمع حقوق الإنسان أهمية، في كتابه المعروف الصادر في العام 2001، "حقوق الإنسان كسياسة وعبادة أوثان". وكتب فيه: "في السنوات الخمسين المقبلة، يمكننا أن نتوقع رؤية الإجماع الأخلاقي الذي حافظ على ‘الإعلان العالمي’ (لحقوق الإنسان) في العام 1948 وهو يزداد انقساماً... ما من سبب للاعتقاد بأن العولمة الاقتصادية تنطوي على -أو تستلزم- عولمة أخلاقية".
لكن هذا يبدو أنه كان بالضبط أحد الدوافع الرئيسية لما قد يصفه متعاطف مع حركة حقوق الإنسان بأنه "صفاؤها الأخلاقي"، والذي يمكن أن يصفه متشكك فيها بأنه "غطرستها". وليس ثمة مكان كانت فيه هذه الغطرسة أكثر وضوحاً من مصير البنى المؤسسية والأطر التي كان الهدف منها السماح بتدخل مفوض دولياً وبرعاية الدولة لمنع الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، أو لجلب المذنبين بمثل هذه الأهوال إلى المحاسبة.
الأول من بين هذه الأطر هو المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست في العام 2002. والثاني هو ما يدعى مبدأ "مسؤولية الحماية"، الذي تبنته الأمم المتحدة في قمتها العالمية في العام 2005، ثم أعيد تأكيده في العام 2009.
يقيم مبدأ مسؤولية الحماية سلسلة من الإجراءات غير العنيفة التي تجب تجربتها قبل اللجوء إلى التدخل العسكري الدولي على أساس حقوق الإنسان أو الأسس الإنسانية. ويجب استخدام القوة، حسب أنصار مبدأ مسؤولية الحماية، فقط إذا كان وجود فرصة معقولة في تحقيق النجاح وتحقيق التناسب في الاستجابة ممكنين. ولكن المبدأ، بوصفه قاعدة ملزمة دولية، يلزم القوى الخارجية -ولو أن ذلك يجب أن يحدث فقط بتفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة- بالتدخل لوقف عملية إبادة جماعية أو جرائم جماعية فظيعة في البلدان حيث إما تكون حكومة البلد المعني هي التي ترتكب بالجرائم المعنية، أو أنها غير قادرة بخلاف ذلك على منع هذه الأهوال من الاستمرار.
كانت الحجج المقدمة لكل من مبدأ مسؤولية الحماية والمحكمة الجنائية الدولية كاسحة. وكتب أحد مهندسي مبدأ مسؤولية الحماية الرئيسيين، وزير الخارجية الأسترالي السابق غاريث إيفانز، أن هذا المبدأ جعلنا أكثر قرباً بكثير من "إنهاء الفظائع الجماعية مرة وللأبد". وساد اعتقاد بأن الوعد المتضمن في تعهد "ليس مرة أخرى" -الذي نحته أول الأمر سجناء معسكر اعتقال بوخينفالد بعد تحريرهم وكرروه بلا نهاية، حتى لو أنه ظل أجوف، منذ تلك اللحظة في العام 1945- سوف يصبح واقعاً أخيراً.
كانت الوعود المتعلقة بما ستنجزه المحكمة الجنائية الدولي أقل إسرافاً بقليل فقط. وعندما تم توقيع معاهدة روما، التي عبدت الطريق أمام إنشاء المحكمة، أشاد بها الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، كوفي عنان، ووصفها بأنها "هدية أمل لأجيال المستقبل وخطوة عملاقة إلى الأمام في المسيرة نحو ترسيخ الحقوق الإنسانية العالمية وحكم القانون". وفي الحقيقة، خلص عنان إلى أنها "إنجاز ما كان أحد ليفكر قبل بضع سنوات فقط بأنه يمكن أن يتحقق".
ولكن، بعد بضع سنوات فقط، أصبح كل من مبدأ مسؤولية الحماية والمحكمة الجنائية الدولية يبدوان كذلك بالضبط: مجرد عقائد ليست ممكنة التحقق في العالم كما هو موجود فعلياً. وكانت بعض تلك الجروح التي أصابتهما ذاتية بفعل أيديهما. فعلى المستوى السياسي، ثمة خطأ فادح ارتكبه المدعي العام الأول للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، حين بدا وكأنه يركز تحقيقاته بشكل حصري تقريباً على أفريقيا -حتى مع أنه كان محقاً من حيث الأسس القانونية، بما أن عدداً غير متناسب من الإحالات المبكرة إلى المحكمة جاءت من الحكومات الإفريقية نفسها. وكانت النتيجة هي سيادة تصور واسع الانتشار بأن إفريقيا تتعرض للاستهداف بشكل غير عادل. بل إن عدداً من الدول الأفريقية حاولت في العام 2017 تنظيم عملية انسحاب جماعية لأعضاء الاتحاد الأفريقي من المحكمة الجنائية الدولية. ولا ينبغي أخذ التمكن من هزيمة هذا الجهد كدليل على أن أزمة الشرعية التي تعاني منها المحكمة الجنائية الدولية في إفريقيا قد انتهت وتم حلها.
تحقق الالتزام العالمي، المنصوص عليه في مبدأ مسؤولية الحماية، بالعمل عسكرياً في الحالات المتطرفة لوقف الجرائم الجماعية الفظيعة، مرة واحدة فقط: في ليبيا في العام 2011. لكن التدخل في ليبيا لحماية السكان المدنيين سرعان ما تحول إلى جهد لتغيير النظام، كما اعترفت أقلية من أنصار مبدأ مسؤولية الحماية منذ ذلك الحين. وما تزال وجهة النظر التي يعتنقها على نطاق واسع أنصار مبدأ مسؤولية الحماية، هي أن التدخل الليبي كان صائباً -سوى أن التطبيق فقط هو الذي كان خاطئاً.
بغض النظر عما إذا كان ذلك التدخل صحيحاً أو خاطئاً، كانت هناك القليل من الإمكانية لحدوث تدخل آخر على أساس مبدأ مسؤولية الحماية في المدى المنظور. وقد أظهرت حالات سورية واليمن والتطهير العرقي للروهينجا في ميانمار هذه الحقيقة بطريقة شديدة الإيلام.
ثمة أسباب أخلاقية وسياسية أعمق تفسر فشل المحكمة الجنائية الدولية ومبدأ مسؤولية الحماية في الارتقاء إلى مستوى تحقيق ما تبدو، لدى تأملها الآن، توقعات مفرطة تماماً لما يمكن أن يحققاه. ففي حالة المحكمة الجنائية الدولية، تم إنشاء المحكمة من دون إنشاء قوة شرطة تقوم بتنفيذ تعليماتها. وبالإضافة إلى ذلك، لم تصادق العديد من أقوى دول العالم -الصين، والولايات المتحدة، والهند، وروسيا- على معاهدة روما أو تنضم إليها. وبذلك، فإن مؤسسة قانونية في وضع يؤهلها فقط لاستهداف مجرمي الحرب الذين لا يتمتعون بحماية دول قوية، ستكون على الأرجح فعالة بصورة متقطعة في أحسن الأحوال. كما أنها ستكون أيضاً ذات شرعية مشكوك فيها وموضعاً للاستنطاق، بغض النظر عن عدد الدول الأخرى التي تعترف بها رسمياً. ولا تسير الشرعية والقانونية بالضرورة معاً، بطبيعة الحال. كان التدخل في ليبيا قانونياً؛ لكن التدخل في كوسوفو في العام 1999 لم يكن كذلك. ومن المفرط في الغرابة اعتناق وجهة نظر تعتقد بأن الحالة الأولى كانت غير مشروعة أخلاقياً، بينما اعتمدت الثانية على أسس أخلاقية أكثر منطقية بكثير.
إن مؤسسة قائمة على المعايير المزدوجة، كما يرجح أن يظل حال المحكمة الجنائية الدولية على ما يبدو في المستقبل المنظور، لا يمكن اعتبارها بجدية خطوة مهمة في اتجاه تحقيق العدالة الكونية.
وفي حالة مبدأ مسؤولية الحماية، كانت السمات غير العسكرية لهذه العقيدة ناجحة في عدد من الحوادث. فقد استعان به كوفي عنان في مفاوضاته -بواسطة قناة خلفية- مع الحكومة الكينية بعد اندلاع الاضطرابات القاتلة خلال انتخابات البلد الوطنية في نهاية العام 2007، والتي كادت تفضي إلى نشوب حرب أهلية. ولكن، وبقدر ما كان هذا المبدأ مفيداً كأداة تفاوضية لعنان في كينيا، فإنه لم يقم بإحداث تحويل رئيسي في عمل الدبلوماسية الكلاسيكية. وبدلاً من ذلك، جاءت قوته الأخلاقية من زعمه بأنه قادر على إيقاف عمليات الإبادة الجماعية والجرائم الجماعية الفظيعة فحسب.
ربما يقول المدافعون عن مبدأ مسؤولية الحماية والمحكمة الجنائية الدولية إن العالم سيكون أفضل حالاً بهما على المدى البعيد، بما أن المحكمة والمبدأ سوف يقودان في نهاية المطاف إلى التحولات المرغوبة للواقع على الأرض. لكن هذا بالضبط هو نفس الافتراض الخاطئ الذي ألقى بحركة حقوق الإنسان في الأزمة بينما تتراجع الديمقراطية وتنكص على أعقابها في كل أنحاء الكوكب. كانت المحكمة الجنائية الدولية ومبدأ مسؤولية الحماية، منذ البداية، أفكاراً غير قابلة للتطبيق في العالم الذي نعيش فيه، وهو العالم الذي تزداد فيه السلطوية والاستبداد قوة باطراد.
وهكذا، فإن دعوات ناشطي حقوق الإنسان إلى العمل لا تكفي، بالنظر إلى أن التحرك بعيداً عن الديمقراطية وفي اتجاه الاستبدادية ربما تمكن مقاومته، لكن من غير المرجح إلى حد كبير عكس وجهته في المستقبل المنظور. وإذا كان ثمة أي مستقبل لحركة حقوق الإنسان على الإطلاق، فإنها يجب أن تنشغل في الدفاع عن بقايا ثورة إغناتييف للاهتمام الأخلاقي، وليس التظاهر -في الوقت الراهن على الأقل- بأنها تستطيع توسيع حدودها.
 
*مؤلف، آخر أعماله هو "في مديح النسيان: الذاكرة التاريخية ومفارقاتها".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 The End of Human Rights?
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات